سنة ثلاث وسبعين
سنة ثلاث وسبعين فيها توفي عبد الله بن عمر ، وعوف بن مالك الأشجعي ، وعبد الله بن الزبير ، وأمه أسماء بنت الصديق ، وأبو سعيد بن المعلى الأنصاري ، وربيعة بن عبد الله بن الهدير التيمي ، وعمرو بن عثمان بن عفان ، وعبد الله بن صفوان بن أمية بن خلف الجمحي ، وعبد الله بن مطيع بن الأسود العدوي ، وعبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله التيمي ، قتلوا ثلاثتهم مع ابن الزبير . وفيها توفي : مالك بن مسمع الربعي ، وأوس بن ضمعج بخلف فيه . وفيها حاصر الحجاج مكة وبها ابن الزبير قد حصنها ، ونصب الحجاج عليها المنجنيق .
فروى عبد الملك بن عبد الرحمن الذماري ، قال : حدثنا القاسم بن معن ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه بحديث طويل منه : وقاتل حصين بن نمير ابنَ الزبير أياما ، وأحرق فسطاطا له نصبه عند البيت ، فطار الشرر إلى البيت ، واحترق فيه يومئذ قرنا الكبش الذي فدي به إسحاق ، إلى أن قال في الحديث : فخطب عبد الملك بن مروان وقال : من لابن الزبير ؟ فقال الحجاج : أنا يا أمير المؤمنين ، فأسكته ، ثم أعاد قوله ، فقال : أنا ، فعقد له على جيش إلى مكة ، فنصب المنجنيق على أبي قبيس ، يرمي به على ابن الزبير وعلى من معه في المسجد ، وجعل ابن الزبير على الحجر الأسود بيضة يعني خوذة ترد عنه ، فقيل لابن الزبير : ألا تكلمهم في الصلح ، فقال : أوحين صلح هذا ، والله لو وجدوكم في جوف الكعبة لذبحوكم جميعا ، ثم قال : ولست بمبتاع الحياة بسبة ولا مرتق من خشية الموت سلما أنافس سهما إنه غير بارح ملاقي المنايا أي صرف تيمما . قال : وكان على ظهر المسجد طائفة من أعوان ابن الزبير يرمون عدوه بالآجر ، وحمل ابن الزبير فأصابته آجرة في مفرقه فلقت رأسه . وقال الواقدي : حدثنا مصعب بن ثابت ، عن أبي الأسود ، عن عباد بن عبد الله بن الزبير ، قال : وحدثنا شرحبيل بن أبي عون ، عن أبيه ، وحدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ؛ قالوا : لما قتل عبد الملك مصعبا بعث الحجاج إلى ابن الزبير في ألفين ، فنزل الطائف ، وبقي يبعث البعوث إلى عرفة ، ويبعث ابن الزبير بعثا فتهزم خيل ابن الزبير ، ويرد أصحاب الحجاج إلى الطائف ، فكتب الحجاج إلى عبد الملك في دخول الحرم ومحاصرة ابن الزبير ، وأن يمده بجيش ، فأجابه وكتب إلى طارق بن عمرو فقدم على الحجاج في خمسة آلاف ، فحج الحجاج بالناس ، سنة اثنتين يعني ، ثم صدر الحجاج بن يوسف وطارق ولم يطوفا بالبيت ولا قربا النساء حتى قتل ابن الزبير فطافا ، وحصر ابن الزبير من ليلة هلال ذي القعدة ستة أشهر وسبع عشرة ليلة ، وقدم على ابن الزبير حبشان من أرض الحبشة ، فجعلوا يرمون فلا يقع لهم مزراق إلا في إنسان ، فقتلوا خلقا ، وكان معه أيضا من خوارج أهل مصر ، فقاتلوا قتالا شديدا ، ثم ذكروا عثمان فتبرءوا منه ، فبلغ ابن الزبير فناكرهم ، فانصرفوا عنه .
وألح عليه الحجاج بالمنجنيق وبالقتال من كل وجه ، وحبس عنهم الميرة فجاعوا ، وكانوا يشربون من زمزم فيعصمهم ، وجعلت الحجارة تقع في الكعبة . وحدثنا شرحبيل ، عن أبيه قال : سمعت ابن الزبير يقول لأصحابه : انظروا كيف تضربون بسيوفكم ، وليصن الرجل سيفه كما يصون وجهه ، فإنه قبيح بالرجل أن يخطئ مضرب سيفه ، فكنت أرمقه إذا ضرب فما يخطئ مضربا واحدا شبرا من ذباب السيف أو نحوه ، وهو يقول : خذها وأنا ابن الحواري . فلما كان يوم الثلاثاء قام بين الركن والمقام فقاتلهم أشد القتال ، وجعل الحجاج يصيح بأصحابه : يا أهل الشام ، يا أهل الشام ، الله الله في الطاعة ، فيشدون الشدة الواحدة حتى يقال : قد اشتملوا عليه ، فيشد عليهم حتى يفرجهم ويبلغ بهم باب بني شيبة ثم يكر ويكرون عليه ، وليس معه أعوان ، فعل ذلك مرارا حتى جاءه حجر عائر من ورائه فأصابه في قفاه فوقذه فارتعش ساعة ، ثم وقع لوجهه ، ثم انتهض فلم يقدر على القيام ، وابتدره الناس ، وشد عليه رجل من أهل الشام فضرب الرجل فقطع رجليه وهو متكئ على مرفقه الأيسر ، وجعل يضربه وما يقدر أن ينهض حتى كثروه ، فصاحت امرأة من الدار : وا أمير المؤمنيناه قال : وابتدروه فقتلوه رحمه الله .
وقال الواقدي : حدثني إسحاق بن يحيى ، عن يوسف بن ماهك ، قال : رأيت المنجنيق يرمى به ، فرعدت السماء وبرقت ، واشتد الرعد ، فأعظم ذلك أهل الشام وأمسكوا ، فجاء الحجاج ورفع الحجر بيده ورمى معهم ، ثم إنهم جاءتهم صاعقة تتبعها أخرى ، فقتلت من أصحابه اثني عشر رجلا ، فانكسر أهل الشام ، فقال الحجاج : لا تنكروا هذا فهذه صواعق تهامة ، ثم جاءت صاعقة فأصابت عدة من أصحاب ابن الزبير من الغد . وقال الواقدي : حدثني إسحاق بن عبد الله ، عن المنذر بن الجهم قال : رأيت ابن الزبير يوم قتل وقد خذله من معه خذلانا شديدا ، وجعلوا يخرجون إلى الحجاج نحو من عشرة آلاف ، وقيل : إن ممن فارقه ولعله من الجوع ابناه حمزة وخبيب ، فخرجا إلى الحجاج وطلبا أمانا لأنفسهما . فروى الواقدي عن ابن أبي الزناد ، عن محمد بن سليمان ، قال : دخل ابن الزبير على أمه فقال : يا أمه خذلني الناس حتى ولدي وأهلي ، ولم يبق معي إلا من ليس عنده دفع أكثر من صبر ساعة ، والقوم يعطوني ما أردت من الدنيا ، فما رأيك ؟ قالت : أنت أعلم ، إن كنت تعلم أنك على حق وإليه تدعو فامض له ، فقد قتل عليه أصحابك ، ولا تمكن من رقبتك يتلعب بها غلمان بني أمية ، وإن كنت إنما أردت الدنيا فبئس العبد أنت ، أهلكت نفسك ومن قتل معك .
فقبل رأسها وقال : هذا رأيي الذي قمت به ، ما ركنت إلى الدنيا ، وما دعاني إلى الخروج إلا الغضب لله ، فانظري فإني مقتول ، فلا يشتد حزنك ، وسلمي لأمر الله ، في كلام طويل بينهما . قال : وجعل ابن الزبير يحمل فيهم كأنه أسد في أجمة ما يقدم عليه أحد ويقول : لو كان قرني واحدا كفيته ، وبات ليلة الثلاثاء سابع عشر جمادى الأولى وقد أخذ عليه الحجاج بالأبواب ، فبات يصلي عامة الليل ، ثم احتبى بحمائل سيفه فأغفى ، ثم انتبه بالفجر ، فصلى الصبح فقرأ : ن حرفا حرفا ، ثم قام فحمد الله وأثنى عليه ، وأوصى بالثبات ، ثم حمل حتى بلغ الحجون ، فأصيب بآجرة في وجهه شجته ، فقال : ولسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ولكن على أقدامنا تقطر الدما ثم تكاثروا عليه فقتلوه ، وبعث برأسه ، ورأسي عبد الله بن صفوان ، وعمارة بن عمرو بن حزم إلى الشام بعد أن نصبوا بالمدينة . واستوسق الأمر لعبد الملك بن مروان ، واستعمل على الحرمين الحجاج بن يوسف ، فنقض الكعبة التي من بناء ابن الزبير ، وكانت تشعثت من المنجنيق ، وانفلق الحجر الأسود من المنجنيق فشعبوه ، وبناها الحجاج على بناء قريش ولم ينقضها إلا من جهة الميزاب ، وسد الباب الذي أحدثه ابن الزبير وهو ظاهر المكان .
وفيها غزا محمد بن مروان بن الحكم قيسارية وهزم الروم . وفيها سار عمر بن عبيد الله التيمي بأهل البصرة في نحو عشرة آلاف لحرب أبي فديك ، فالتقوا فكان على ميمنة أهل البصرة محمد بن موسى بن طلحة ، وعلى الميسرة أخوه عمر بن موسى . فانكسرت الميسرة ، وأثخن أميرها بالجراح ، وأخذته الخوارج فأحرقوه في الحال ، ثم تناخى المسلمون وحملوا حتى استباحوا عسكر الخوارج ، وقتل أبو فديك وحصروهم في المشقر ، ثم نزلوا على الحكم فقتل عمر بن عبيد الله منهم نحو ستة آلاف ، وأسر ثمانمائة ، وكان أبو فديك قد أسر جارية أمية بن عبد الله ، فأصابوها وقد حبلت من أبي فديك .
وفيها عزل عبد الملك بن مروان خالدا عن البصرة وأضافها إلى أخيه بشر بن مروان واستعمل على خراسان بكير بن وشاح .