سنة سبع وتسعين
سنة سبع وتسعين توفي فيها : أحمد بن بشير أبو بكر الكوفي ، بقية بن الوليد أبو يحمد الكلاعي ، إبراهيم بن عيينة أخو سفيان ، بهز بن أسد بصري ثقة ، ربعي بن علية أبو الحسن أخو إسماعيل ، الحسن بن حبيب بن ندبة بصري ، زيد بن أبي الزرقاء الموصلي ، سلامة بن روح الأيلي عن عقيل ، شعيب بن حرب المدائني الزاهد ، عبد الله بن وهب أبو محمد بمصر ، عبد العزيز بن عمران الزهري المدني ، الفضل بن عنبسة الواسطي ثقة ، القاسم بن يحيى بن عطاء بن مقدم حدث فيها ، محمد بن فليح بن سليمان المدني ، هشام بن يوسف الصنعاني الفقيه ، ورش المقرئ واسمه عثمان بن سعيد ، وكيع بن الجراح الرؤاسي الإمام ، أبو سعيد مولى بني هاشم هو عبد الرحمن . وفيها لحق القاسم الملقب بالمؤتمن - وهو أخو الأمين - ومنصور بن المهدي بالمأمون . وفيها نزل زهير بن المسيب الضبي بكلواذا ، ونصب المجانيق ، واحتفر الخندق ، وجعل يخرج في الأوقات عند اشتغال الجند بحرب طاهر ، فيرمي بالمجانيق والعرادات من أقبل وأدبر ، ويعشر أموال التجار ، وجعل يؤذي المسلمين ، فأتوا طاهرا يشكون منه ، وبلغ ذلك هرثمة بن أعين ، فأمده بالجنود .
ثم نزل هرثمة نهر تير وبنى عليه حائطا وخندقا ، وأعد المجانيق ، وأنزل عبيد الله بن الوضاح الشماسية ، ونزل طاهر بن الحسين البستان الذي بباب الأنبار ، فضاق الأمين ذرعا ، وتفرق ما كان في يده من الأموال العظيمة ، فأمر ببيع ما في الخزائن من الأمتعة ، وضرب آنية الذهب والفضة دنانير ودراهم لينفقها ، ثم أمر برمي الحربية بالنفط والمجانيق ، وهلك جماعة ، وكثر الخراب والهدم حتى درست محاسن بغداد ، وعملت فيها المراثي . ولم يزل طاهر مصابرا للأمين وجنده ، حتى مل أهل بغداد قتاله ، فاستأمن إلى طاهر الموكلون للأمين بقصر صالح ، وسلموا إليه القصر بجميع ما فيه في جمادى الآخرة في منتصفه ، ثم استأمن إلى طاهر صاحب شرطة الأمين محمد بن عيسى ، فضعف ركن الأمين واستسلم . وقتل داخل قصر صالح : أبو العباس يوسف بن يعقوب الباذغيسي ، وجماعة من القواد ، وقتل خلق من أصحاب طاهر ، ثم لحق بطاهر عبد الله بن حميد الطائي ، وإخوته ، وابن الحسن بن قحطبة ، ويحيى بن علي بن ماهان ، ومحمد بن أبي العباس الطائي ، وكاتبه قوم في السر من العباسيين .
ولما كانت وقعة يوم قصر صالح أقبل محمد على اللهو والشرب ، ووكل الأمر إلى محمد بن عيسى بن نهيك وإلى الهرش ، فأقبل أصحاب الهرش يؤذون الرعية وينهبونهم ، فلجأ خلق ونزحوا إلى طاهر ، فرأوا من أصحابه الأمن والخير ، وبقي الناس في بغداد بأسوأ حال ، وطال الأمر . ولبعضهم : بكيت دما على بغداد لما فقدت غضارة العيش الأنيق أصابتها من الحساد عين فأفنت أهلها بالمنجنيق وهي طويلة . وبقي يقاتل عن الأمين غوغاء بغداد والعيارون والحرافشة ، فأنكوا في أصحاب طاهر ، وكانوا يقاتلون بلا سلاح ، فقال بعض الشعراء : خرجت هذه الحروب رجالا لا لقحطانها ولا لنزار معشرا في جواشن الصوف يغدو ن إلى الحرب كالأسود الضواري وعليهم مغافر الخوص تجزيـ ـهم عن البيض والتراس البواري ليس يدرون ما الفرار إذا الأبـ ـطال عاذوا من القنا بالفرار واحد منهم يشد على ألـ ـفين عريان ما له من إزار كم شريف قد أخملته وكم قد رفعت من مقامر عيار وقال آخر في غوغاء البغاددة : إذا حضروا قالوا بما يعرفونه وإن لم يروا شيئا قبيحا تخرصوا ترى البطل المشهور في كل بلدة إذا ما رأى العريان يوما يبصبص ثم كانت بينهم وقعة درب الحجارة ، وكانت لأصحاب محمد الأمين على أصحاب طاهر ، فقتل فيها خلق كثير .
ثم كانت وقعة باب الشماسية ، وأسر فيها هرثمة ، وانتصر فيها أصحاب محمد ، وأسر هرثمة رجل من العراة ، ولم يعرفه ، فحمل بعض أصحاب هرثمة على الرجل فقطع يده ، وخلصه ، فمر منهزما ، وبلغ خبره أهل عسكره فتقوض بما فيه ، وهرب أهله نحو حلوان ، وكان على العراة حاتم بن الصقر . ثم نجد هرثمة وأصحابه طاهر بن الحسين وأصحابه ، وقتلوا من العراة خلائق ، فأيقن محمد بالهلاك ، وهرب من عنده عبد الله بن خازم بن خزيمة إلى المدائن في السفن بعياله . وقيل في قتل العراة : كم قتيل قد رأينا ما سألناه لأيش دارعا تلقاه عريا ن بجهل وبطيش حبشيا يقتل النا س على قطعة خيش مرتد بالشمس راض بالمنى من كل عيش يحمل الحملة لا يقـ ـتل إلا رأس جيش احذر الرمية يا طا هر من كف الحبيشي ودام حصار بغداد خمسة عشر شهرا هكذا ، فلا قوة إلا بالله .
وفيها قوي السفياني بالشام ، واستولى على سائرها باليمانية ، وهربت القيسية من الغوطة ، ثم إنه توثب عليه مسلمة بن يعقوب الأموي المرواني ، وقبض عليه في أثناء السنة وقيده ، واستبد بالأمر وبايع لنفسه ، فلم يبلع ريقه حتى حاصره ابن بيهس بدمشق أياما ، ثم نصب على السور السلالم ، كما يأتي .