سنة سبع وأربعين ومائة
سنة سبع وأربعين ومائة . فيها توفي إسماعيل بن علي الهاشمي ، وحبيب بن صالح الحمصي ، وسليمان بن سليم قاضي حمص ، والصلت بن بهرام الكوفي ، وطلحة بن يحيى التيمي ، وعبد الله بن سعيد بن أبي هند في قول ، وعم المنصور عبد الله بن علي ، وعبد الأعلى بن ميمون بن مهران ، وعبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز ، وعبيد الله بن عمر العمري ، وعثمان بن الأسود بخلف ، وعتبة بن أبي حكيم الأزدي ، وقرة بن عبد الرحمن بن حيويل ، وهشام بن حسان بالبصرة ، وأبو جناب الكلبي يحيى بن أبي حية في قول ، ويزيد بن حازم أخو جرير . وفيها بدعت الترك بناحية أرمينية ، وقتلوا أمماً من المسلمين ، ودخلوا تفليس ، وكان حرب بن عبد الله الريوندي الذي تنسب إليه الحربية من بغداد ، مقيماً بالموصل في ألفين ، لمكان الخوارج الذين بالجزيرة ، وكان المنصور قد وجه إلى الموصل جبريل بن يحيى في عسكر ، فانضموا كلهم وقصدوا الترك فالتقوا ، فانهزم جبريل ، وقتل حرب .
وذكر علي بن محمد النوفلي عن أبيه : أن المنصور حج سنة سبع وأربعين . وعزل عن الكوفة عيسى بن موسى ، وطلبه إلى بغداد ، فدفع إليه عبد الله بن علي سراً ، ثم قال : يا عيسى ، إن هذا أراد أن يزيل النعمة عني وعنك ، وأنت ولي عهدي بعد المهدي ، والخلافة صائرة إليك ، فخذه واقتله ، وإياك أن تخور أو تضعف ، وسلمه إليه ، ثم كتب إليه غير مرة من طرق الحج يسأله : ما فعلت ، فكتب إليه : قد أنفذت ما أمرت به ، فلم يشك أنه قتله ، وكان عيسى قد ستره عنده ، ودعا كاتبه يونس بن فروة فقال : ما ترى ؟ قال : أمرك بقتله سراً ، ويدعيه عليك علانية ، ثم يقيدك به . قال : فما الرأي ؟ قال : استره واخفه ، فلما قدم المنصور دس إلى عمومته من يحركهم على مسألة عمه عبد الله بن علي ، فكلموا المنصور ، فقال : علي بعيسى ، فأتاه ، فقال : قد علمت أني دفعت إليك عمي ليكون في منزلك ، قال قد فعلت ، قال : قد كلمني فيه أعمامي ، فرأيت الصفح عنه ، فقال : أولم تأمرني بقتله ؟ قال : لا ، قال : قد أمرتني بقتله ! .
قال : كذبت ، فقال لعمومته إن هذا قد أقر لكم بقتل أخيكم قالوا : فادفعه إلينا نقتله به قال : فشأنكم به ، فأخرجوه إلى الرحبة ، واجتمع الناس ، وشهر الأمر ، فقام أحدهم ، وشهر سيفه ، فقال له عيسى : أفاعل أنت ؟ قال : نعم قال : لا تعجلوا ، ثم أحضر عبد الله بن علي وقال للمنصور : شأنك بعمك ، قال : فأدخلوه حتى أرى فيه رأيي ، فجعله في بيت ، ثم كان من أمره ما كان . وفيها خلع المنصور قبل ذلك من ولاية العهد بعده عيسى بن موسى ، الذي حارب له الأخوين إبراهيم ، ومحمداً ، وظفر بهما ، وتوطد ملك المنصور بهمة عيسى ، فكافأه وخلعه مكرهاً من ولاية العهد ، وقدم عليه ولده المهدي ، فقيل :إنه أرضى عيسى بأن جعله ولي العهد بعد ابنه المهدي . وكان السفاح لما احتضر جعل الخلافة للمنصور ، ثم بعده لعيسى ، وقد لاطفه المنصور ، وكلمه بألين الكلام في ذلك ، فقال : يا أمير المؤمنين فكيف بالأيمان والعهود والمواثيق التي علي وعلى المسلمين ، فلما رأى المنصور امتناعه تغير له ، وأعرض عنه ، وجعل يقدم المهدي عليه في المجالس ، ثم شرع المنصور يدس من يحفر عليه بيته ليسقط عليه ، فجعل يتحفظ ويتمارض .
وقيل : بل سقاه المنصور فاستأذن في الذهاب إلى الكوفة ليتداوى ، وكان الذي جرأه على ذلك طبيبه بختيشوع ، وقال له : والله ما أجسر على معالجتك ، وما آمن على نفسي ، فأذن له المنصور ، وبلغت العلة من عيسى كل مبلغ ، حتى تمعط شعره ، ثم إنه نصل من علته ، ثم سعى موسى ولد عيسى بن موسى في أن يطيع أبوه المنصور ، خوفاً عليه منه وعلى نفسه ، ودبر حيلة أوحاها إلى المنصور ، فقال : مر بخنقي قدام أبي إن لم يخلع نفسه ، قال : فبعث المنصور ، من فعل به ذلك ، فصاح أبوه وأذعن بخلع نفسه ، وقال : هذه يدي بالبيعة للمهدي ، وأشهدك أن نسواني طوالق ، وعبيدي أحرار ، وما أملك في سبيل الله . وقيل : إن المنصور لما أراد البيعة للمهدي بالعهد ، تكلم الجند في ذلك فكان عيسى إذا ركب يسمعونه ما يكره ، فشكاهم إلى المنصور ، فلم يمنع في الباطن ، ومنع في الظاهر ، فأسرفوا ، حتى خلع الرجل نفسه . وقيل : إن خالد بن برمك مضى إليه في ثلاثين نفساً برسالة المنصور ، فامتنع ، فجاء خالد وقال : قد خلع نفسه ، واستشهد أولئك الثلاثين ، فشهدوا عليه .
وقيل : بل بذل له المنصور على خلع نفسه خمس مائة ألف دينار حتى فعل . وفيها استعمل المنصور محمد ابن السفاح على البصرة ، فاستعفى منها ، فأعفاه ، وانصرف إلى بغداد فمات بها .