سنة ثمانين
سنة ثمانين فيها توفي عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ، وأسلم مولى عمر ، وأبو إدريس الخولاني الفقيه ، وعبد الرحمن بن عبد القاري ، وناعم بن أجيل المصري ، وعبد الله بن زرير الغافقي ، وجنادة بن أبي أمية ، وجبير بن نفير ، بخلف فيهما . وفيها صلب عبد الملك معبدا الجهني على إنكاره القدر ؛ قاله سعيد بن عفير . وفيها توفي سويد بن غفلة ، قاله أبو نعيم ، وعبيد الله بن أبي بكرة ، قاله ابن معين ، وشريح القاضي ، قاله ابن نمير ، والسائب بن يزيد ، قاله بعضهم ، وحسان بن النعمان الغساني بالروم .
وفيها كان سيل الجحاف ، وهو سيل عظيم جاء بمكة حتى بلغ الحجر الأسود ، فهلك خلق كثير من الحجاج . قال مصعب الزبيري : سمعت محمد بن نافع الخزاعي ، قال : كان من قصة الجحاف أن أهل مكة قحطوا ، ثم طلع في يوم قطعة غيم ، فجعل الجحاف يضرط به ، ويقول : إن جاءنا شيء فمن هذا ، فما برح من مكانه حتى جاء سيل فحمل الجمال وغرق الجحاف . وفيها غزا البحر من الإسكندرية عبد الواحد بن أبي الكنود حتى بلغ قبرس .
وفيها هلك أليون الملك عظيم الروم لا رحمه الله . وفيها سار يزيد بن أبي كبشة ، فالتقى هو والريان النكري بالبحرين ، ومع الريان امرأة من الأزد تقاتل ، اسمها جيداء ، فقتل هو وهي وعامة أصحابهما ، وصلب هو . وفيها أول فتنة ابن الأشعث : وذلك أن الحجاج كان شديد البغض لعبد الرحمن بن محمد بن الأشعث الكندي ، يقول : ما رأيته قط إلا أردت قتله .
ثم إنه أبعده عنه وأمره على سجستان في هذا العام بعد موت عبيد الله بن أبي بكرة ، فسار إليها ففتح فتوحا ، وسار ينهب بلاد رتبيل ويأسر ويخرب ، ثم بعث إليه الحجاج مع هذا كتبا يأمره بالوغول في تلك البلاد ويضعف همته ويعجزه ، فغضب ابن الأشعث وخطب الناس ، وكان معه رؤوس أهل العراق ، فقال : إن أميركم كتب إلي يأمرني بتعجيل الوغول بكم في أرض العدو ، وهي البلاد التي هلك فيها إخوانكم بالأمس ، وإنما أنا رجل منكم ، أمضي إذا مضيتم وآبى إذا أبيتم ، فثار إليه الناس فقالوا : لا ، بل نأبى على عدو الله ولا نسمع له ولا نطيع . وقال عامر بن واثلة الكناني : إن الحجاج ما يرى بكم إلا ما رأى القائل الأول : احمل عبدك على الفرس ، فإن هلك هلك ، وإن نجا فلك ، إن الحجاج ما يبالي ، إن ظفرتم أكل البلاد وحاز المال ، وإن ظفر عدوكم كنتم أنتم الأعداء البغضاء ، اخلعوا عدو الله الحجاج وبايعوا عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث ، فنادوا : فعلنا فعلنا ، ثم أقبلوا كالسيل المنحدر ، وانضم إلى ابن الأشعث جيش عظيم ، فعجز عنهم الحجاج ، واستصرخ بأمير المؤمنين ، فجزع لذلك عبد الملك بن مروان ، وجهز العساكر الشامية في الحال ، كما سيأتي في سنة إحدى وثمانين إن شاء الله تعالى .