الزهري محمد بن مسلم بن عبيد الله
ع : الزهري ، محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة الإمام ، أبو بكر القرشي الزهري المدني . أحد الأعلام وحافظ زمانه ، ولد سنة خمسين ، وطلب العلم في أواخر عصر الصحابة وله نيف وعشرون سنة ، فروى عن ابن عمر حديثين فيما بلغنا ، وعن سهل بن سعد ، وأنس بن مالك ، ومحمود بن الربيع ، وعبد الرحمن بن أزهر ، وسنين أبي جميلة ، وأبي الطفيل ، وربيعة بن عباد ، وعبد الله بن ثعلبة ، وكثير بن العباس بن عبد المطلب ، وعلقمة بن وقاص ، والسائب بن يزيد ، وسعيد بن المسيب ، وأبي أمامة بن سهل ، وعروة ، وسالم ، وعبيد الله بن عبد الله ، وخلق كثير . وعنه صالح بن كيسان ، ومعمر ، وعقيل ، ويونس ، والأوزاعي ، ومالك ، والليث ، وشعيب بن أبي حمزة ، وفليح بن سليمان ، وبكر وائل ، وعمرو بن الحارث ، ومحمد بن أبي حفصة ، وابن أبي ذئب ، وابن إسحاق ، وهشام بن سعد ، وهشيم ، وإبراهيم بن سعد ، وابن عيينة ، وخلائق .
وروى عنه من الكبار عمر بن عبد العزيز ، وعطاء بن أبي رباح ، وعمرو بن دينار ، وعمرو بن شعيب ، وزيد بن أسلم . قال أبو داود : حديثه ألفان ومائتا حديث ، النصف منها مسند . وقال ابن المديني : له نحو ألفي حديث .
قال مكحول ، وعمر بن عبد العزيز - وهذا لفظه : لم يبق أحد أعلم بسنة ماضية من الزهري . وقال عبد الرزاق : قلت لمعمر : أسمع الزهري من ابن عمر ؟ قال : سمع منه حديثين . وقال ابن عيينة : رأيت الزهري أعيمش أحمر الرأس واللحية ، وفي حمرتها انكفاء كان يجعل فيه كتماً .
وروى مالك وغيره عن الزهري قال : جالست سعيد بن المسيب ثمان سنين . وروى ابن أبي الزناد عن أبيه قال : كنا نطوف مع الزهري ومعه الألواح والصحف ، ويكتب كل ما سمع . قلت : وكان الزهري حافظاً لا يحتاج إلى أن يكتب ، فلعله كان يكتب ويتحفظ ثم يمحوه .
وروى أبو صالح عن الليث قال : ما رأيت عالماً قط أجمع من ابن شهاب ، يحدث في الترغيب فتقول : لا يحسن إلا هذا ، وإن حدث عن العرب والأنساب قلت : لا يحسن إلا هذا ، وإن حدث عن القرآن والسنة كان حديثه . وقال محمد بن إشكاب : كان الزهري جندياً . وقال إسحاق المسيبي ، عن نافع بن أبي نعيم : إنه عرض القرآن على الزهري .
وقال عراك بن مالك ، ذكر ابن المسيب وعروة إلى أن قال : أعلمهم عندي الزهري ؛ فإنه جمع علمهم إلى علمه . وقال الليث : قال ابن شهاب : ما صبر أحد على العلم صبري ، ولا نشره أحد نشري . قال الليث : وكان ابن شهاب من أسخى من رأيت ، كان يعطي كل من جاء ، فإذا لم يبق معه شيء اقترض ، وكان يسمر على العسل كما يسمر أهل الشراب على شرابهم ، ويقول : اسقونا وحدثونا ، وكانت له قبة معصفرة وعليه ملحفة معصفرة .
قال الوليد بن مسلم : حدثني القاسم بن هزان أنه سمع الزهري يقول : لا يرضي الناس قول عالم لا يعمل ، ولا عمل عامل لا يعلم . قاسم هذا صدوق . وعن ابن أبي ذئب قال : ضاق حال الزهري فخرج إلى الشام ، فجالس قبيصة بن ذؤيب فأرسل عبد الملك إلى الحلقة : من منكم يحفظ قضاء عمر في أمهات الأولاد ؟ قلت : أنا ، فأدخلت عليه فقال : من أنت ؟ فانتسبت له ، فقال : إن كان أبوك لنعاراً في الفتن ، اجلس ، فسأله مسائل وقضى دينه .
وقال ابن أخي الزهري : إن عمه جمع القرآن في ثمانين ليلة . وروى الزبير عن محمد بن الحسن ، عن مالك ، عن الزهري قال : كنت أستقي الماء لعبيد الله بن عبد الله ، فيقول لجاريته : من بالباب ؟ فتقول : غلامك الأعمش . وعن الزهري قال : ما استفهمت عالماً قط .
وقال ابن مهدي : قال مالك : حدثنا الزهري بحديث طويل فلم أحفظه ، فسألته عنه فقال : أليس قد حدثتكم ؟ قلت : بلى ، ثم قلت : أما كنت تكتب ؟ قال : لا ، قلت : ولا تستعيد ؟ قال : لا . وروى وهيب عن أيوب قال : ما رأيت أحداً أعلم من الزهري . وقال معن القزاز : حدثنا المنكدر بن محمد قال : رأيت بين عيني الزهري أثر السجود .
وروى الليث عن ابن شهاب قال : ما استودعت قلبي علماً فنسيته . قال الليث : فكان يكثر شرب العسل ، ولا يأكل شيئاً من التفاح . وقال مالك : بقي ابن شهاب وما له في الدنيا نظير .
وقال أبو بكر الهذلي : جالسنا الحسن وابن سيرين ، فما رأينا مثل الزهري . وقال عمرو بن دينار : ما رأيت الدينار والدرهم عند أحد أهون منه عند الزهري ، كأنها بمنزلة البعر . وقال سعيد بن عبد العزيز : أدى هشام بن عبد الملك عن الزهري سبعة آلاف دينار ، وكان يؤدب ولده ويجالسه .
قال الواقدي : حدثنا عبد الرحمن بن عبد العزيز قال : سمعت الزهري يقول : نشأت وأنا غلام لا مال لي منقطع من الديوان ، وكنت أتعلم نسب قومي من عبد الله بن ثعلبة بن صعير العدوي ، وكان عالماً بنسب قومي ، وكان ابن أختهم وحليفهم ، فأتاه رجل فسأله عن مسألة في الطلاق ، فأشار له إلى سعيد بن المسيب . فقلت في نفسي : ألا أراني مع هذا الرجل المسن يعقل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح رأسه ولا يدري ما هذا ؟ فانطلقت مع السائل إلى سعيد وتركت ابن ثعلبة ، وجالست عروة وعبيد الله وأبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث حتى فقهت ، فرحلت إلى الشام فدخلت مسجد دمشق في السحر ، فأممت حلقة وجاه المقصورة عظيمة ، فجلست فيها ، فنسبني القوم فقلت : رجل من قريش ، قالوا : هل لك علم بالحكم في أمهات الأولاد ؟ فأخبرتهم بقول عمر ، فقال لي القوم : هذا مجلس قبيصة بن ذؤيب ، وهو جائيك ، وقد سأله عبد الملك وسألناه فلم يجد عندنا في ذلك علماً . وجاء قبيصة وأخبروه الخبر فنسبني ، فانتسبت ، وسألني عن سعيد بن المسيب ونظرائه فأخبرته ، فقال : أنا أدخلك على أمير المؤمنين .
فصلى الصبح ، ثم انصرف فتبعته ، فدخل على عبد الملك ، وجلست على الباب ساعة حتى ارتفعت الشمس ، ثم خرج الآذن فقال : أين هذا المدني القرشي ؟ قلت : ها أنا ذا ، فدخلت معه على أمير المؤمنين فأجد بين يديه المصحف قد أطبقه ، وأمر به فرفع وليس عنده غير قبيصة ، فسلمت بالخلافة ، فقال : من أنت ؟ قلت : محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب ، فقال : أوه ! قوم نعارون في الفتن ، قال : وكان أبي مع ابن الزبير ، ثم قال : ما عندك في أمهات الأولاد ؟ فأخبرته وقلت : حدثني سعيد بن المسيب ، فقال : كيف سعيد وكيف حاله ؟ قال : والتفت إلى قبيصة فقال : هذا يكتب به إلى الآفاق . فقلت : لا أجده أخلى من هذه الساعة ولعلي لا أدخل عليه بعدها ، فقلت : إن رأى أمير المؤمنين أن يصل رحمي وأن يفرض لي فإني رجل منقطع لا ديوان لي . قال : إيها ، الآن امض لشأنك ، فخرجت موئساً من كل شيء خرجت له ، وأنا يومئذ والله مقل مرمل ، فجلست حتى خرج قبيصة فأقبل علي لائما لي ، فقال : ما حملك على ما صنعت من غير أمري ، ألا استشرتني ؟ قلت : ظننت أني لا أعود إليه .
قال : ائتني في المنزل ، فمشيت خلف دابته ، والناس يكلمونه حتى دخل منزله ، فقلما لبث حتى خرج خادم برقعة فيها : هذه مائة دينار قد أمرت لك بها وبغلة تركبها وغلام وعشرة أثواب ، فقلت للرسول : ممن أطلب هذا ؟ قال : ألا ترى الرقعة فيها اسم الذي أمرك أن تأتيه ، قال : فنظرت في طرف الرقعة فإذا فيها : فأت فلاناً ، فسألت عنه فقيل : ها هو ذا ، فأتيته بالرقعة فأمر لي بذلك من ساعته . قال : وغدوت إليه من الغد وأنا على البغلة فسرت إلى جنبه ، فقال : احضر باب أمير المؤمنين حتى أوصلك إليه ، فحضرت فأوصلني ، فسلمت ، فأومأ إلي أن اجلس ، فلما جلست ابتدأ عبد الملك بالكلام ، قال : فجعل يسألني عن أنساب قومي قريش ، فلهو كان أعلم بها مني ، ثم قال : قد فرضت لك فرائض أهل بيتك ، والتفت إلى قبيصة فأمره أن يكتب ذلك لي في الديوان ، ثم قال : أين تحب أن يكون ديوانك ؟ إلى أن قال : ثم خرج قبيصة فقال : إن أمير المؤمنين قد أمر أن تثبت في صحابته وأن ترفع فريضتك ، فالزم باب أمير المؤمنين ، فلزمت عسكر أمير المؤمنين ، وكنت أدخل عليه كثيراً ، وجعل عبد الملك فيما يسألني يقول : من لقيت ؟ فأسميهم له لا أعدو قريشاً ، فقال : فأين أنت عن الأنصار ، فإنك واجد عندهم علماً ، أين أنت عن خارجة بن زيد ، أين أنت عن عبد الرحمن بن يزيد بن خارجة ؟ قال : فقدمت المدينة فسألتهم فوجدت عندهم علماً كثيراً . قال : وتوفي عبد الملك فلزمت الوليد ، ثم سليمان ، ثم عمر بن عبد العزيز ، ثم يزيد ، ثم هشاماً .
فاستقضى يزيد بن عبد الملك على قضائه الزهري وسليمان بن حبيب جميعاً . وحج هشام بن عبد الملك سنة ست ومائة ومعه الزهري ، حصره مع ولده يفقههم ويعلمهم ويحج معهم ، فلم يفارقهم حتى مات . قال الواقدي : وحدثنا ابن أبي الزناد ، عن أبيه قال : كان الزهري يقدح أبداً عند هشام في خلع الوليد بن يزيد ، ويعيبه ويذكر أموراً عظيمة لا ينطق بها حتى يذكر الصبيان وأنهم يخضبون بالحناء ، ويقول : ما يحل لك إلا خلعه ، فكان هشام لا يقدر ولا يسوؤه ما صنع الزهري رجاء أن يؤلب الناس عليه ، قال أبو الزناد : فكنت يوماً عنده في ناحية الفسطاط أسمع من كلام الزهري في الوليد وأتغافل ، فجاء الحاجب فقال : هذا الوليد على الباب ، قال : أدخله ، فدخل وأوسع له هشام على فراشه وأنا أعرف في وجه الوليد الغضب والشر ، فلما استخلف الوليد بعث إلي وإلى عبد الرحمن بن القاسم وابن المنكدر وربيعة ، فأرسل إلي ليلة مخليا ، فقال : يا ابن ذكوان ، أرأيت يوم دخلت على الأحول وأنت عنده والزهري يقدح في ، أفتحفظ من كلامه شيئاً ؟ قلت : يا أمير المؤمنين ، أذكر يوم دخلت والغضب في وجهك ، قال : كان الخادم الذي رأيت على رأس هشام نقل ذلك كله إلي وأنا على الباب ، وقال : إنك لم تنطق بشيء ، ثم قال : قد كنت عاهدت الله لئن أمكنني الله أن أقتل الزهري .
قال ابن الوليد : حدثني شعيب بن أبي حمزة قال : سئل مكحول : من أعلم من لقيت ؟ قال : ابن شهاب . قيل : ثم من ؟ قال : ثم ابن شهاب . وعن يونس ، عن ابن شهاب قال : قال لي سعيد بن المسيب : ما مات رجل ترك مثلك .
وروى إبراهيم بن سعد عن أبيه قال : ما أرى أحداً بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع ما جمع ابن شهاب . وقال عقيل : رأيت على ابن شهاب خاتماً محمد يسأل الله العافية . قال مؤمل بن الفضل : حدثنا الوليد بن مسلم قال : حدثنا سعيد بن عبد العزيز أن الزهري قال لهشام : اقض ديني ، قال : وكم هو ؟ قال : ثمانية عشر ألف دينار ، قال : إني أخاف إن قضيتها عنك أن تعود ، فقال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين .
فقضاها عنه ، قال سعيد : فما مات الزهري حتى استدان مثلها ، فبعث ببعث فقضى دينه . وقال ضمام بن إسماعيل ، عن عقيل ، عن ابن شهاب أنه كان ينزل بالأعراب يعلمهم . وروى محمد بن الصباح قال : حدثنا سفيان قال : قالوا للزهري : لو أنك الآن في آخر عمرك أقمت بالمدينة فغدوت إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ورحت وجلست إلى عمود فذكرت الناس وعلمتهم ؟ قال : لو أني فعلت ذلك لوطئ الناس عقبي ، ولا ينبغي لي أن أفعل حتى أزهد في الدنيا وأرغب في الآخرة .
وقال عبد الرزاق : سمعت معمراً يقول : أتيت الزهري بالرصافة فجالسته ، فجعلت أسأله حتى ظننت أني قد فرغت منه ، فلما مات مر علينا بكتبه على البغال . وفي لفظ للإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، سمعت معمراً يقول : كنا نرى أنا قد أكثرنا عن الزهري حتى قتل الوليد فإذا الدفاتر قد حملت على الدواب من خزائنه ؛ يعني من علم الزهري . قلت : يعني الكتب التي كتبت عنه لآل مروان .
وروى الليث بن سعد عن معاوية بن صالح أن أبا جبلة حدثه قال : كنت مع ابن شهاب في سفر ، فصام عاشوراء فقيل له ! فقال : إن رمضان له عدة من أيام أخر ، وإن عاشوراء يفوت . قال أبو مسهر : حدثنا يحيى بن حمزة قال : قال الزهري : ثلاث إذا كن في القاضي فليس بقاض ؛ إذا كره الملام ، وأحب المحامد ، وكره العزل . وقال أبو صالح : حدثنا الليث ، حدثنا بعض أصحابنا أن ابن شهاب وضع يده في وضوئه ، ثم تذكر حديثاً فلم يزل يتذكر ويده في الماء حتى أذن المؤذن في السحر .
وقال علي بن حجر : حدثنا الموقري قال : كنا نختلف إلى الزهري سبعة أشهر ، فقال لنا : من لم يأكل طعامنا فلا يقربنا . وعاتبوه يوماً في دينه ، فقال : هل علي إلا عشرة آلاف دينار وأنا منعم في الدنيا لي خمسة من العيون كل عين منها خير من أربعين أربعين ألف دينار ، وليس لي وارث إلا ابن الابن ، وما أبالي أن لا يصيب مني درهماً ؛ لأنه فاسق . ابن وهب : حدثنا يحيى بن أيوب ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن ابن شهاب قال : لا يناظر بكتاب الله ولا بكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وروى ابن القاسم عن مالك قال : قدم ابن شهاب المدينة ، فأخذ بيد ربيعة ودخلا إلى بيت الديوان فما خرجا إلى العصر ، فخرج ابن شهاب يقول : ما ظننت أن بالمدينة مثل ربيعة ، وخرج ربيعة يقول : ما ظننت أن أحداً بلغ من العلم ما بلغ ابن شهاب . ابن وهب ، عن يونس ، عن ابن شهاب قال : الإيمان بالقدر نظام التوحيد ، فمن وحد ولم يؤمن بالقدر نقض كفره بالقدر توحيده . وقال سعيد بن أبي مريم : حدثنا يحيى بن أيوب ونافع بن يزيد ، قالا : حدثنا عقيل ، عن الزهري أنه قال : من سنة الصلاة أن تقرأ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم ﴾، ثم فاتحة الكتاب ، ثم تقرأ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم ﴾، ثم تقرأ سورة .
وكان يقول : أول من قرأ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم ﴾سراً بالمدينة عمرو بن سعيد بن العاص ، وكان رجلاً حيياً . وقال إسماعيل بن أبي أويس : سمعت خالي مالكاً يقول : إن هذا العلم دين ، فانظروا عمن تأخذون دينكم ، لقد أدركت في هذا المسجد سبعين ممن يقول : قال فلان : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإن أحدهم لو ائتمن على بيت مال لكان به أميناً ، فما أخذت منهم شيئاً لأنهم لم يكونوا من أهل هذا الشأن ، ويقدم علينا الزهري وهو شاب فنزدحم على بابه . كذا قال ، ولم يلق مالك الزهري إلا وهو شيخ ، فلعله اشتبه عليه بالخضاب .
وقال ابن عيينة : سمعت الزهري يقول : كنت أحسب أني قد تعلمت من العلم وأصبت منه ، فلما جالست عبيد الله بن عتبة فكأنما كنت في شعب من الشعاب . وقال يونس عنه : جالست ابن المسيب حتى ما كنت أسمع منه إلا الرجوع - يعني المعاد - وجالست عبيد الله فما رأيت أغرب حديثاً منه ، وجالست عروة فوجدته بحراً لا تكدره الدلاء . وقال أبو ضمرة : حدثنا عبيد الله بن عمر قال : رأيت ابن شهاب يوماً يؤتى بالكتاب ما يقرأه ولا يقرأ عليه ، فيقولون : نأخذ هذا عنك ؟ فيقول : نعم ، فيأخذونه ولا يراه ولا يرونه .
وقال بشر بن المفضل : حدثنا عبد الرحمن بن إسحاق ، عن الزهري قال : ما استعدت حديثاً إلا مرة ، فسألت صاحبي فإذا هو كما حفظت . قال قرة بن حيويل : لم يكن للزهري كتاب إلا كتاب في نسب قومه . وقال معمر : سمعت الزهري يقول : يا أهل العراق ، يخرج الحديث من عندنا شبراً ويصير عندكم ذراعاً .
وقال نوح بن يزيد المؤدب : حدثنا إبراهيم بن سعد قال : سمعت ابن شهاب يقول : لقيني سالم كاتب هشام فقال لي : إن أمير المؤمنين يأمرك أن تكتب لولده حديثك . قلت : لو سألتني عن حديثين أتبع أحدهما الآخر ما قدرت ، ولكن ابعث إلي كاتباً أو كاتبين فإنه قل يوم إلا يأتيني يسألوني عما لم أسأل عنه بالأمس ، فبعث إلي كاتبين اختلفا إلي سنة ، قال : ثم لقيني فقال : يا أبا بكر ، ما أرانا إلا قد أنقصناك ، قلت : كلا ، إنما كنت في عزاز من الأرض ، فالآن هبطت بطون الأودية . وعن شعيب بن أبي حمزة قال : سمعت الزهري يقول : مكثت خمساً وأربعين سنة أختلف من الشام إلى الحجاز ، فما وجدت شيئاً أستطرفه .
وروى محمد بن الضحاك بن عثمان عن مالك قال : أخبرني ربيعة أن عبد الملك بن مروان قال للزهري : هل جالست عروة ؟ قال : لا . فأمره به ، قال الزهري : ففجرت به بحراً . ابن وهب قال : قال مالك : لقد هلك سعيد بن المسيب ولم يترك كتاباً ، ولا القاسم ولا عروة ولا ابن شهاب ، ثم قال مالك : قلت لابن شهاب وأنا أريد أن أخصمه : ما كنت تكتب ؟ قال : لا ، قلت : ولا تسأل أن يعاد عليك الحديث ؟ قال : لا .
ولقد سألته عن حديث قال : الذي أعجبني منه قد حدثتكم به . وقال أيوب بن سويد : حدثنا يونس قال : قال الزهري : إياك وغلول الكتب ، قلت : ما غلولها ؟ قال : حبسها . وروى إبراهيم بن سعد عن أبيه قال : ما سبقنا ابن شهاب بشيء من العلم ، إلا أنه كان يشد ثوبه عند صدره ويسأل عما يريد ، وكنا تمنعنا الحداثة .
وقال إسماعيل القاضي : حدثنا نصر بن علي قال : حدثنا حسين بن عروة ، عن مالك قال : قدم علينا الزهري ، فأتيناه ومعنا ربيعة فحدثنا بنيف وأربعين حديثاً ، ثم أتيناه من الغد ، وقال : انظروا كتاباً حتى أحدثكم منه ، أرأيتم ما حدثتكم أمس في أيديكم منه ؟ فقال له ربيعة : ها هنا من يسرد عليك ما حدثت به أمس ، قال : ومن هو ؟ قال : ابن أبي عامر . قال لي : هات . فحدثته بأربعين منها ، فقال الزهري : ما كنت أرى أنه بقي من يحفظ هذا غيري .
وروى الأوزاعي عن سليمان بن حبيب المحاربي قال : قال لي عمر بن عبد العزيز : ما أتاك به الزهري من غيره فشد يديك به ، وما أتاك به عن رأيه فانبذه . وقال ابن المديني : دار علم الثقات على ستة ؛ فكان بالحجاز عمرو بن دينار والزهري ، وبالبصرة قتادة ويحيى بن أبي كثير ، وبالكوفة أبو إسحاق والأعمش . وقال الحاكم : حدثنا الأصم قال : أخبرنا الربيع قال : أخبرنا الشافعي قال : حدثني ابن سعد قال : سألت الزهري عن شيء من أمر الخلع ، فقال : إن عندي فيه ثلاثين حديثاً ما سألني عنها أحد قط .
وروى أحمد بن عبد العزيز الرملي قال : حدثنا الوليد بن مسلم ، عن الأوزاعي قال : سمعت الزهري لما حدث بحديث لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ، قلت له : فما هو ؟ قال : من الله القول ، وعلى الرسول البلاغ ، وعلينا التسليم ، أمروا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء بلا كيف . وقال محمد بن ميمون المكي : حدثنا ابن عيينة قال : مررت على الزهري وهو جالس عند باب الصفا فجلست بين يديه ، فقال : يا صبي ، قرأت القرآن ؟ قلت : بلى . قال : تعلمت الفرائض ؟ قلت : بلى .
قال : كتبت الحديث ؟ قلت : بلى . وقلت : أبو إسحاق الهمداني . قال : أبو إسحاق أستاذ أستاذ .
وقال عبد الله بن جعفر الرقي : حدثنا عبيد الله بن عمرو قال : كتب إلي زيد بن أبي أنيسة : اجمع لي أحاديث الزهري . معمر : أخبرنا صالح بن كيسان قال : اجتمعت أنا والزهري نطلب العلم ، فقلنا : نكتب السنن ، فكتبنا ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم قال : نكتب ما جاء عن أصحابه فإنه سنة ، فقلت أنا : ليس بسنة ، فكتب ولم أكتب ، فأنجح وضيعت . وروى يونس عن الزهري قال : العلم واد ، فإذا هبطت وادياً فعليك بالتؤدة حتى تخرج منه .
وعن الزهري قال : كنا نأتي العالم فما نتعلم من أدبه أحب إلينا من علمه . وقال ابن عيينة : قال الزهري : كنا نكره الكتاب حتى أكرهنا عليه السلطان ، فكرهنا أن نمنعه الناس . وروى معمر عن الزهري قال : ما عبد الله بشيء أفضل من العلم .
وقال الليث : قال ابن شهاب : ما صبر أحد للعلم صبري ، وما نشره أحد نشري ، فأما عروة فبئر لا تكدرها الدلاء ، وأما سعيد فانتصب للناس فذهب اسمه كل مذهب . وروى سفيان عن الزهري قال : كنت عند الوليد ، فتلا : وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ [ النور ] ، فقال : نزلت في علي . قلت : أصلح الله الأمير ، ليس كذا ؛ فأخبرني عروة عن عائشة أنها نزلت في عبد الله بن أبي المنافق .
أخبرونا عن اللبان قال : أخبرنا أبو علي قال : حدثنا أبو نعيم قال : أخبرنا ابن الصواف قال : حدثنا بشر بن موسى قال : حدثنا معاوية بن عمرو قال : حدثنا أبو إسحاق الفزاري ، عن الأوزاعي ، عن الزهري قال : كان من مضى من علمائنا يقولون : الاعتصام بالسنة نجاة ، والعلم يقبض قبضاً سريعاً ، فبعز العلم ثبات الدين والدنيا ، وفي ذهاب العلم ذهاب ذلك كله . وروى ابن المبارك عن يونس قال : قلت للزهري : أخرج لي كتبك ، فأخذ بيدي فأدخلني ، ثم قال : يا جارية ، هاتي تلك الكتب . فأخرجت صحفاً فيها شعر ، وقال : ما عندي إلا هذا .
وعن إسماعيل المكي ، عن الزهري قال : من سره أن يحفظ الحديث فليأكل الزبيب . وقال أيوب بن سويد : حدثنا يونس بن يزيد ، عن الزهري قال : قال لي القاسم : يا غلام ، أراك تحرص على طلب العلم ، أفلا أدلك على وعائه ؟ قلت : بلى . قال : عليك بعمرة فإنها كانت في حجر عائشة ، فأتيتها فوجدتها بحراً لا ينزف .
وقال موسى بن إسماعيل : حدثنا سفيان قال : سمعت عمرو بن دينار يقول : جالست جابراً وابن عمر وابن عباس وابن الزبير ، فلم أر أحداً أنسق للحديث من الزهري . وعن الوليد بن عبد الله العجلي ، سمع الزهري يقول : الحافظ لا يولد إلا في كل أربعين سنة مرة . وقال يونس بن محمد المؤدب : حدثنا أبو أويس قال : سألت الزهري عن التقديم والتأخير في الحديث فقال : هذا يجوز في القرآن ، فكيف به في الحديث ؟ إذا أصيب معنى الحديث فلا بأس .
قال إبراهيم بن المنذر الحزامي : حدثنا يحيى بن محمد بن حكم قال : حدثنا ابن أبي ذئب قال : ضاقت حال الزهري ورهقه دين ، فخرج إلى الشام فجالس قبيصة بن ذؤيب ، قال ابن شهاب : فبينا نحن معه نسمر إذ جاءه رسول عبد الملك فذهب به إليه ، ثم رجع فقال : من منكم يحفظ قضاء عمر في أمهات الأولاد ؟ قلت : أنا . قال : قم . فدخلنا على عبد الملك فإذا هو جالس على نمرقة ، بيده مخصرة ، عليه غلالة ، ملتحف بسبيبة ، بين يديه شمعة ، فسلمت فقال : من أنت ؟ فانتسبت له ، فقال : إن كان أبوك لنعاراً في الفتن ، قلت : يا أمير المؤمنين ، عفا الله عما سلف .
قال : اجلس ، فجلست ، قال : تقرأ القرآن ؟ قلت : نعم ، قال : اقرأ من سورة كذا ومن سورة كذا ، فقرأت ، فقال : أتفرض ؟ قلت : نعم ، قال : فما تقول في امرأة تركت زوجها وأبويها ، قلت : لزوجها النصف ولأمها السدس ولأبيها ما بقي ، قال : أصبت الفرض وأخطأت اللفظ ؛ إنما لزوجها النصف ولأمها ثلث ما يبقى ، هات حديثك . قلت : حدثني سعيد بن المسيب فذكر قضاء عمر في أمهات الأولاد ، فقال : وهكذا حدثني سعيد ، فقلت : يا أمير المؤمنين ، اقض ديني ، قال : نعم ، قلت : وتفرض لي ، قال : لا ، والله ما نجمعهما لأحد . قال : فتجهزت إلى المدينة .
وعن السري بن يحيى ، عن ابن شهاب قال : قدمت الشام أريد الغزو ، فأتيت عبد الملك فوجدته في قبة على فرش تفوت القائم ، والناس تحته سماطان . وقال أحمد بن صالح : حدثنا عنبسة قال : حدثنا يونس ، عن ابن شهاب قال : وفدت إلى مروان وأنا محتلم . هذه رواية غريبة ، قد قال يحيى بن بكير فيها : هذا باطل ، إنما خرج إلى عبد الملك ، ولم يكن عنبسة موضعاً لكتابة الحديث .
قال خليفة : ولد سنة إحدى وخمسين . وقال دحيم وغير واحد : ولد سنة خمسين . وقال الحميدي : قال سفيان : رأيت الزهري أحمر الرأس واللحية ، وفي حمرتها انكفاء كأنه يجعل فيه كتماً ، وكان أعيمش ، وله جمة ، قدم علينا في سنة ثلاث وعشرين ومائة - يعني مكة - فأقام إلى هلال المحرم ، وأنا يومئذ ابن ست عشرة سنة .
وقال ابن وهب : حدثني يعقوب بن عبد الرحمن قال : رأيت الزهري قصيراً قليل اللحية له شعرات طوال خفيف العارضين . ولفائد بن أقرم يمدح الزهري ، فقال بعد أن تغزل : دع ذا وأثن على الكريم محمد واذكر فواضله على الأصحاب وإذا يقال : من الجواد بماله ؟ قيل : الجواد محمد بن شهاب أهل المدائن يعرفون مكانه وربيع نادية على الأعراب قال أحمد بن سنان القطان : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال : سمعت مالكاً يقول : حدث الزهري قوماً بحديث ، فلما قام قمت فأخذت بعنان دابته فاستفهمته ، فقال : تستفهمني ! ما استفهمت عالماً قط ولا أعدت شيئاً على عالم قط . وقال عثمان بن سعيد الدارمي : حدثنا موسى بن محمد البلقاوي قال : سمعت مالكاً يقول : حدث الزهري بمائة حديث ، ثم التفت إلي فقال : كم حفظت يا مالك ؟ قلت : أربعين حديثاً ، قال : فوضع يده على جبهته ثم قال : إنا لله ، كيف نقص الحفظ ! وقال ابن وهب : أخبرني يعقوب بن عبد الرحمن أن الزهري كان يبتغي العلم من عروة وغيره ، فيأتي جارية له نائمة فيوقظها فيقول لها : حدثني فلان وفلان بكذا ، فتقول : ما لي ولهذا ، فيقول : قد علمت أنك لا تنتفعين به ، ولكن سمعت الآن فأردت أن أستذكره .
وقال أحمد بن أبي الحواري : سمعت الوليد بن مسلم يقول : خرج الزهري من الخضراء من عند عبد الملك بن مروان فجلس عند ذاك العمود ، فقال : يا أيها الناس ، إنا كنا منعناكم شيئاً قد بذلناه لهؤلاء ، فتعالوا حتى أحدثكم . قال : وسمعهم يقولون : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال : يا أهل الشام ، ما لي أرى أحاديثكم ليس لها أزمة ولا خطم ؟! قال الوليد : فتمسك أصحابنا بالأسانيد من يومئذ .
وقال معمر عن الزهري : كنا نكره الكتاب حتى أكرهنا عليه الأمراء ، فرأيت أن لا أمنعه مسلماً . قال أحمد بن حنبل : الزهري أحسن الناس حديثاً وأجود الناس إسناداً . وقال أبو حاتم : أثبت أصحاب أنس الزهري .
وروى أبو صالح ، عن الليث ، قال : كان الزهري يختم حديثه بدعاء جامع يقول : اللهم إني أسألك من كل خير أحاط به علمك في الدنيا والآخرة ، وأعوذ بك من كل شر أحاط به علمك في الدنيا والآخرة . وقال الليث بن سعد ، عن يحيى بن سعيد ، قال : ما بقي عند أحد من العلم ما بقي عند ابن شهاب . وقال سعيد بن بشير ، عن قتادة ، قال : ما بقي أحد أعلم بسنة ماضية من ابن شهاب ورجل آخر ، كأنه عنى نفسه .
وقال أبو بكر الهذلي - مع مجالسته للحسن وابن سيرين - : لم أر قط مثل الزهري . وقال سعيد بن عبد العزيز : ما الزهري إلا بحر . سمعت مكحولاً يقول : ابن شهاب أعلم الناس .
وقال مالك : بقي ابن شهاب وما له في الناس نظير . وقال موسى بن إسماعيل : شهدت وهيباً وبشر بن المفضل ، وغيرهما ذكروا الزهري فلم يجدوا أحداً يقيسونه به إلا الشعبي . وقال ابن المديني : أفتى أربعة : الحكم ، وحماد ، وقتادة ، والزهري ، والزهري عندي أفقههم .
وقال الفريابي : سمعت الثوري يقول : أتيت الزهري فتثاقل علي ، فقلت له : أتحب لو أنك أتيت مشايخك فصنعوا بك مثل هذا ؟ ! فقال : كما أنت ، ودخل فأخرج إلي كتاباً ، فقال : خذ هذا فاروه عني ، فما رويت عنه حرفاً . وقال عبد الوهاب بن عطاء : حدثنا الحسن بن عمارة قال : أتيت الزهري بعد أن ترك الحديث فألفيته على بابه ، فقلت : إن رأيت أن تحدثني ، فقال : أما علمت أني قد تركت الحديث ؟ فقلت : إما أن تحدثني وإما أن أحدثك ، قال : حدثني ، فقلت : حدثني الحكم بن عتيبة ، عن يحيى بن الجزار ، قال : سمعت عليا - رضي الله عنه - يقول : ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن يعلموا . قال يحيى بن سعيد القطان : مرسل الزهري شر من مرسل غيره ، لأنه حافظ ، وكلما قدر أن يسمي سمى ، وإنما يترك من لا يحب أن يسميه .
وروى علي بن حوشب الفزاري ، عن مكحول ، وذكر الزهري ، فقال : أي رجل هو لولا أنه أفسد نفسه بصحبة الملوك . وقال يعقوب بن شيبة : حدثني الحسن الحلواني ، قال : حدثنا الشافعي ، قال : حدثنا عمي ، قال : دخل سليمان بن يسار على هشام ، فقال له : يا سليمان من الذي تولى كبره منهم ؟ فقال : ابن سلول ، قال : كذبت بل هو علي ، فدخل ابن شهاب فقال : يا ابن شهاب من الذي تولى كبره ؟ قال : ابن أبي . فقال له : كذبت بل هو علي ، قال : أنا أكذب ، لا أبا لك ، فوالله لو نادى مناد من السماء : إن الله قد أحل الكذب ما كذبت ، حدثني سعيد ، وعروة ، وعبيد الله ، وعلقمة بن وقاص ، عن عائشة أن الذي تولى كبره عبد الله بن أبي ، قال : فلم يزل القوم يغرون به ، فقال له هشام : ارحل ، فوالله ما كان ينبغي لنا أن نحمل عن مثلك ، فقال : ولم ؟ أنا اغتصبتك على نفسي أو أنت اغتصبتني على نفسي فخل عني ، فقال له : لا ، ولكنك استدنت ألفي ألف ، فقال : قد علمت وأبوك قبل ، أني ما استدنت هذا المال عليك ، ولا على أبيك ، فقال هشام : إنا إن نهيج الشيخ يهج الشيخ ، فأمر فقضى من دينه ألف ألف ، فأخبر بذلك فقال : الحمد لله الذي هذا هو من عنده .
قال عمي : ونزل ابن شهاب بماء من المياه فالتمس سلفاً فلم يجد فأمر براحلته فنحرت ودعا إليها أهل الماء فمر به عمه فدعاه إلى الغداء ، فقال : يا ابن أخي إن مروءة سنة تذهب بذل الوجه ساعة ، فقال : يا عم انزل فكل وإلا فامض . ونزل مرة بماء فشكا إليه أهل الماء : إن لنا ثماني عشرة امرأة عمرية ، أي لهن أعمار ، ليس لهن خادم ، فاستسلف ابن شهاب ثمانية عشر ألفاً وأخدم كل واحدة منهن خادماً بألف . وقال الوليد بن مسلم : حدثنا سعيد بن عبد العزيز أن هشام بن عبد الملك قضى عن الزهري سبعة آلاف دينار ، وقال لا تعد لمثلها ، فقال : يا أمير المؤمنين حدثني ابن المسيب عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين .
وقال مالك : قال الزهري : وجدنا السخي لا تنفعه التجارب . وقال يونس : سمعت الشافعي يقول : مر تاجر بالزهري - وهو في قريته - والرجل يريد الحج فابتاع منه بزاً بأربع مائة دينار إلى أجل فلم يبرح الزهري حتى فرقه ، فلما رأى الكراهية في وجه التاجر أعطاه وقت رجوعه من الحج الثمن وزاده ثلاثين ديناراً ، وقال : إني رأيتك يومئذ ساء ظنك ، فقال : أجل ، قال : والله لم أفعل ذلك إلا للتجارة ، أعطي القليل فأعطى الكثير . وروى سويد عن ضمام ، عن عقيل بن خالد أن ابن شهاب خرج إلى الأعراب ليفقههم فجاءه أعرابي وقد نفد ما في يده ، فمد يده إلى عمامتي فأخذها ، فأعطاه إياها ، وقال : يا عقيل أعطيك خيراً منها .
وقال سعيد بن عبد العزيز : كنا نأتي الزهري بالراهب فيقدم إلينا كذا كذا لوناً . قلت : الراهب عند المصلى بظاهر دمشق . وقال حماد بن زيد : كان الزهري يحدث ثم يقول : هاتوا من أشعاركم وأحاديثكم فإن الأذن مجاجة وإن للنفس حمضة .
قلت : قد جمع أحمد بن صالح المصري علم الزهري وكذا ألف محمد بن يحيى الذهلي حديث الزهري فأتقن واستوعب ، وهو في مجلدين . وقد انفرد الزهري بسنن كثيرة وبرجال عدة لم يرو عنهم غيره سماهم مسلم ، وعدتهم بضع وأربعون نفساً . فأما أصحابه فعلى مراتب .
قال عثمان الدارمي : سألت يحيى بن معين عن أصحاب الزهري ، قلت له : معمر أحب إليك في الزهري أو مالك : قال : مالك ، قلت : فيونس وعقيل أحب إليك أم مالك ؟ قال : مالك ، قلت : فابن عيينة أحب إليك أم معمر ؟ قال : معمر ، قلت : فشعيب ؟ قال : مثل يونس وعقيل ، قلت : فالزبيدي ؟ قال : هو مثلهم ، قلت : فإبراهيم بن سعد أحب إليك أو الليث ؟ قال : كلاهما ثقتان ، قلت : فمعمر أحب إليك أو صالح بن كيسان ؟ قال : معمر ، وصالح ثقة ، قلت : فعبد العزيز الماجشون ؟ قال : ليس به بأس ، قلت : فمحمد بن أبي حفصة ؟ قال : صويلح ، قلت : فصالح بن الأخضر ؟ قال : ليس بشيء في الزهري ، قلت : فابن جريج ؟ قال : ليس بشيء في الزهري ، قلت : فجعفر بن برقان ؟ قال : ضعيف في الزهري ، قلت : فابن إسحاق ؟ قال : صالح ، وهو ضعيف في الزهري ، قلت : فعبد الرحمن بن إسحاق المدني ؟ قال : صالح ، فسألته عن سفيان بن حسين فقال : ثقة ، وهو ضعيف الحديث عن الزهري ، قلت : فمعمر أحب إليك أم يونس ؟ قال : معمر ، قلت : فيونس أحب إليك أم عقيل ؟ قال : يونس ثقة ، وعقيل ثقة قليل الحديث عن الزهري ، قلت : فالأوزاعي في الزهري ؟ قال : ثقة ما أقل ما أسند عنه ، قلت : فشعيب ؟ قال : كتب إملاء عن الزهري ، وكان شعيب كاتباً للسلطان فكتب للسلطان عن الزهري إملاء ، قلت : فالموقري ؟ قال : ليس بشيء ، قلت : فابن أبي ذئب ؟ قال : ثقة . وقال عباس الدوري : سئل ابن معين عن ابن أخي ابن شهاب ، وعن أويس ، فقال : ابن أخي ابن شهاب أمثل ، وهو أحب إلي في الزهري من محمد بن إسحاق . وقال عثمان الدارمي : سمعت ابن معين يقول : ابن أخي الزهري ضعيف في الزهري ، فسألته عن عبد الله بن بشر عن الزهري فقال : ثقة ، وسألته عن عبد الله بن عيسى عن الزهري ، فقال : ثقة .
وقال يحيى القطان : ليس في القوم أصح حديثاً عن الزهري من مالك . وقال حماد بن سلمة : لما رحل معمر إلى الزهري نبل فكنا نسميه الزهري . وقال علي بن محمود الهروي : قلت لأحمد بن حنبل : من أعرف الناس بأحاديث ابن شهاب ؟ قال أحمد بن صالح المصري ، ومحمد بن يحيى النيسابوري .
قال يحيى بن سعيد القطان ، وأبو عبيد ، وغيرهما : مات الزهري سنة ثلاث أو أربع وعشرين . وقال ابن عيينة ، وإبراهيم بن سعد ، وابن أخي الزهري ، والناس : مات سنة أربع وعشرين . وقال خليفة : مات لسبع عشرة خلت من رمضان سنة أربع وعشرين ومائة .
وشذ أبو مسهر فقال : سنة خمس وعشرين . قال ابن سعد : أخبرني حسين بن المتوكل العسقلاني ، قال : رأيت قبر الزهري بأدامى وهي خلف شغب وبدا وهي أول عمل فلسطين وآخر عمل الحجاز ، وبها ضيعة للزهري ، رأيت قبره مسنماً مجصصاً . قال الواقدي : عاش اثنتين وسبعين سنة .
وقال غيره : أربعاً وسبعين سنة .