جعفر البرمكي
جعفر البرمكي . الوزير جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك ، أبو الفضل ، أصله من الفرس ، كان مليحا ، جميلا ، لسنا ، بليغا ، عالما ، أديبا ، يضرب بجوده المثل ، وكان مسرفا على نفسه ، غارقا في بحر اللذات ، والمعاصي ، تمكن من الرشيد ، وبلغ من الجاه والرفعة ما لا مزيد عليه ، وولي هو وأبوه وإخوته الأعمال الجليلة ، وكثرت عليهم الأموال . وقد مر في الحوادث من أخباره ، وأنه قتل في صفر سنة سبع ، وقد ولي نيابة الملك على دمشق ، فقدمها في سنة ثمانين ومائة .
ومن ألفاظه : قال مرة للرشيد : إذا أقبلت الدنيا عليك ، فأعط ، فإنها لا تفنى ، وإذا أدبرت فأعط ، فإنها لا تبقى . قال محمد بن جرير : هاجت العصبية بالشام وتفاقم الأمر ، فاغتم الرشيد ، فعقد لجعفر ، وقال : إما أن تخرج أنت أو أخرج أنا ، فسار إليهم جعفر ، فأصلح بينهم ، وقتل فيهم ، ولم يدع لهم رمحا ولا قوسا ، فهجم الأمر ، واستخلف على دمشق عيسى بن المعلى ، وانصرف . قال الخطيب : كان جعفر عند الرشيد بحالة لم يشاركه فيها أحد ، وجوده ، وسخاؤه أشهر من أن يذكر ، وكان من ذوي اللسن والبلاغة ، يقال : إنه وقع في ليلة بحضرة الرشيد زيادة على ألف توقيع ، ونظر في جميعها ، فلم يخرج شيئا منها عن موجب الفقه ، وكان أبوه يحيى قد ضمه إلى أبي يوسف القاضي حتى علمه ، وفقهه .
وعن ثمامة بن أشرس قال : ما رأيت أبلغ من جعفر بن يحيى ، والمأمون . قيل : اعتذر رجل إلى جعفر ، فقال : قد أغناك الله بالعذر منا عن الاعتذار إلينا ، وأغنانا بالمودة لك عن سوء الظن بك . قال محمد بن عبد الله بن طهمان : حدثني أبي قال : كان أبو علقمة الثقفي صاحب الغريب عند جعفر بن يحيى ، فقال وقد أقبلت عليه خنفساة : أليس يقال إن الخنفساة إذا أقبلت إلى رجل أصاب خيرا ؟ قالوا : بلى ، فقال : يا غلام أعطه ألف دينار ، فأعطاه ، فنحوها عنه ، قال : فعادت إليه ، فقال : يا غلام أعطه ألفا أخرى .
قال جحظة : حدثني ميمون بن مهران قال : حدثني الرشيدي قال : حدثني مهذب حاجب العباس بن محمد : أن العباس نالته إضاقة ، وكثر الغرماء ، فأخرج سفطا فيه جوهر شراؤه ألف ألف درهم ، فحمله إلى جعفر بن يحيى ، فالتقاه جعفر ، فقال : أريد على هذا خمس مائة ألف حتى تأتي الغلة ، فقال : أفعل ، ورفع السفط . فلما رجع العباس بن محمد إلى منزله ، وجد السفط قد سبقه ، ومعه ألف ألف درهم ، ثم من الغد دخل جعفر إلى الرشيد فكلمه فيه ، فأمر له بثلاث مائة ألف دينار . قال ابن المرزبان : حدثنا أبو يعقوب النخعي ، قال : حدثنا علي بن زيد كاتب العباس ابن المأمون قال : حدثني إسحاق الموصلي ، عن أبيه قال : حج الرشيد ومعه جعفر ، وأنا معهم ، فلما صرنا إلى المدينة ، قال لي جعفر : أحب أن تنظر لي جارية لا يكون مثلها في الغناء والظرف ، فأرشدت إلى جارية لم أر مثلها ، وغنت فأجادت ، فقال لي صاحبها : لا أبيعها بأقل من أربعين ألف دينار .
قلت : قد أخذتها ، وأشترط عليك نظرة ، قال : لك ذلك . فأتيت جعفرا ، فقلت : أصبت صاحبتك على غاية الكمال ، فاحمل المال ، فحملنا المال على حمالين ، وجاء جعفر مستخفيا ، فدخلنا على الرجل وأخرجها ، فلما رآها جعفر أعجب بها ، فغنت ، فازداد بها عجبا ، وقال : افصل أمرها ، فقلت لمولاها : خذ المال ، فقالت الجارية : يا مولاي في أي شيء أنت ؟ قال : قد عرفت ما كنا فيه من النعمة ، وقد نقصت عن ذلك ، فقدرت أن تصيري إلى هذا الملك ، فتنبسطي في شهواتك ، فقالت : لو ملكت منك ما ملكت مني ما بعتك بالدنيا ، فاذكر العهد ، وقد كان حلف أن لا يأكل لها ثمنا ، فتغرغرت عين الرجل بالدموع ، وقال : اشهدوا أنها حرة لوجه الله ، وأني قد تزوجتها ، وأمهرتها داري ، فقال جعفر بن يحيى : انهض بنا ، فدعوت الحمالين ليحملوا الذهب ، فقال جعفر : والله لا صحبنا منه درهما ، وقال لمولاها : أنفقه عليكما . وقيل : لما نكبت البرامكة ، وجد في خزائن جعفر جرة فيها ألف دينار في الدينار مائة دينار سكته : وأصفر من ضرب دار الملو ك يلوح على وجهه جعفر يزيد على مائة واحدا متى يعطه معسر يوسر مثنى بن محمد ، قال : حدثنا أبو عبد الرحمن مؤدب البرامكة قال : أمر جعفر أن تضرب له دنانير ، زنة الدينار ثلاث مائة مثقال ، وتصير عليه صورته .
وهو مراد أبي العتاهية بقوله : يلوح على وجهه جعفر قال صاحب الأغاني : أخبرنا عبد الله بن الربيع الربيعي : قال : حدثني أحمد بن إسماعيل ، عن محمد بن جعفر بن يحيى قال : شهدت أبي وهو يحدث جدي يحيى ، وأنا صغير ، عن بعض خلواته مع الرشيد فقال : يا أبة ، أخذ أمير المؤمنين بيدي ، ثم أقبل في الحجر يخترقها ، حتى انتهى إلى حجرة ففتحت له ، ورجع من كان معنا ، ثم صرنا إلى حجرة ، ففتحها بيده ، ودخلنا معا ، وأغلقها من داخل ، ثم صرنا إلى رواق ، وفي صدره مجلس مغلق ، فقعد على بابه ونقره ، فسمعنا حسا ، ثم نقر ، فسمعت صوت عود ، فغنت جارية ، ما ظننت أن الله خلق مثلها في حسن الغناء ، فقال لها : غني صوتي ، فغنت : ومحبب شهد الرفاق وقبله غنى الجواري حاسرا ، ومنقبا لبس الدلال وقام ينقر دفه نقرا أقر به العيون وأطربا إن النساء رأينه فعشقنه وشكون شدة ما بهن فكذبا فطربت والله ، ثم غنت فرقصنا معا ، ثم قال لي : انهض بنا ، فلما صرنا في الدهليز ، قال : أتعرف هذه ؟ قلت : لا ، قال : هي علية بنت المهدي ، والله لئن لفظت به لأقتلنك . فقال له جدي : فقد والله لفظت به ، والله ليقتلنك . قيل : أنشدت جعفرا امرأة كلابية : إني مررت على العقيق وأهله يشكون من مطر الربيع نزورا ما ضرهم إذ مر فيهم جعفر أن لا يكون ربيعهم ممطورا وروى الإسكافي ، عن إسحاق الموصلي قال : قال لي الرشيد بعد قتل جعفر وصلبه : اخرج بنا ننظر إليه ، فلما عاينه أنشأ يقول : تقاضاك دهرك ما أسلفا وكدر عيشك بعد الصفا ولا تعجبن فإن الزمان رهين بتفريق ما ألفا الحارث بن أبي أسامة ، حدثنا إسماعيل بن محمد - ثقة - قال : لما بلغ ابن عيينة قتل جعفر البرمكي حول وجهه إلى الكعبة ، وقال : اللهم إنه كان قد كفاني مؤونة الدنيا ، فاكفه مؤونة الآخرة .
ابن المرزباني ، عن هاشم بن سعيد البلدي ، عن أبيه قال : لما صلب جعفر ، وقف الرقاشي الشاعر ، وأنشأ يقول : أما والله لولا خوف واش وعين للخليفة لا تنام لطفنا حول جذعك واستلمنا كما للناس بالحجر استلام فما أبصرت قبلك يا ابن يحيى حساما فله السيف الحسام على اللذات والدنيا جميعا لدولة آل برمك السلام فطلبه الرشيد فأحضر ، فقال : كم كان يعطيك جعفر ؟ قال : في السنة ألف دينار ، فأمر له بألفي دينار . وقال الكوكبي : حدثني أبو بكر وجه الهرة ، قال : حدثني غسان بن محمد القاضي ، عن محمد بن عبد الرحمن الهاشمي صاحب صلاة الكوفة ، قال : دخلت على أمي يوم النحر ، وعندها امرأة برزة جلدة في أثواب رثة ، فقالت لي : أتعرف هذه ؟ قلت : لا ، قالت : هذه عبادة أم جعفر البرمكي ، فسلمت عليها ، ورحبت بها ، وقلت : يا فلانة حدثينا ببعض أمركم ، قالت : أذكر لك جملة فيها عبرة ، لقد هجم علي مثل هذا العيد ، وعلى رأسي أربع مائة جارية ، وأنا أزعم أن ابني جعفرا عاق لي ، وقد أتيتكم يقنعني جلد شاتين ، أجعل أحدهما شعارا ، والآخر دثارا . قال عبد الله بن روح المدائني : ولدت يوم قتل جعفر البرمكي ، وهو أول صفر سنة سبع وثمانين ومائة .
قال ابن جرير : وعاش سبعا وثلاثين سنة . وقد ذكرنا من أخباره في حوادث السنة المذكورة ، سامحه الله .