حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تاريخ الإسلام

سنة اثنتين وثمانين

سنة اثنتين وثمانين فيها : قتل جماعة مع ابن الأشعث ، ومات سفيان بن وهب الخولاني ، وأبو عمر زاذان الكندي . وفيها كانت وقعة الزاوية بالبصرة بين ابن الأشعث وبين جيش الحجاج . ولابن الأشعث مع الحجاج وقعات كثيرة منها : وقعة دجيل المذكورة يوم عيد الأضحى ، وهذه الوقعة ، ووقعة دير الجماجم ، ووقعة الأهواز .

فيقال : إنه خرج مع ابن الأشعث ثلاثةٌ وثلاثون ألف فارس ، ومائةٌ وعشرون ألف راجل ، فيهم علماء وفقهاء وصالحون ، خرجوا معه طوعا على الحجاج . وقيل : كان بينهما أربعٌ وثمانون وقعة في مائة يوم ، فكانت منها ثلاثٌ وثمانون على الحجاج ، وواحدة له . قال ابن جرير الطبري : كانت وقعة دير الجماجم في شعبان سنة اثنتين ، قال ابن جرير : وفي قول بعضهم هي سنة ثلاثٍ وثمانين .

فذكر هشام بن الكلبي ، عن أبي مخنف لوط بن يحيى ، قال : حدثني أبو الزبير الهمداني ، قال : خرجت مع ابن الأشعث ، وخرج أهل الكوفة يستقبلونه ، فقال لي : اعدل عن الطريق لا يرى الناس جراحتكم ، فإني لا أحب أن يستقبلهم الجرحى ، فلما دخل الكوفة مالوا إليه كلهم ، وحفت به همدان ، إلا أن طائفة من تميم أتوا مطر بن ناجية ، وقد كان وثب على قصر الكوفة ، فلم يطق قتال الناس ، فنصب ابن الأشعث السلالم على القصر فأخذوه ، وأتوا بمطر بن ناجية ، فقال لابن الأشعث : استبقني فإني أفضل فرسانك وأعظمهم غناء عنك ، فحبسه ، ثم عفا عنه ، فبايعه وبايعه الناس بالكوفة ، ثم أتاه أهل البصرة ، وتفوضت إليه المسالح والثغور ، وجاءه عبد الرحمن بن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب بعد أن قاتل الحجاج بالبصرة ثلاثة أيام . وأقبل الحجاج من البصرة يسير من بين القادسية والعذيب ، فنزل دير قرة ، وكان أراد نزول القادسية ، فجهز له ابن الأشعث عبد الرحمن بن العباس ، فمنعه من نزولها ، ونزل عبد الرحمن الهاشمي دير الجماجم ، فكان الحجاج بعد يقول : أما كان عبد الرحمن يزجر الطير حيث رآني نزلت بدير قرة ، ونزل بدير الجماجم . واجتمع جل الناس على قتال الحجاج لظلمه وسفكه الدماء ، فكانوا مائة ألف مقاتل فجاءته أمداد الشام ، فنزل وخندق عليه ، وكذا خندق ابن الأشعث على الناس ، ثم كان الجمعان يلتقون كل يوم ، واشتد الحرب ، وثبت الفريقان .

وأشار بنو أمية على عبد الملك بن مروان ، وقالوا : إن كان إنما يرضي أهل العراق أن تنزع عنهم الحجاج فانزعه عنهم تخلص لك طاعتهم ، فبعث ابنه عبد الله بن عبد الملك ، وكتب إلى أخيه محمد بن مروان بالموصل ، فسار إليه ، وأمرهما أن يعرضا على أهل العراق نزع الحجاج عنهم ، وأن يجرى عليهم العطاء ، وأن ينزل ابن الأشعث أي بلدٍ شاء من العراق ، يكون عليه واليا ، فإن قبلوا فاعزلا عنهم الحجاج ، ومحمد أخي مكانه ، وإن أبوا فالحجاج أميركم كلكم وولي القتال ، قال : فقدموا على الحجاج ، فاشتد عليه ذلك ، وشق عليه العزل ، فراسلوا أهل العراق ، فجمع عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث الناس وخطبهم ، وأشار عليهم بالمصالحة ، فوثب الناس من كل جانب وقالوا : إن الله قد أهلكهم ، وأصبحوا في الأزل والضنك والمجاعة والقلة فلا نقبل . وأعادوا خلع عبد الملك ثانية ، وتعبؤوا للقتال ، فكان على ميمنة ابن الأشعث حجاج بن جارية الخثعمي ، وعلى ميسرته الأبرد بن قرة التميمي ، وعلى الخيل عبد الرحمن بن العباس الهاشمي ، وعلى الرجالة محمد بن سعد بن أبي وقاص ، وعلى المجنبة عبد الله بن رزام الحارثي ، وعلى المطوعة والصلحاء جبلة بن زحر الجعفي . وكان على ميمنة الحجاج عبد الرحمن بن سليم الكلبي ، وعلى ميسرته عمارة بن تميم اللخمي ، وعلى الخيالة سفيان بن الأبرد الكلبي ، فاقتتلوا أياما ، وأهل العراق تأتيهم الأمداد والخيرات من البصرة ، وجيش الحجاج في ضيق وغلاء سعر .

فيقال : إن يوم دير الجماجم كان في ربيع الأول ، ولا شك أن نوبة دير الجماجم كانت أياما ، بل أشهرا ، اقتتلوا هناك مائة يوم ، فلعلها كانت في آخر سنة اثنتين ، وأوائل سنة ثلاثٍ . فعن أبي الزبير الهمداني قال : كنت في خيل جبلة بن زحر ، وكان على القراء ، فحمل علينا عسكر الحجاج مرة بعد أخرى ، فنادانا عبد الرحمن بن أبي ليلى : يا معشر القراء ، ليس الفرار بأحدٍ من الناس بأقبح منكم ، وبقي يحرض على القتال . وقال أبو البختري : أيها الناس ، قاتلوهم على دينكم ودنياكم .

وقال سعيد بن جبير نحوا من ذلك ، وكذا الشعبي . وقال بعضهم : قاتلوهم على جورهم واستذلالهم الضعفاء ، وإماتتهم الصلاة . قال : ثم حملنا عليهم حملة صادقة ، فبدعنا فيهم ، ثم رجعنا ، فمررنا بجبلة بن زحر صريعا فهدنا ذلك ، فسلانا أبو البختري ، فنادونا : يا أعداء الله هلكتم ، قتل طاغوتكم .

وقال خالد بن خداش : حدثنا غسان بن مضر قال : خرج القراء مع ابن الأشعث ، وفيهم أبو البختري ، وكان شعارهم يومئذ يا ثارات الصلاة . وقيل : إن سفيان بن الأبرد حمل على ميسرة ابن الأشعث ، فلما دنا منها هرب الأبرد بن قرة التميمي ، ولم يقاتل كبير قتال ، فأنكرها منه الناس ، وكان شجاعا لا يفر ، وظن الناس أنه خامر ، فلما انهزم تقوضت الصفوف ، وركب الناس وجوههم . وكان ابن الأشعث على منبرٍ قد نصب له يحرض على القتال ، فأشار عليه ذوو الرأي : انزل وإلا أسرت ، فنزل وركب ، وخلى أهل العراق ، وذهب ، فانهزم أهل العراق كلهم ، ومضى ابن الأشعث مع ابن جعدة بن هبيرة في أناسٍ من أهل بيته ، حتى إذا حاذوا قرية بني جعدة عبر في معبر الفرات ، ثم جاء إلى بيته بالكوفة ، وهو على فرسه ، وعليه السلاح لم ينزل ، فخرجت إليه بنته ، فالتزمها ، وخرج أهله يبكون ، فوصاهم وقال : لا تبكوا ، أرأيتم إن لم أترككم ، كم عسيت أن أعيش معكم ، وإن أمت فإن الذي يرزقكم حي لا يموت ، وودعهم وذهب .

وقال الحجاج : اتركوهم فليتبددوا ، ولا تتبعوهم ، ونادى مناديه : من رجع فهو آمن ، ثم جاء إلى الكوفة فدخلها ، وجعل لا يبايع أحدا منها إلا قال له : اشهد على نفسك أنك كفرت ، فإذا قال : نعم ، بايعه ، وإلا قتله ، فقتل غير واحد ممن تحرج أن يشهد على نفسه بالكفر . وجيء برجل فقال الحجاج : ما أظن هذا يشهد على نفسه بالكفر ، فقال الرجل : أخادعي عن نفسي ، أنا أكفر أهل الأرض ، وأكفر من فرعون ذي الأوتاد ، فضحك وخلاه . وأما محمد بن سعد بن أبي وقاص فنزل بعد الوقعة بالمدائن ، فتجمع إليه ناس كثير ، وخرج عبيد الله بن عبد الرحمن بن سمرة العبشمي ، فأتى البصرة وبها ابن عم الحجاج أيوب بن الحكم ، فأخذ البصرة ، وقدم عليه عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث ، وجاء إليه الخلق ، وقال ابن سمرة له : إنما أخذت البصرة لك ، ولحق محمد بن سعد بهم ، فسار الحجاج لحربهم ، وخرج الناس معه إلى مسكن على دجيل .

وتلاوم أصحاب ابن الأشعث على الفرار ، وتبايعوا على الموت ، فخندق ابن الأشعث على أصحابه ، وسلط الماء في الخندق ، وأتته النجدة من خراسان ، فاقتتلوا خمس عشرة ليلة أشد القتال ، وقتل من أمراء الحجاج زياد بن غنيم القيني . ثم عبأ الحجاج جيشه وصرخ فيهم وحمل بهم ، فهزم أصحاب ابن الأشعث ، وقتل أبو البختري ، وابن أبي ليلى ، وكسر بسطام بن مصقلة في أربعة آلافٍ جفون سيوفهم وثبتوا ، وقاتلوا قتالا شديدا ، كشفوا فيه عسكر الحجاج مرارا ، فقال الحجاج : علي بالرماة ، قال : فأحاط بهم الرماة ، فقتلوا خلقا منهم بالنبل ، وانهزم ابن الأشعث في طائفةٍ ، وطلب سجستان ، فأتبعهم جيش الحجاج ، عليهم عمارة بن تميم ، فالتقوا بالسوس ، فاقتتلوا ساعة ، ثم انهزم ابن الأشعث ، فأتى سابور ، واجتمعت إليه الأكراد ، ثم قاتلهم عمارة ، فقتل عمارة وانهزم عسكره ، ثم مضى ابن الأشعث إلى بست ، وعليها عامله ، فأنزله وتفرق أصحاب ابن الأشعث ، فوثب عامل بست عليه فأوثقه ، وأراد أن يتخذ بالقبض عليه يدا عند الحجاج . وقد كان رتبيل سمع بمقدم ابن الأشعث ، فسار في جيوشه حتى أحاط ببست ، فراسل عاملها يقول له : والله لئن آذيت ابن الأشعث لا أبرح حتى أستنزلك ، وأقتل جميع من معك ، فخافه ، ودفع إليه ابن الأشعث ، فأكرمه رتبيل ، فقال ابن الأشعث : إن هذا كان عاملي فغدر بي وفعل ما رأيت ، فأذن لي في قتله ، قال : قد أمنته ، ثم مضى ابن الأشعث مع رتبيل إلى بلاده ، فأكرمه وعظمه .

وكان مع ابن الأشعث عدد كبير من الأشراف والكبار ، ممن لم يثق بأمان الحجاج ، ثم تبع أثر ابن الأشعث خلق من هذه البابة حتى قدموا سجستان ، ونزلوا على عبد الله بن عامر النعار ، فحصروه ، وكتبوا إلى ابن الأشعث بعددهم وجماعتهم ، وعليهم كلهم عبد الرحمن بن العباس الهاشمي ، فقدم عليهم ابن الأشعث بمن معه ، ثم غلبوا على مدينة سجستان ، وعذبوا ابن عامر وحبسوه ، ثم لم يشعر ابن الأشعث إلا وقد فارقه عبيد الله بن عبد الرحمن بن سمرة ، وسار في ألفين ، فغضب ابن الأشعث ورجع إلى رتبيل ، وقيل غير ذلك . وقيل : ساروا مع الهاشمي فقاتلهم يزيد بن المهلب ، فأسر منهم وهزمهم ، وفي تفصيل ذلك اختلاف . ومن بقية سنة اثنتين وثمانين : قال عوانة بن الحكم : كان بينهم إحدى وثمانون وقعة ، كلها على الحجاج ، إلا آخر وقعة كانت على ابن الأشعث ، وقتل من القراء بدير الجماجم خلق .

وقال شعبة ، عن عمرو بن مرة قال : أتى القراء يوم دير الجماجم أبا البختري الطائي يؤمرونه عليهم ، فقال : إني رجل من الموالي ، فأمروا رجلا من العرب ، فأمروا جهم بن زحر الخثعمي عليهم . وقال سلمة بن كهيل : رأيت أبا البختري بدير الجماجم ، وشد عليه رجل بالرمح فطعنه ، وانكشف ابن الأشعث فأتى البصرة ، وتبعه الحجاج ، فخرج منها إلى أرض دجيل الأهواز ، واتبعه الحجاج ، فالتقوا بمسكن ، فانهزم ابن الأشعث ، وقتل من أصحابه ناسٌ كثير ، وغرق منهم ناس كثير . وقال عمرو بن مرة : افتقد بمسكن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، وعبد الله بن شداد ، وأبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود .

وقال ابن عيينة : حدثني أبو فروة قال : افتقد ابن أبي ليلى بسوراء ، وأسر الحجاج ناسا كثيرا منهم : عمران بن عصام ، وعبد الرحمن بن ثروان ، وأعشى همدان ، قال أبو اليقظان : قتلهم جميعا . وقال خليفة : أول وقعةٍ كانت يوم النحر سنة إحدى وثمانين ، والوقعة الثانية في المحرم سنة اثنتين بالزاوية ، والوقعة الثالثة بظهر المربد في صفر ، والوقعة الرابعة بدير الجماجم في جمادى ، والوقعة الخامسة ليلة دجيل في شعبان سنة اثنتين . قال : ثم سار ابن الأشعث يريد خراسان ، وتبعه طائفةٌ قليلةٌ ، فتركهم وصار إلى خراسان ، فقام بأمر الحرب بعده عبد الرحمن بن العباس بن ربيعة الهاشمي ، ومعه القراء ، فالتقى هو ومتولي هراة مفضل بن المهلب بن أبي صفرة ، فهزمه المفضل ، ثم قتل عبد الرحمن ، وأسر عدة منهم : محمد بن سعد بن أبي وقاص ، والهلقام بن نعيم .

وكان عبد الرحمن قد ولي بلاد فارس وغزا الترك ، ثم خلع عبد الملك وفعل الأفاعيل ، ودعا إلى نفسه . قال خليفة : تسمية القراء الذين خرجوا مع ابن الأشعث : مسلم بن يسار المزني ، وأبو مراية العجلي ، وقد قتل ، وعقبة بن عبد الغافر العوذي فقتل ، وعقبة بن وساج البرساني ، فقتل ، وعبد الله بن غالب الجهضمي ، فقتل ، وأبو الجوزاء الربعي ، فقتل ، والنضر بن أنس بن مالك ، وعمران والد أبي جمرة الضبعي ، وأبو المنهال سيار بن سلامة الرياحي ، ومالك بن دينار ، ومرة بن دباب الهدادي ، وأبو نجيد الجهضمي ، وأبو شيخ الهنائي ، وسعيد بن أبي الحسن البصري ، وأخوه الحسن ، وقال : أكرهت على الخروج . وقال أيوب السختياني : قيل لابن الأشعث : إن أحببت أن يقتلوا حولك كما قتلوا حول الجمل مع عائشة فأخرج الحسن .

ومن أهل الكوفة : سعيد بن جبير ، وعبد الرحمن بن أبي ليلى ، وعبد الله بن شداد ، والشعبي ، وأبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود ، والمعرور بن سويد ، ومحمد بن سعد بن أبي وقاص ، وأبو البختري ، وطلحة بن مصرف ، وزبيد بن الحارث الياميان ، وعطاء بن السائب . قال أيوب السختياني : ما صرع أحدٌ مع ابن الأشعث إلا رغب له عن مصرعه ، ولا نجا منهم أحد إلا حمد الله الذي سلمه . وقال عوانة بن الحكم : قتل الحجاج بمسكن خمسة آلاف أو أربعة آلاف أسير .

وقال خليفة : فيها ، يعني سنة اثنتين ، قتل قتيبة بن مسلم : عمر بن أبي الصلت ، وأخاه ، وموسى بن كثير الحارثي ، وبكير بن هارون البجلي . وفيها كانت غزوة محمد بن مروان بأرمينية ، فهزم العدو ، ثم صالحوه ، فولى عليهم أبا شيخ بن عبد الله ، فغدروا به وقتلوه . وفيها فتح عبد الملك بن مروان حصن سنان من ناحية المصيصة .

وفيها كانت غزوة صنهاجة بالمغرب . وأسر يوم الجماجم محمد بن سعد ، فضربت عنقه صبرا ، وقتل ماهان الأعور القاص ، والفضيل بن بزوان يومئذٍ . وقال مالك بن دينار : لما كان يوم الزاوية قال عبد الله بن غالب أبو قريش الجهضمي : إني لأرى أمرا ما بي صبر ، روحوا بنا إلى الجنة ، فقاتل حتى قتل ، فكان يوجد من ريح قبره المسك .

وكان عابدا له أوراد ، سمعته يقول : رحم الله بني ماتوا ولم أتمتع من النظر إليهم . وروى ابن غالب عن : أبي سعيد الخدري . وروى عنه عطاء السليمي ، وغيره .

موقع حَـدِيث