سنة خمس وأربعين ومائة
سنة خمس وأربعين ومائة . توفي فيها محمد بن عبد الله بن حسن ، وأخوه إبراهيم قتلاً ، والأجلح الكندي ، وإسماعيل بن أبي خالد ، وإسماعيل بن عبد الله بن جعفر ، وأنيس بن أبي يحيى الأسلمي ، وحبيب بن الشهيد ، وحجاج بن أرطاة ، والحسن بن ثوبان ، والحسن بن الحسن بن الحسن في سجن المنصور ، ورؤبة بن العجاج التميمي ، وعبد الرحمن بن حرملة الأسلمي ، وعبد الملك بن أبي سليمان الكوفي ، وعمر بن عبد الله مولى عفرة ، وعمرو بن ميمون بن مهران الجزري ، ومحمد بن عبد الله الديباج ، ومحمد بن عمرو بن علقمة ، وهشام بن عروة في قول ، ويحيى بن الحارث الذماري ، ونصر بن حاجب الخراساني ، ويحيى بن سعيد أبو حيان التيمي . وفيها بالغ رياح والي المدينة في طلب محمد بن عبد الله حتى أحرجه .
فعزم على الظهور ، فدخل مرة المدينة خفية . فعن الفضل بن دكين قال : بلغني أن عبيد الله بن عمر ، وابن أبي ذئب ، وعبد الحميد بن جعفر قد دخلوا عليه فقالوا : ما تنتظر بالخروج ، والله ما نجد في هذه البلدة أشأم عليها منك ، ما يمنعك أن تخرج ، اخرج وحدك ، فكان من قصته أن رياحاً طلب جعفر بن محمد وبني عمه وجماعة من وجوه قريش ليلة ، قال راوي القصة : إنا لعنده ، إذ سمعنا التكبير فقام رياح فاختفى وخرجنا نحن فكان ظهور محمد بالمدينة في مائتي رجل وخمسين رجلاً ، فمر بالسوق ، ثم مر بالسجن ، فأخرج من فيه ، ودخل داره وأتى على حماره وذلك في أول رجب ، ثم أمر برياح ، وابني مسلم فحبسوا بعد أن مانع أصحاب رياح بعض الشيء . ولما خطب محمد حمد الله تعالى ، ثم قال : أما بعد ، فإنه كان من أمر هذا الطاغية عدو الله أبي جعفر ما لم يخف عليكم من بنائه القبة الخضراء التي بناها معاندة لله في ملكه وتصغيراً لكعبة الله ، وإنما أخذ الله فرعون حين قال : أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى إن أحق الناس بالقيام في هذا الدين أبناء المهاجرين ، والأنصار ، اللهم إنهم قد فعلوا وفعلوا فاحصهم عدداً واقتلهم بددا ولا تغادر منهم أحداً .
قال علي بن الجعد : كان المنصور يكتب إلى محمد بن عبد الله عن ألسن قواده يدعونه إلى الظهور ويخبرونه أنهم معه فكان محمد يقول : لو التقينا لمال إلي القواد كلهم ، وقد خرج معه مثل ابن عجلان ، وعبد الحميد بن جعفر . وقال محمد بن سعد : خرج ابن عجلان معه فلما قتل ، وولي المدينة جعفر بن سليمان أتوه بابن عجلان فكلمه جعفر كلاماً شديداً وقال : خرجت مع الكذاب وأمر بقطع يده . فلم ينطق إلا أنه حرك شفتيه ، فقام من حضر من العلماء فقالوا : أصلح الله الأمير ، إن ابن عجلان فقيه المدينة وعابدها ، وإنما شبه عليه وظن أنه المهدي الذي جاءت فيه الرواية ، ولم يزالوا يرغبون إليه حتى تركه .
ولزم عبيد الله بن عمر ضيعة له واعتزل فيها ، وخرج أخواه عبد الله ، وأبو بكر مع محمد بن عبد الله ولم يقتلا ، عفا عنهما المنصور . واختفى جعفر الصادق وذهب إلى مال له بالفرع معتزلاً للفتنة رحمه الله ، ثم إن محمداً استعمل عماله على المدينة ولم يتخلف عنه من الوجوه إلا نفر ، منهم الضحاك بن عثمان ، وعبد الله بن منذر الحزاميان ، وخبيب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير . قال سعد بن عبد الحميد بن جعفر : أخبرني غير واحد أن مالكاً استفتي في الخروج مع محمد وقيل له : إن في أعناقنا بيعة للمنصور ، فقال : إنما بايعتم مكرهين وليس على مكره يمين ، فأسرع الناس إلى محمد ولزم مالك بيته .
قال أبو داود السجستاني : كان سفيان الثوري يتكلم في عبد الحميد بن جعفر لخروجه مع محمد ويقول : إن مر بك المهدي وأنت في البيت فلا تخرج إليه حتى يجتمع عليه الناس . وذكر سفيان صفين فقال : ما أدري أخطأوا أم أصابوا . وقيل : أرسل محمد إلى إسماعيل بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب وقد شاخ ليبايعه فقال : يا ابن أخي ، أنت والله مقتول ، كيف أبايعك ؟ فارتدع الناس عنه قليلاً ، فأتته حمادة بنت معاوية بن عبد الله فقالت : يا عم ، إن إخوتي قد أسرعوا إلى ابن خالهم فلا تثبط عنه الناس فتقتل ابن خالي وإخوتي ، فأبى إلا أن ينهى عنه ، فيقال : إنها قتلته ، فأراد محمد الصلاة عليه ، فقال ابنه عبد الله : تقتل أبي وتصلي عليه ؟ فنحاه الحرس وصلى محمد .
ثم إنه استعمل على مكة الحسن بن معاوية بن عبد الله بن جعفر ، وعلى اليمن القاسم بن إسحاق ، فقتل القاسم قبل أن يصل إليها ، واستعمل على الشام موسى بن عبدة ليذهب إليها ويدعو إلى محمد فقتل محمد قبل أن يصل موسى . وكان محمد شديد الأدمة جسيماً فيه تمتمة . وروى عباس بن سفيان عن أشياخ له قالوا : لما ظهر محمد قال المنصور لإخوته : إن هذا الأحمق يعني عبد الله بن علي ، وكان في سجنه لا يزال يطلع له الرأي الجيد في الحرب فادخلوا عليه فشاوروه ولا تعلموه إني أمرتكم ، فدخلوا عليه جميعاً ، فلما رآهم قال : لأمر ما جئتم وما جاء بكم جميعاً وقد هجرتموني من دهر ؟ قالوا : استأذنا أمير المؤمنين فأذن لنا .
قال : ليس هذا بشيء فما الخبر ؟ قالوا : خرج محمد . قال : فما ترون ابن سلامة صانعاً ، يعني المنصور ، قالوا : لا ندري . قال : إن البخل قد قتله فمروه أن يخرج الأموال ويعط الأجناد فإن غلب فما أوشك أن يعود إليه ماله .
قال : وجهز المنصور عيسى بن موسى لحرب محمد وكتب إليه : إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا إلى قوله : إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ الآية . ولك عهد الله وميثاقه وذمته وذمة رسوله إن تبت ورجعت أؤمنك وجميع أهل بيتك وأفعل لك وأعطيك ألف ألف درهم وما سألت من الحوائج ، فكتب جوابه إلى المنصور : من المهدي محمد بن عبد الله أبي عبد الله : طسم ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ ﴾نَتْلُو عَلَيْكَ إلى قوله مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ وأنا أعرض عليك من الأمان مثل ما عرضت علي ، فإن الحق حقنا ، وإنما ادعيتم هذا الأمر بنا ، ثم ذكر شرفه ، وأبوته حتى إنه قال : فأنا ابن أرفع الناس درجة في الجنة ، وابن أهونهم عذاباً في النار ، وأنا ابن خير الأخيار ، وابن خير الأشرار ، وابن خير أهل الجنة ، وابن خير أهل النار ، وأنا أوفى بالعهد منك لأنك أعطيتني من العهد والأمان ما أعطيته رجالاً قبلي ، فأي الأمانات تعطيني ! أمان ابن هبيرة ، أم أمان عمك عبد الله بن علي ، أم أمان أبي مسلم . فأجابه المنصور : جل فخرك بقرابة النساء ، لتضل به الغوغاء ، لم يجعل الله النساء كالعمومة ، بل جعل العم أباً ، وأما ما ذكرت من كذا ، فأمره كذا ، ولقد بعث الله محمداً - صلى الله عليه وسلم - وله أعمام أربعة ، فأجاب اثنان ، أحدهما أبي ، وأبى اثنان ، أحدهما أبوك ، فقطع الله ولايتهما منه ، ولا ينبغي لك ولا لمؤمن أن يفخر بالنار .
وفخرك بأنك لم تلدك أمة فتعديت طورك وفخرت على من هو خير منك ، إبراهيم ابن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وما خيار بني أبيك إلا بنو إماء ، ما ولد فيكم بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - أفضل من علي بن الحسين ، وهو لأم ولد ، وهو خير من جدك ، وما كان فيكم بعده مثل ابنه محمد بن علي ، وجدته أم ولد ، وهو خير من أبيك ، ولا مثل ابنه جعفر بن محمد ، وهو خير منك ، وأما قولك إنكم بنو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإن الله قال في كتابه مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ ولكنكم بنو ابنته ، وأما ما فخرت به من علي ، وسابقته ، فقد حضرت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الوفاة فأمر غيره بالصلاة ، ثم أخذ الناس رجلا بعد رجل فلم يأخذوه ، وكان في ستة أهل الشورى فتركوه ، ثم قتل عثمان ، وهو به متهم ، وقاتله طلحة والزبير ، وأبى سعد بيعته وأغلق دونه بابه ، ثم طلبها بكل وجه ، وقاتل عليها ، وتفرق عنه عسكره ، وشك فيه شيعته قبل الحكومة ، ثم حكم حكمين رضي بهما وأعطاهما عهده وميثاقه ، فاجتمعا على خلعه ، ثم قام بعده حسن فباعها من معاوية بدراهم وثياب ولحق بالحجاز ، وأسلم شيعته بيد معاوية ودفع الأمر إلى غير أهله ، وأخذ مالاً من غير ولاته ، فإن كان لكم فيها شيء فقد بعتموه . ثم خرج الحسين بن علي على ابن مرجانة فكان الناس معه عليه حتى قتلوه ، ثم خرجتم على بني أمية فقتلوكم وصلبوكم حتى قتل يحيى بن زيد بن علي بخراسان ، وقتلوا رجالكم وأسروا الصبية والنساء ، وحملوكم بلا وطاء في المحامل إلى الشام حتى خرجنا على بني أمية فطلبنا بثأركم وأدركنا بدمائكم وفضلنا سلفكم فاتخذت ذلك علينا حجة ، وظننت إنما ذكرنا أباك وفضلناه للتقدمة منا له على حمزة والعباس ، وجعفر ، وليس كما ظننت ، ولقد خرج هؤلاء من الدنيا سالمين ، مجتمع عليهم بالفضل ، وابتلي أبوكم بالقتال والحرب ، فكانت بنو أمية تلعنه كما تلعن الكفرة في الصلاة المكتوبة ، فاحتججنا له وذكرنا فضله - رضي الله عنه - . وكان محمد قد أخرج من السجن بالمدينة محمد بن خالد القسري ، فرأى القسري أن الأمر ضعيف ، فكتب إلى المنصور في أمره فبلغ محمدا فحبسه .
قال ابن عساكر : ذبح ابن خضير أحد أعوان محمد رياح بن عثمان في هذه السنة . وأما ابن معاوية فلما مضى إلى مكة كان في سبعين راكباً وسبعة أفراس فقاتل السري أمير مكة فقتل سبعة من أصحاب السري ، فانهزم السري ودخل ابن معاوية مكة فخطب ونعى إليهم المنصور ، ودعا لمحمد ، ثم بعد أيام أتاه كتاب محمد يأمره باللحاق به ، فجمع جموعاً تقدم بها على محمد ، فلما كان بقديد بلغه مصرع محمد فانهزم إلى البصرة فلحق بإبراهيم بن عبد الله حتى قتل إبراهيم . وندب المنصور لقتال محمد ابن عمه عيسى بن موسى وقال في نفسه : لا أبالي أيهما قتل صاحبه ، فجهز مع عيسى أربعة آلاف فارس ، وفيهم محمد ابن السفاح ، فلما وصل إلى فند كتب إلى أهل المدينة في خرق الحرير يتألفهم ، فتفرق عن محمد خلق ، وسار منهم طائفة لتلقي عيسى والتحيز إليه ، فاستشار محمد عبد الحميد بن جعفر فقال : أنت أعلم بضعف جمعك وقلتهم ، وبقوة خصمك وكثرة جنده ، والرأي أن تلحق بمصر ، فوالله لا يردك عنها راد فيقاتل الرجل بمثل رجاله وسلاحه ، فصاح جبير بن عبد الله : أعوذ بالله أن تخرج من المدينة وقد ورد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : رأيتني في درع حصينة فأولتها المدينة .
ثم إن محمداً استشار : هل يخندق على نفسه ، فاختلف عليه رأي أصحابه ، فلما تيقن قرب عيسى بن موسى منه ، حفر خندق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحفر فيه بيده تأسياً بالنبي - صلى الله عليه وسلم - . وعن عثمان الزبيري قال : اجتمع مع محمد جمع لم أر أكثر منه ، إني لأحسبنا قد كنا مائة ألف ، فلما دنا منا عيسى خطبنا محمد فقال : إن هذا الرجل قد قرب منكم في عدد وعدد ، وقد حللتكم من بيعتي ، فمن أحب فلينصرف ، قال : فتسللوا حتى بقي في شرذمة . وخرج الناس من المدينة بأولادهم إلى الأعوص والجبال ، فلم يتعرض لهم عيسى ، بل جهز خمس مائة إلى ذي الحليفة يمسكون طريق مكة على محمد ، ثم راسله يدعوه إلى الطاعة وأن المنصور قد أمنه ، فأرسل إليه : إياك أن يقتلك من يدعوك إلى الله فتكون شر قتيل ، أو تقتله فيكون أعظم لوزرك .
فأرسل إليه عيسى : ليس بيننا إلا القتال ، فإن أبيت إلا القتال نقاتلك على ما قاتل عليه خير آبائك ، علي طلحة والزبير على نكث بيعتهم له . وعن ماهان مولى قحطبة قال : لما صرنا إلى المدينة أتانا إبراهيم بن جعفر بن مصعب طليعة فطاف بعسكرنا حتى حزره ، ثم ذهب عنا فرعبنا منه ، حتى جعل عيسى ، وحميد بن قحطبة يقولان : فارس واحد يكون طليعة لأصحابه ! فلما كان عنا مد البصر نظرنا إليه مقيماً لا يزول ، فقال حميد : ويحكم انظروا ، فوجه إليه فارسين ، فوجدا دابته قد عثرت به فتقوس الجوشن في عنقه فقتله ، فأخذا سلبه ورجعا بتنور مذهب لم ير مثله . قيل : كان لمصعب جده أمير العراق .
ثم إن عيسى أحاط بالمدينة في أثناء شهر رمضان ، ثم دعا محمدا إلى الطاعة ثلاثة أيام ، ثم ساق بنفسه في خمسمائة فوقف بقرب السور فنادى : يا أهل المدينة إن الله قد حرم دماء بعضنا على بعض ، فهلموا إلى الأمان ، فمن جاء إلينا فهو آمن ، ومن دخل داره أو المسجد أو ألقى سلاحه فهو آمن ، خلوا بيننا وبين صاحبنا فإما لنا وإما له ، قال : فشتموه ، فانصرف يومئذ ففعل من الغد كذلك ، ثم عبأ جيشه في اليوم الثالث ، وزحف فلم يلبث أن ظهر على المدينة ، ولما التحم الحرب نادى : يا محمد إن أمير المؤمنين أمرني أن لا أقاتل حتى أعرض عليك الأمان ، فلك الأمان على نفسك ومن اتبعك ، وتعطى من المال كذا وكذا ، فصاح : اله عن هذا ، فقد علمت أنه لا يثنيني عنكم فزع ، ولا يقربني منكم طمع ، ثم ترجل . قال عثمان بن محمد بن خالد : فإني لأحسبه قتل يومئذ بيده سبعين رجلاً . وروى محمد بن زيد قال : دعا عيسى عشرة من آل أبي طالب منهم القاسم بن حسن بن زيد بن حسن بن علي ، قال : فجئنا سوق الحطابين ، فدعوناهم فسبونا ورشقونا بالنبل ، وقالوا : هذا ابن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معنا ونحن معه ، فقال لهم القاسم : وأنا ابن رسول الله ، وأكثر من ترون معي بنو رسول الله ، ونحن ندعوكم إلى كتاب الله وحقن دمائكم ، ورجعنا ، فأرسل عيسى حميد بن قحطبة في مائة .
وجعل محمد ستور المسجد دراريع لأصحابه ، وكان مع الأفطس علم أصفر فيه صورة حية . وقال عبد الحميد بن جعفر : كنا يومئذ مع محمد بن علي عدة أصحاب بدر ، ثم لقينا عيسى فتبارز جماعة . وعن مسعود الرحال قال : شهدت مقتل محمد بالمدينة ، فإني لأنظر إليهم عند أحجار الزيت ، وأنا مشرف من سلع ، إذ نظرت إلى رجل من أصحاب عيسى قد أقبل على فرس فدعا إلى البراز ، فخرج إليه راجل عليه قباء أبيض ، فنزل إليه الفارس ، فقتله الراجل ورجع ، ثم برز آخر من أصحاب عيسى ، فبرز له ذلك الرجل ، فقتله ، ثم برز ثالث فقتله ، فاعتوره أصحاب عيسى يرمونه ، فأثبتوه ، فأسرع فما وصل إلى أصحابه حتى خر صريعاً ، ودام القتال من بكرة إلى العصر ، وطم أصحاب عيسى الخندق ، وجازت الخيل ، وذهب محمد يومئذ قبل الظهر ، فاغتسل وتحنط ، ثم جاء .
قال عبد الله بن جعفر ، فقلت له : بأبي أنت وأمي ، ما لك بما ترى طاقة ، فاخرج تلحق بالحسن بن معاوية بمكة ، فإن معه جل أصحابك ، فقال : لو رحت لقتل هؤلاء ، فوالله لا أرجع حتى أقتل أو أقتل ، وأنت مني في سعة فاذهب حيث شئت . وقال إبراهيم بن محمد : رأيت محمداً عليه جبة ممشقة ، وهو على برذون ، وابن خضير يناشده الله إلا مضى إلى البصرة ، ومحمد يقول : والله لا تبلون بي مرتين ، ولكن اذهب فأنت في حل . فقال : وأين المذهب عنك ؟ ثم مضى فأحرق الديوان وقتل رياحاً في الحبس ، ثم لحق محمداً بالثنية ، فقاتل حتى قتل .
وقيل : قتل مع رياح أخاه عباس بن عثمان ، وكان مستقيم الطريقة ، فعاب الناس ذلك عليه ، ثم إن محمداً صلى العصر وعرقب فرسه ، وعرقب بنو شجاع دوابهم ، وكسروا أجفان سيوفهم ، فقال لهم : قد بايعتموني ولست ببائع حتى أقتل ، ثم إنه حمل وهزم أصحاب عيسى مرتين ، ثم جاء أصحاب عيسى من ناحية بني غفار ، وجاؤوا من خلف محمد وأصحابه ، فنادى محمد حميد بن قحطبة : إن كنت فارساً فابرز ، فلم يبرز له ، وجعل حميد يدعو ابن خضير إلى الأمان ، ويشح به عن الموت ، وهو يشد على الناس بسيفه مترجلاً ، وخالط الناس ، فجاءته ضربة على أليته ، وأخرى على عينه فخر ، وقاتل محمد على جثته حتى قتل ، وعهد الذين دخلوا المدينة من ناحية بني غفار فنصبوا علماً أسود على المنارة ، ودخل حميد بن قحطبة في زقاق أشجع ، فهجم على محمد فقتله وهو غافل ، وأخذ رأسه ، وقتل معه جماعة . وقيل : جاءت محمداً ضربة على أذنه ، فبرك وجعل يذب عن نفسه بسيفه ويقول : ويحكم ابن نبيكم مظلوم ، فنزل حميد فحز رأسه . وقيل : كان مع محمد سيف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذو الفقار ، فقد الناس به ، وجعل لا يقاربه أحد إلا قتله ، فجاءه سهم فوجد الموت ، فكسر السيف .
وروى عمرو مولى المتوكل ، وكانت أمه تخدم فاطمة بنت الحسين ، قال : كان مع محمد يومئذ ذو الفقار ، فلما أحس الموت أعطى السيف رجلاً كان له عليه أربع مائة دينار ، وقال : خذ هذا السيف فإنك لا تلقى أحداً من آل أبي طالب إلا أخذه منك وأعطاك حقك ، فبقي السيف عنده حتى ولي جعفر بن سليمان المدينة فأخبر عنه ، فدعاه وأعطاه أربع مائة دينار وأخذ السيف ، ثم صار إلى موسى فجرب به على كلب ، فانقطع السيف . وقال الأصمعي : رأيت الرشيد بطوس متقلداً سيفاً فقال : ألا أريك ذا الفقار ؟ قلت : بلى ، قال : اسلل سيفي هذا قال : فرأيت فيه ثماني عشرة فقارة . وكان مصرع محمد عند أحجار الزيت بعد العصر يوم الاثنين في رابع عشر رمضان سنة خمس هذه .
وقال الواقدي : عاش ثلاثاً وخمسين سنة . وقيل : أذن عيسى في دفنه ، وأمر بأصحابه فصلبوا ما بين ثنية الوداع إلى دار عمر بن عبد العزيز . وقيل : لما خرج حمزة بن عبد الله بن محمد بن علي بن أبي طالب مع محمد ، كان جعفر الصادق ينهاه ، وكان من أشد الناس مع محمد ، وكان جعفر يقول له : هو والله مقتول .
وبعث عيسى بن موسى بالرأس إلى العراق ، ثم طيف به في البلدان ، وقبض عيسى على أموال بني الحسن . وحدث أيوب بن عمر قال : لقي جعفر بن محمد أبا جعفر المنصور ، فقال : يا أمير المؤمنين رد علي قطيعتي عين أبي زياد آكل منها ، قال : إياي تكلم هذا الكلام ! والله لأزهقن نفسك . قال : فلا تعجل علي ، فقد بلغت ثلاثاً وستين سنة ، وفيها مات أبي وجدي ، وعلي بن أبي طالب - رضي الله عنه - ، فرق له ، فلما مات المنصور رد المهدي على أولاد أبي جعفر عين أبي زياد .
وقال محمد بن عثمان الزبيري : لما قتل محمد ، مضى أخوه موسى ، وأبي وأنا ورجل من مزينة ، فأتينا مكة ، ثم سرنا إلى البصرة ، فدخلناها ليلاً ، فمسكنا وأرسلنا إلى المنصور ، فلما نظر إلى أبي قال : هيه أخرجت مع محمد ؟ قال : قد كان ذلك ، فأمر به ، فضربت عنقه ، وهو عثمان بن محمد بن خالد بن الزبير ، ثم أمر بموسى فضرب بالسياط ، ثم أمر بضرب عنقي ، فكلمه في عمه عيسى بن علي وقال : ما أحسبه بلغ ، فقلت : يا أمير المؤمنين ، كنت غلاماً تبعاً لأبي ، فضربت خمسين سوطاً ، ثم حبست حتى أخرجني المهدي . وقيل : بل قتل عثمان لأنه سأله أين المال ؟ قال : دفعته إلى أمير المؤمنين محمد رحمه الله ، فسبه ، فجاوبه عثمان ، فضرب عنقه . وقيل : قال له : أنت الخارج علي ؟ قال : بايعت أنا وأنت رجلاً بمكة ، فوفيت أنا ، وغدرت أنت .
واستعمل المنصور على المدينة عبد الله بن الربيع الحارثي ، فثارت عليه السودان بالمدينة . وسبب ذلك أن بعض جنده انتهب شيئاً من السوق ، فاجتمع الرؤساء إلى ابن الربيع وكلموه ، فلم ينكر ولا غير ، ثم اشترى جندي من لحام وأبى أن يوفيه الثمن ، وشهر سيفه على اللحام ، فطعنه اللحام بشفرته في خاصرته فسقط ، فتنادى الجزارون والسودان على الجند وهم يذهبون إلى الجمعة ، فقتلوهم بالعمد ، فهرب ابن الربيع بالليل ، وهذا تم في آخر العام . وكان رؤوس السودان ثلاثة : وثيق ، ومعقل ، وربيعة ، فخرج ابن أبي سبرة من السجن ، فخطب ودعا الناس إلى الطاعة ، فسكن الناس ، ورجع ابن الربيع وقطع يد وثيق وأيدي ثلاثة معه .
بناء بغداد . في هذه السنة أسست مدينة السلام بغداد ، وهي التي تدعى مدينة المنصور . سار المنصور يطلب موضعاً يتخذه بلداً ، فبات ليلة ، وكان في موضع القصر بيعة قس ، فطاب له المبيت ، وأقام يوماً فلم ير إلا ما يحب ، فقال : ها هنا ابنوا فإنه طيب ، وتأتيه مادة الفرات ودجلة والأنهار ، فخط بغداد ، ووضع أول لبنة بيده فقال : باسم الله ، وبالله ، والحمد لله ، ابنوا على بركة الله ، وذلك بعد أن بعث رجالاً لهم فضل يتطلبون موضعاً ، ثم وقع الاختيار على هذه البقعة ، وسأل راهباً هناك عن أمر الأرض وصحتها وقال : هل تجدون في كتبكم أنه يبنى ها هنا مدينة ؟ قال : نعم يبنيها مقلاص ، قال : فأنا كنت أدعى بذلك ، وكذلك لما بنى مدينة الرافقة قال له راهب : إن إنساناً يبني هنا مدينة يقال له مقلاص ، قال : أنا هو ، فبناها على نحو من بغداد ، لكنها أصغر .
وعن سليمان بن مجالد قال : أحضر المنصور الصناع والفعلة من البلاد ، وأحضر المهندسين ، والحكماء والعلماء ، وكان ممن أحضر حجاج بن أرطاة ، وأبو حنيفة ، ورسمت له بالرماد ، بسورها ، وأبوابها ، وأسواقها ، ثم أمر أن يعمل على ذلك الرسم . وروي من وجه آخر أن المنصور قال لذلك الراهب : أريد أن أبني هنا مدينة ، فقال : إنما يبنيها ملك يقال له : أبو الدوانيق ، فضحك وقال : أنا هو ، واختطها ، ووكل بها أربعة قواد ، وولى أبا حنيفة القيام بعمل الآجر . وقيل : كمل سورها في أربع سنين .
وكانت البقعة مزرعة تدعى المباركة ، لستين نفساً ، فعوضهم المنصور وأعطاهم فأرضاهم ، وجدوا في البناء بعد انقضاء فتنة ابن حسن . وقيل : ليس في الدنيا مدينة مدورة سواها ، عمل في وسطها دار المملكة بحيث إنه إذا كان في قصره كان جميع أطراف البلد إليه سواء ، وقد تم بناؤها المهم في عام ، وسكنها ونقل إليها خزائنه وبيوت المال . وقيل : سعتها مائة وثلاثون جريباً ، أنفق عليها ثمانية عشر ألف ألف درهم .
قال بدر المعتضدي : قال لنا أمير المؤمنين : انظروا كم سعة مدينة المنصور ، فحسبنا فإذا هي ميلين مكسرين في ميلين . وقيل : مسافة ما بين كل باب وباب ألف ومائتا ذراع . وكان في هذا الوقت رخاء الأسعار بالعراق حتى أ بيع الكبش بدرهم والحمل بأربعة دوانيق ، والتمر ستون رطلاً بدرهم ، والزيت ستة عشر رطلاً بدرهم ، والسمن ثمانية بدرهم .
قال أبو نعيم : أنا رأيت ينادى في جبانة كندة : لحم الغنم ستون رطلاً بدرهم ، والعسل عشرة بدرهم . وقال غيره : كل بغداد مبنية بالآجر ، اللبنة ذراع في ذراع ، زنتها مائة رطل وسبعة عشر رطلاً ، ولها أربعة أبواب ، بين الباب والباب ثمانية وعشرون برجاً ، وعليها سوران ، ثم بني الجامع والقصر ، وكان في صدر القصر إيوان طوله عشرون ذراعاً ، عليه القبة الخضراء ارتفاعها ثمانون ذراعاً . سقط رأسها ليلة مطر ورعد عظيم في سنة تسع وعشرين وثلاث مائة .
وكان لا يدخل هذه المدينة أحد راكباً سوى المنصور ، وابنه . قال الصولي : قال أحمد بن أبي طاهر : ذرع بغداد يعني الجديدة قال : ذرع الجانبين ثلاثة وخمسون ألف جريب . وفي نسخة أخرى من غير رواية الصولي : إنها من الجانبين ثلاثة وأربعون ألف جريب وسبع مائة .
ثم قال الصولي : وذكر ابن أبي طاهر أن عدد حماماتها كانت ذلك الوقت ستين ألفاً . وقال : أقل ما يدبر كل حمام خمسة أنفس ، وذكر أن بإزاء كل حمام خمسة مساجد . قلت : كذا نقل الخطيب في تاريخه ، وما أعتقد أنا هذا قط ولا عشر ذلك .
ثم قال الخطيب : حدثني هلال بن المحسن قال : كنت بحضرة جدي إبراهيم بن هلال الصابي ، فقال تاجر فذكر أن ببغداد اليوم ثلاثة آلاف حمام ، فقال جدي : سبحان الله ! هذا سدس ما كنا عددناه وحصرناه زمن الوزير المهلبي ، ثم كانت في دولة عضد الدولة خمسة آلاف وكسراً . ونقل ابن خلكان أن استكمال بغداد كان في سنة تسع وأربعين ومائة ، وهي بغداد القديمة التي بالجانب الغربي على دجلة ، وبغداد اليوم هي الجديدة التي في الجانب الشرقي ، وفيها دار الخلافة ، وقد كان السفاح بنى عند الأنبار مدينة الهاشمية وسكنها ، ثم انتقل إلى الأنبار وبها توفي . خروج إبراهيم وخرج إبراهيم بن عبد الله بن حسن ، أخو محمد المذكور بالبصرة .
قال مطهر بن الحارث : أقبلنا مع إبراهيم من مكة نريد البصرة ، ونحن عشرة أنفس ، فدخلناها ، ثم نزلنا على يحيى بن زياد بن حسان النبطي . وعن إبراهيم قال : اضطرني الطلب بالموصل حتى جلست على موائد أبي جعفر ، وكان قد قدمها يطلبني ، فتحيرت ، ولفظتني الأرض ، فجعلت لا أجد مساغاً ، ووضع علي الطلب والأرصاد ، ودعا يوماً بالناس إلى غدائه ، فدخلت في الناس ، وأكلت ، ثم خرجت وقد كف الطلب . وقد جرت لإبراهيم أمور في اختفائه ، وربما وقع به بعض الأعوان فيصطنعه ويطلقه لما يعلم من جبروت أبي جعفر ، ثم اختفى بالبصرة ، فجعل يدعو الناس فيستجيبون له لشدة بغضهم للمنصور لبخله وعسفه .
قال ابن سعد : لما ظهر محمد بن عبد الله وغلب على الحرمين وجه أخاه إبراهيم إلى البصرة فدخلها في أول رمضان من سنة خمس فغلب عليها ، وبيض أهل البصرة ونزعوا السواد ، وخرج معه من العلماء جماعة كثيرة . ثم تأهب لحرب المنصور . قال ابن جرير ، وغيره : بايعه نميلة بن مرة ، وعفو الله بن سفيان ، وعبد الواحد بن زياد ، وعمر بن سلمة الهجيمي ، وعبيد الله بن يحيى الرقاشي ، وندبوا له الناس ، فأجاب طائفة حتى قاربوا أربعة آلاف ، وشهر أمره ، وقالوا له : لو نهضت إلى وسط البصرة أتاك من أتاك ، فنزل في دار أبي مروان النيسابوري .
قال عفو الله بن سفيان : أتيت إبراهيم يوماً وهو مرعوب ، فأخبرته بكتاب أخيه أنه ظهر بالمدينة ، وأنه يأمره بالخروج ، فوجم لها واغتم ، فأخذت أسهل عليه وأقول : قد اجتمع لك أمرك ، معك مضاء التغلبي والطهوي والمغيرة ، وأنا ، وجماعة ، فنخرج إلى السجن في الليل فنفتحه ، ويصبح معك خلق من الناس ، فطابت نفسه ، وبلغ ذلك المنصور فجهز جيشاً إلى البصرة ، ثم سار فنزل الكوفة ليكتفي شر الشيعة وفتقهم . قال أبو الحسن الحذاء : ألزم المنصور الناس بالسواد ، فكنت أراهم يصبغون ثيابهم بالمداد ، يعني السوقة ، ثم جعل يحبس أو يقتل كل من يتهمه بالكوفة . وكان ابن ماعز الأسدي يبايع لإبراهيم بالكوفة سراً .
وقتل المنصور جماعة كثيرة عسفاً وظلماً . وكان بالموصل ألفا فارس لمكان الخوارج ، فطلبهم المنصور ، فلما كانوا بباحمشا اعترض أهلها العسكر ، وقالوا : لا ندعكم تجاوزونا لتنصروا أبا جعفر على إبراهيم ، فقاتلوهم ، فقتل منهم خمس مائة . وأما أمير البصرة سفيان بن معاوية ، فتهاون في أمر إبراهيم حتى عجز ، واتسع الخرق ، فبقي كلما قيل له : إبراهيم خارج لم يعرج على قول أحد فلما خرج إبراهيم جعل أصحابه ينادون سفيان وهو محصور : اذكر بيعتك في دار المخزوميين ، فيقال : كان مداهناً لإبراهيم مما في قلبه على المنصور .
وكان ظهور إبراهيم في أول رمضان في الليل ، فصار إلى مقبرة بني يشكر في بضعة عشر فارساً ، وقدم تلك الليلة أبو حماد الأثرم في ألفين ، فنزل الرحبة ، فكان إبراهيم أول شيء أصاب دواب أولئك العسكر وأسلحتهم ، فتقوى بها ، ثم صلى بالناس الصبح في الجامع ، فتحصن منه سفيان في دار الإمارة ، وأقبل الخلق إلى إبراهيم من بين ناصر وناظر : ثم نزل إليه سفيان بالأمان ، ودخل إبراهيم الدار ، وعفا عن الجند ، وقيد سفيان بقيد خفيف ، فأقبل لحربه جعفر بن سليمان ، وأخوه محمد بن سليمان ، في ست مائة ، فندب إبراهيم لقتالهم مضاء بن جعفر في خمسين من بين فارس وراجل ، فهزمهم مضاء ، وجرح محمد بن سليمان ، ووجد إبراهيم في بيت المال ست مائة ألف أو أكثر ، ففرقها على أصحابه خمسين خمسين ، وجهز المغيرة في خمسين مقاتلاً إلى الأهواز ، فقدمها وقد صار معه نحو المائتين . وكان على الأهواز محمد بن الحصين ، فالتقى المغيرة فانكسر ابن الحصين ، وغلب المغيرة على الأهواز . ثم أراد إبراهيم المسير إلى الكوفة ، وبعث إلى فارس عمرو بن شداد ، فسار إليه من رامهرمز يعقوب بن الفضل ، فاتفقا وغلبا على إقليم فارس ، فلو توجه إبراهيم إلى إقليم فارس لتم له الأمر ، واستعمل على واسط هارون بن سعد العجلي عندما قدم إليه من الكوفة فسار إلى واسط ، فجهز المنصور لحربه عامر بن إسماعيل المسلي في خمسة آلاف ، فكان بينهما حرب ، ووقعات .
وقد قتل من أهل واسط والبصرة في هذه الكائنة عدد كثير ، ثم توادع الفريقان وكلوا ، فلما قتل إبراهيم كما سيأتي ، سار هارون بن سعد العجلي راجعاً إلى البصرة ، فتوفي قبل أن يدخلها ، نعم ، وبقي إبراهيم سائر شهر رمضان ينفذ عماله إلى البلاد ، حتى أتاه نعي أخيه محمد بالمدينة ، قبل العيد بثلاث ، ففت في عضده وبهت لذلك ، وخرج يوم العيد إلى المصلى فصلى بالناس ، يعرف فيه الحزن والانكسار . وقيل : إن المنصور لما بلغه خروج إبراهيم قال : ما أدري ما أصنع ، ما في عسكري إلا ألفا رجل ! فرقت عساكري ، مع ابني بالري ثلاثون ألفاً ، ومع محمد بن أشعث بإفريقية أربعون ألفاً ، ومع عيسى بن موسى بالحجاز ستة آلاف ، ولئن سلمت من هذه لا يفارقني ثلاثون ألف فارس ، ثم لم ينشب أن قدم عليه عيسى من الحجاز منصوراً ، فوجهه على الناس لحرب إبراهيم ، وكتب إلى سلم بن قتيبة فقدم إليه من الري . قال سلم : فلما دخلت على المنصور قال لي : خرج ابنا عبد الله ، فاعمد إلى إبراهيم ، ولا يرعبك جمعه فوالله إنهما جملا بني هاشم المقتولان فابسط يدك وثق .
وكتب سلم إلى البصرة يلاطفهم فلحقت به باهلة ، فاستحث المنصور ابنه ليجهز خازم بن خزيمة إلى الأهواز ، فسار بأربعة آلاف فارس ، ففر منه المغيرة إلى البصرة ، ودخل خازم الأهواز فأباحها ثلاثاً ، لكونهم نزعوا الطاعة ، ومكث المنصور لا يأوي إلى فراشه نيفاً وخمسين ليلة . قال حجاج بن قتيبة بن مسلم : دخلت على المنصور تلك الأيام وقد جاءه فتق البصرة وفارس ، وواسط والمدائن ، وهو مطرق يتمثل : ونصبت نفسي للرماح دريئة إن الرئيس لمثل ذاك فعول وما أظنه يقدر على رد السلام ، للفتوق المحيطة به ، ولمائة ألف سيف كامنة بالكوفة ينتظرون صيحة فيثبون ، فوجدته صقراً أحوذياً مشمراً ، قد قام إلى ما نزل به من النوائب يمرسها ويعركها . وعن عبد الله بن جعفر المديني قال : خرجنا مع إبراهيم إلى باخمرا فعسكرنا بها ، فأتانا ليلة ، فقال : انطلق بنا نطوف في عسكرنا ، قال : فسمع أصوات طنابير وغناء ، فرجع ، ثم أتاني ليلة أخرى ، فانطلقنا فسمعنا مثل ذلك فرجع وقال : ما أطمع في نصر عسكر فيه مثل هذا .
وعن داود بن جعفر بن سليمان قال : أحصى ديوان إبراهيم من أهل البصرة مائة ألف مقاتل . وقال آخر : بل كان معه عشرة آلاف ، وهذا أشبه . وكان مع عيسى بن موسى خمسة عشر ألفاً ، وعلى طلائعه حميد بن قحطبة في ثلاثة آلاف .
وأما إبراهيم فأشاروا عليه أن يسلك غير الدرب ، فيبغت الكوفة ، فقال : بل أبيت عيسى . وعن هريم قال : قلت لإبراهيم : إنك غير ظاهر على المنصور حتى تأتي الكوفة ، فإن صارت لك بعد تحصنه بها ، لم تقم له بعدها قائمة ، وإلا فدعني أسير إليها فأدعو إليك سراً ، ثم أجهر ، فإنهم إن سمعوا داعياً أجابوه ، وإن سمع المنصور هيعة بأرجاء الكوفة طار إلى حلوان ، فقال : لا نأمن أن تجيبك منهم طائفة فتطأ خيل المنصور الصغير والكبير ، فتكون قد تعرضت لمأثم ، فقلت : خرجت لقتال المنصور ، وأنت تتوقى قتل الصغير والكبير ؟ أليس قد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوجه السرية فتقاتل ، فيكون في ذلك نحو ما كرهت فقال : أولئك مشركون ، وهؤلاء أهل قبلتنا . ولما نزل باخمرا كتب إليه سلم بن قتيبة : إنك قد أصحرت ومثلك أنفس به على الموت ، فخندق على نفسك ، فإن كنت لم تفعل ، فقد أعرى المنصور عسكره ، فخف في طائفة حتى تأتيه فتأخذ بقفاه ، فعرض ذلك إبراهيم على قواده فقالوا : أنخندق على نفوسنا ونحن ظاهرون عليهم ؟والله لا نفعل .
وقال بعضهم : أنأتيه وهو في أيدينا متى أردنا ؟ وقال آخر : لما التقى الجمعان قلت لإبراهيم : إن الصف إذا انهزمت تعبئته تداعى ، فاجعلنا كراديس ، فإن انهزم كردوس ثبت كردوس ، فتنادى أصحابه : لا لا ، إلا تعبئة أهل الإسلام وقتالهم إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا وقال آخر : أتيت إبراهيم فقلت : إنهم مصبحوك بما يسد عليك مغرب الشمس في السلاح والكراع ، وإنما معك رجال عراة ، فدعنا نبيتهم ، فقال : إني أكره القتل . فقلت : تريد الملك وتكره القتل ، والتقوا بباخمرا ، وهي على يومين من الكوفة ، فاشتد الحرب ، والتحم القتال ، فانهزم حميد بن قحطبة ، وكان على المقدمة ، فانهزم الجيش ، فناشدهم عيسى بن موسى الله تعالى ، ومر الناس ، فثبت عيسى في مائة فارس من خواصه ، فقيل له : لو تنحيت فقال : لا أزول حتى أقتل أو أفتح ، ولا يقال انهزم . وعن عيسى قال : لما رأى المنصور توجيهي إلى إبراهيم قال : إن المنجمين يزعمون أنك لاقيه ، وإن لك جولة ، ثم يفيء إليك أصحابك فكان كما قال : فلقد رأيتني وما معي ثلاثة أو أربعة فقال غلامي علام تقف ؟ فقلت : والله لا ينظر إلي أهل بيتي منهزماً ، ثم كان أكثر ما عندي أن أقول لمن مر بي من المنهزمين : أقرئوا أهل بيتي السلام وقولوا : إني لم أجد فداء أفديكم به أعز علي من نفسي ، وقد بذلتها لكم ، فأنا لكذلك ، إذ صمد ابنا سليمان لإبراهيم فخرجا من ورائه فنظر أصحاب إبراهيم فإذا القتال من ورائهم فكروا فركبنا أعقابهم ، فلولا ابنا سليمان بن علي لافتضحنا ، وكان من صنع الله أن أصحابنا لما انهزموا اعترض لهم نهر دون ثنيتين عاليتين ، فحالتا بينهم وبين الفرات ، ولم يجدوا مخاضة ، فكروا راجعين بأنفسهم ، ثم انهزم أصحاب إبراهيم ، فثبت هو في نحو من خمس مائة .
وقيل : بل ثبت في سبعين رجلاً ، ثم حمل حميد بن قحطبة في طائفة معه ، وقاتلوا قتالاً شديداً ، حتى أن الفريقين قتلوا بعضهم بعضاً ، وجعل حميد يبعث بالرؤوس إلى بين يدي عيسى ، وثبتوا عامة يومهم يقتتلون ، إلى أن جاء سهم غرب لا يدرى من رمى به ، فوقع في حلق إبراهيم ، فتنحى عن موقفه ، فأنزلوه ، وهو يقول : وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا أردنا أمراً وأراد الله غيره ، فاجتمع عليه أصحابه يحمونه ، فأنكر حميد اجتماعهم ، وأمر فحملوا عليه ، فقاتلوا أشد قتال يكون ، حتى انفرجوا عن إبراهيم ، فنزل أصحاب حميد ، فاحتزوا رأس إبراهيم ، وأتي به عيسى ، فنزل وسجد لله ، وبعث به إلى المنصور ، وذلك لخمس بقين من ذي القعدة ، وعمره ثمان وأربعون سنة . وقيل : كان عليه قباء زرد ، فآذاه الحر ، فحل إزاره ، وحسر عن صدره ، فأصاب صدره نشابة ، فاعتنق فرسه ، وكر راجعاً ، ووصل أوائل المنهزمين من عسكر المنصور إلى الكوفة ، فتهيأ المنصور للهرب ، وأعد النجائب ليذهب إلى الري ، فيقال : إن نوبخت المنجم دخل عليه فقال : الظفر لك ، وسيقتل إبراهيم ، فلم يقبل منه ، فقال : احبسني عندك ، فإن لم يقتل إبراهيم وإلا فاقتلني ، فبات طائر اللب ، فلما كان الصباح أتي برأس إبراهيم ، فتمثل بيت معقر البارقي : فألقت عصاها واستقر بها النوى كما قر عيناً بالإياب المسافر قال خليفة بن خياط : صلى إبراهيم بن عبد الله العيد بالناس أربعاً ، وخرج معه أبو خالد الأحمر ، وعيسى بن يونس ، وعباد بن العوام ، وهشيم ، ويزيد بن هارون في طائفة من العلماء ولم يخرج معه شعبة ، وكان أبو حنيفة يجاهر في أمره ويأمر بالخروج . وحدثني من سمع حماد بن زيد يقول : ما كان بالبصرة أحد إلا وقد تغير أيام إبراهيم إلا ابن عون .
وحدثني ميسور بن بكر أنه سمع عبد الوارث يقول : فأتينا شعبة فقلنا :كيف ترى ؟ قال : أرى أن تخرجوا وتعينوه ، فأتينا هشام بن أبي عبد الله فلم يجبنا بشيء ، فأتينا سعيد بن أبي عروبة فقال : ما أرى بأساً أن يدخل رجل منزله ، فإن دخل عليه داخل قاتله . وقال عمر بن شبة : حدثنا خلاد بن يزيد الباهلي ، سمع شعبة بن الحجاج يقول : باخمرا بدر الصغرى . وقال أبو عبيد الآجري : هي وقعة إبراهيم ، وهي بإزاء هزابان داخل الصحراء .
وقال أبو نعيم : فلما قتل إبراهيم ، هرب أهل البصرة بحراً وبراً ، واستخفى الناس ، وقتل معه بشير الرحال الأمير ، وجماعة كثيرة . وقال محمد بن عبد الله بن عمار : خرج مع إبراهيم خلق ، وجميع أهل واسط ، وابنا هشيم ، وخالد بن عبد الله الطحان ، ويزيد بن هارون ، وغيرهم . وفيها خرجت الترك الخزرية ، وهم أهل صحراء القفجاق من باب الأبواب ، وقتلوا بأرمينية خلقاً كثيراً وسبوا الحريم .