حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تاريخ الإسلام

سنة خمس وتسعين

سنة خمس وتسعين توفي فيها : إسحاق بن يوسف الأزرق واسطي ، بشر بن السري الواعظ بمكة ، عبد الرحمن بن محمد المحاربي الكوفي ، عبيد الله بن المهدي فيها في قول ، عثام بن علي الكوفي وقيل سنة أربع ، مؤرج بن عمرو السدوسي النحوي ، محمد بن فضيل الضبي الكوفي ، الوليد بن مسلم في أولها بذي المروة ، يحيى بن سليم الطائفي بمكة ، أبو معاوية الضرير محمد بن خازم . وفيها قال بعض الشعراء فيما جرى من ولاية العهد لموسى وهو طفل وذلك برأي الفضل وبكر بن المعتمر . أضاع الخلافة غش الوزير وفسق الأمير وجهل المشير ففضل وزير وبكر مشير يريدان ما فيه حتف الأمير لواط الخليفة أعجوبة وأعجب منه خلاق الوزير فهذا يدوس وهذا يداس كذاك لعمري خلاف الأمور فلو يستعفان هذا بذاك لكانا بعرضة أمر ستير وأعجب من ذا وذا أننا نبايع للطفل فينا الصغير ومن لم يحسن غسل استه ومن لم يخل من بوله حجر ظير في أبيات .

ولما تيقن المأمون خلعه تسمى بإمام المؤمنين ، وكوتب بذلك . وفي ربيع الآخر عقد الأمين لعلي بن عيسى بن ماهان على بلد الجبال : همذان ، ونهاوند ، وقم ، وأصبهان ، وأمر له - فيما قيل - بمائتي ألف دينار ، وأعطى لجنده مالا عظيما . ولما جمع الأمين الملأ لقراءة العهد لابنه ، قال : يا معشر أهل خراسان - يعني الذين ببغداد - إن الأمير موسى قد أمر لكم من صلب ماله بثلاثة آلاف ألف درهم .

وشخص علي بن عيسى في نصف جمادى الآخرة من بغداد ، وأخذ معه قيد فضة ليقيد به المأمون بزعمه ، وسار معه الأمين إلى النهروان ، فعرض بها الجند الذين جهزهم مع علي ، فسار حتى نزل همذان ، فاستعمل عليها عبد الله بن حميد بن قحطبة ، ثم شخص علي منها حتى بلغ الري ، وهو على أهبة الحرب ، فلقيه طاهر بن الحسين ، وهو في أقل من أربعة آلاف ، كان قد جهزه المأمون فأشرف على جيش علي وهم يلبسون السلاح ، وامتلأت بهم الصحراء بياضا وصفرة من السلاح المذهب ، فقال طاهر بن الحسين : هذا ما لا قبل لنا به ، ولكن نجعلها خارجية ، نقصد القلب ، فهيأ سبعمائة من الخوارزمية ، قال أحمد بن هشام الأمير : فقلنا لطاهر : تذكر علي بن عيسى البيعة التي كانت ، والبيعة التي أخذها هو للمأمون علينا معشر أهل خراسان . قال : نعم ، فعلقناهما على رمحين ، وقمت بين الصفين ، فقلت : الأمان ، ثم قلت : يا علي بن عيسى ألا تتقي الله ؟ أليس هذه نسخة البيعة التي أخذتها أنت خاصة ؟ اتق الله ، فقد بلغت باب قبرك ، قال : من أنت ؟ قلت : أحمد بن هشام – وقد كان علي ضربه أربعمائة سوط - فصاح علي : يا أهل خراسان ، من جاء به فله ألف درهم ، وكان معنا قوم بخارية ، فرموه وزنوه ، وقالوا : نقتلك ونأخذ مالك . وخرج من عسكر علي العباس بن الليث ورجل آخر ، فشد عليه طاهر فضربه قتله ، وشد داود سياه على علي بن عيسى فصرعه وهو لا يعرفه ، فقال طاهر بن الناجي : أعلي بن عيسى أنت ؟ قال : نعم ! وظن أنه يهاب فلا يقدم عليه أحد ، فشد عليه فذبحه بالسيف ، ثم انهزم جيشه .

قال أحمد : فتبعناهم فرسخين ، وواقفونا اثنتي عشرة مرة ؛ كل ذلك نهزمهم ، فلحقني طاهر بن الناجي ومعه رأس علي ، فصليت ركعتين شكرا ، ووجدنا في عسكره سبعمائة كيس ، في كل كيس ألف درهم ، ووجدنا عدة بغال عليها له خمر سوادي ، فظنت البخارية أنه مال ، فكسروا تلك الصناديق فرأوه خمرا ، فضحكوا وقالوا : عملنا العمل حتى نشرب . وأعتق طاهر من كان بحضرته من غلمانه شكرا . فلما وصل البريد إلى المأمون سلموا عليه بالخلافة ، وطيف بالرأس في خراسان .

وجاء الخبر بقتله إلى الأمين وهو يتصيد السمك ، فقال للذي أخبره : ويلك دعني ، فإن كوثرا قد صاد سمكتين وأنا ما صدت شيئا بعد . وقال شاعر من أصحاب علي : لقينا الليث مفترشا يديه وكنا ما ينهنهنا اللقاء نخوض الموت والغمرات قدما إذا ما كر ليس به خفاء فضعضع ركننا لما التقينا وراح الموت وانكشف الغطاء وأودى كبشنا والرأس منا كأن بكفه كان القضاء ثم وجه الأمين عبد الرحمن بن جبلة الأبناوي أمير الدينور بالعدة والقوة ، فسار حتى نزل همذان . وعن عبد الله بن خازم أنه قال : يريد محمد إزالة الجبال ، وفل العساكر بالفضل وتدبيره ، وهيهات ، وهو - والله - كما قيل : قد ضيع الله ذودا أنت راعيها .

وقيل : إن الجيش الذين كانوا مع علي بن عيسى أربعون ألفا في هيئة لم ير مثلها . وروى عبد الله بن مجالد أن الوقعه اشتد فيها القتال ، وأن علي بن عيسى قتل بسهم جاءه ، وأن طاهرا بعث بالأسرى والرؤوس إلى المأمون . وذكر عبد الله بن صالح الجرمي أن عليا لما قتل أرجف الناس ببغداد إرجافا شديدا ، وندم محمد على خلعه أخاه ، وطمع الأمراء فيه ، وشغبوا جندهم بطلب الأرزاق من الأمين ، وازدحموا بالجسر يطلبون الأرزاق والجوائز؛ فركب إليهم عبد الله بن خازم في طائفة من قواد الأعراب فتراموا بالنشاب واقتتلوا ، فسمع الأمين الضجة فأرسل يأمر ابن خازم بالانصراف ، وأمر لهم بأرزاق أربعة أشهر ، وزاد في عطائهم ، وأمر للقواد بالجوائز ، وجهز عبد الرحمن الأبناوي في عشرين ألفا ، فسار إلى همذان وضبط طرقها ، وحصن سورها ، وجمع فيها الأقوات ، واستعد لمحاربة طاهر .

وقد كان يحيى بن علي بن عيسى لما قتل أبوه أقام بين الري وهمذان ، فكان لا يمر به أحد من المنكسرين إلا حبسه عنده بناء منه أن الأمين يوليه مكان أبيه . فكتب إليه الأمين يأمره بالمقام مع عبد الرحمن الأبناوي ، فلما سار يحيى إلى قرب همذان تفرق أكثر أصحابه . وأما طاهر فقصد مدينة همذان ، فأشرف عليها ، فالتقى الجيشان وصبر الفريقان وكثرت القتلى ، ثم إن عبد الرحمن الأبناوي تقهقر ودخل مدينة همذان فأقام بها يلم شعث أصحابه ، ثم زحف إلى طاهر ، وقد خندق طاهر على عسكره ، فاقتتلوا قتالا شديدا ، وجعل عبد الرحمن يحرض أصحابه ويقاتل بيده ، وحمل حملات منكرة ما منها حملة إلا وهو يكثر القتل في أصحاب طاهر ، فشد رجل على صاحب علم عبد الرحمن فقتله ، وحمل أصحاب طاهر حملة صادقة حتى ألجأوهم إلى مدينة همذان ، ونزل طاهر محاصرا لها ، وكان عبد الرحمن يخرج كل يوم فيقاتل على باب المدينة ، وتضرر بهم أهل البلد وجهدوا ، فطلب عبد الرحمن من طاهر الأمان ، فآمنه ووفى له .

وفيها ظهر بدمشق السفياني أبو العميطر علي بن عبد الله بن خالد بن يزيد بن معاوية فدعا إلى نفسه ، وطرد عنها سليمان بن أبي جعفر بعد حصره إياه بالبلد ، وكان عامل الأمين ، فلم يفلت منه إلا بعد اليأس ، فوجه الأمين لحربه الحسين بن علي بن عيسى بن ماهان فلم ينفذ إليه ، ولكنه وصل إلى الرقة فأقام بها . وعن صالح بن محمد بن صالح بن بيهس ، قال : ضبط أبو العميطر دمشق وانضمت إليه اليمانية من كل ناحية ، وبايعه أهل الغوطة والساحل وحمص وقنسرين ، واستقام له الأمر ، إلا أن قيسا لم تبايعه وهربوا من دمشق . وجاء عن عبد الله بن طاهر أنه لما قدم دمشق قال لمحمد بن حنظلة : عندك من عظام أبي العميطر شيء ؟ قال : هو أقل عندنا من هذا ، ولكن هرب إلينا ، وخلع نفسه فسترناه .

وغلب طاهر بن الحسين على قزوين وطرد عنها عامل الأمين ، وغلب على سائر كور الجبال . وذكر عبد الله بن صالح أن الأمين لما وجه عبد الرحمن الأبناوي إلى همذان أتبعه بعبد الله وأحمد ابني الخرسي في جيش مددا له ، فلما خرج بالأمان هو وأصحابه ، أقام يري طاهرا وجنده أنه لهم مسالم راض بعهودهم ، ثم اغترهم وهم آمنون فركب في أصحابه ، فلم يشعر طاهر وأصحابه بهم إلا وقد هجموا عليهم فوضعوا فيهم السيف ، فقاتلوهم وردت عنهم بالأترسة رجالتهم حتى أخذت الفرسان عددها وصدقوهم القتال حتى تقطعت السيوف بين الفريقين . ثم هرب أصحاب عبد الرحمن فترجل هو وجماعة فقاتل حتى قتل .

ووصل المنهزمة إلى عسكر ابني الخرسي ، فداخلهم الرعب فولوا منهزمين من غير قتال حتى أتوا بغداد . وسار طاهر بن الحسين ، وقد خلت له البلاد حتى قارب حلوان فعسكر بها ، وخندق على جنده .

موقع حَـدِيث