حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تاريخ الإسلام

سنة ثمان عشرة ومائتين

سنة ثمان عشرة ومائتين فيها توفي أبو مسهر الغساني شيخ الشام ، ومعلى بن أسد العمي ، ويحيى بن عبد الله البابلتي على الصحيح ، ومحمد بن الصلت الأسدي الكوفي ، وعبد الله بن يوسف التنيسي ، وحجاج بن أبي منيع الرصافي ، وإسحاق بن بكر بن مضر المصري ، ومحمد بن نوح العجلي ، والخليفة المأمون ، وحبيب كاتب مالك ، وبشر المريسي . وفيها اهتم المأمون ببناء طوانة من أرض الروم ، وحشد لها الرجال والصناع ، وأمر ببنائها ميلا في ميل ، وقرر ولده العباس على بنائها ، ولزمه عليها أموال لا يحصيها إلا الله تعالى ، وهي على فم الدرب مما يلي طرسوس . وافتتح عدة حصون .

ذكر المحنة في أثناء السنة كتب المأمون إلى نائبه على بغداد إسحاق بن إبراهيم الخزاعي ابن عم طاهر بن الحسين ، في امتحان العلماء ، كتابا يقول فيه : وقد عرف أمير المؤمنين أن الجمهور الأعظم والسواد الأكبر من حشو الرعية ، وسفلة العامة ، ممن لا نظر له ولا روية ولا استضاءة بنور العلم وبرهانه ، أهل جهالة بالله وعمىً عنه ، وضلالة عن حقيقة دينه ، وقصورٍ أن يقدروا الله حق قدره ، ويعرفوه كنه معرفته ، ويفرقوا بينه وبين خلقه ، وذلك أنهم ساووا بين الله وبين خلقه ، وبين ما أنزل من القرآن . فأطبقوا على أنه قديم لم يخلقه الله ويخترعه . وقد قال تعالى : إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا فكل ما جعله الله فقد خلقه كما قال : وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ وقال : نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ فأخبر أنه قصص لأمور أحدثه بعدها .

وقال : أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ والله محكم كتابه ومفصله ، فهو خالقه ومبتدعه . ثم انتسبوا إلى السنة ، وأنهم أهل الحق والجماعة ، وأن من سواهم أهل الباطل والكفر . فاستطالوا بذلك وغروا به الجهال ، حتى مال قوم من أهل السمت الكاذب والتخشع لغير الله إلى موافقتهم ، فنزعوا الحق إلى باطلهم ، واتخذوا دون الله وليجة إلى ضلالهم ، إلى أن قال : فرأى أمير المؤمنين أن أولئك شر الأمة ، المنقوصون من التوحيد حظا ، أوعية الجهالة وأعلام الكذب ، ولسان إبليس الناطق في أوليائه ، والهائل على أعدائه من أهل دين الله ، وأحق أن يتهم في صدقه ، وتطرح شهادته ، ولا يوثق به ، من عمي عن رشده وحظه من الإيمان بالتوحيد ، وكان عما سوى ذلك أعمى وأضل سبيلا .

ولعمر أمير المؤمنين ، إن أكذب الناس من كذب على الله ووحيه . وتخرص الباطل ، ولم يعرف الله حقيقة معرفته . فاجمع من بحضرتك من القضاة ، فاقرأ عليهم كتابنا وامتحنهم فيما يقولون ، واكشفهم عما يعتقدون في خلق الله وإحداثه .

وأعلمهم أني غير مستعين في عملٍ ولا واثق بمن لا يوثق بدينه . فإذا أقروا بذلك ووافقوا فمرهم بنص من بحضرتهم من الشهود ، ومسألتهم عن علمهم في القرآن ، وترك شهادة من لم يقر أنه مخلوق . واكتب إلينا بما يأتيك عن قضاة أهل عملك في مسألتهم ، والأمر لهم بمثل ذلك .

وكتب المأمون إليه أيضا في أشخاص سبعة أنفس ، وهم : محمد بن سعد كاتب الواقدي ، ويحيى بن معين ، وأبو خيثمة ، وأبو مسلم مستملي يزيد بن هارون ، وإسماعيل بن داود ، وإسماعيل بن أبي مسعود ، وأحمد بن إبراهيم الدورقي . فأشخصوا إليه ، فامتحنهم بخلق القرآن فأجابوه ، فردهم من الرقة إلى بغداد ، وسبب طلبهم أنهم توقفوا أولا ، ثم أجابوه تقيةً . وكتب إلى إسحاق بن إبراهيم بأن يحضر الفقهاء ومشايخ الحديث ويخبرهم بما أجاب به هؤلاء السبعة ، ففعل ذلك ، فأجابه طائفة وامتنع آخرون .

فكان يحيى بن معين وغيره يقولون أجبنا خوفا من السيف . ثم كتب المأمون كتابا آخر من جنس الأول إلى إسحاق ، وأمره بإحضار من امتنع ، فأحضر جماعةً منهم : أحمد بن حنبل ، وبشر بن الوليد الكندي ، وأبو حسان الزيادي ، وعلي بن أبي مقاتل ، والفضل بن غانم ، وعبيد الله بن عمر القواريري ، وعلي بن الجعد ، وسجادة ، والذيال بن الهيثم ، وقتيبة بن سعيد ، وكان حينئذ ببغداد ، وسعدويه الواسطي ، وإسحاق بن أبي إسرائيل ، وابن الهرش ، وابن علية الأكبر ، ومحمد بن نوح العجلي ، ويحيى بن عبد الرحمن العمري ، وأبو نصر التمار ، وأبو معمر القطيعي ، ومحمد بن حاتم بن ميمون ، وغيرهم . وعرض عليهم كتاب المأمون فعرضوا ، ووروا ولم يجيبوا ولم ينكروا .

فقال لبشر بن الوليد : ما تقول ؟ قال : قد عرفت أمير المؤمنين غير مرة ، قال : وإن فقد تجدد من أمير المؤمنين كتاب ، قال : أقول : كلام الله ، قال : لم أسألك عن هذا . أمخلوق هو ؟ قال : ما أحسن غير ما قلت لك . وقد استعهدت أمير المؤمنين أن لا أتكلم فيه ، ثم قال لعلي بن أبي مقاتل : ما تقول ؟ قال : القرآن كلام الله ، وإن أمرنا أمير المؤمنين بشيء سمعنا وأطعنا ، وأجاب أبو حسان الزيادي بنحو من ذلك ، ثم قال لأحمد بن حنبل : ما تقول ؟ قال : كلام الله ، قال : أمخلوق هو ؟ قال : هو كلام الله لا أزيد على هذا ، ثم امتحن الباقين وكتب بجواباتهم ، وقال ابن البكاء الأكبر : أقول القرآن مجعول ومحدث لورود النص بذلك ، فقال له إسحاق بن إبراهيم : والمجعول مخلوق ؟ قال : نعم ، قال : فالقرآن مخلوق ؟ قال : لا أقول مخلوق ، ثم وجه بجواباتهم إلى المأمون ، فورد عليه كتاب المأمون : بلغنا ما أجاب به متصنعة أهل القبلة ، وملتمسوا الرياسة ، فيما ليسوا له بأهلٍ ، فمن لم يجب أنه مخلوق فامنعه من الفتوى والرواية .

ويقول في الكتاب : فأما ما قال بشر فقد كذب ، لم يكن جرى بين أمير المؤمنين وبينه في ذلك عهد أكثر من إخبار أمير المؤمنين من اعتقاده كلمة الإخلاص ، والقول بأن القرآن مخلوق ، فادع به إليك ، فإن تاب فأشهر أمره ، وإن أصر على شركه ، ودفع أن يكون القرآن مخلوقا بكفره وإلحاده فاضرب عنقه ، وابعث إلينا برأسه . وكذلك إبراهيم بن المهدي فامتحنه ، فإن أجاب ، وإلا فاضرب عنقه . وأما علي بن أبي مقاتل ، فقل له : ألست القائل لأمير المؤمنين : إنك تحلل وتحرم .

وأما الذيال فأعلمه أنه كان في الطعام الذي سرقه من الأنبار ما يشغله . وأما أحمد بن يزيد أبو العوام وقوله : إنه لا يحسن الجواب في القرآن ، فأعلمه أنه صبي في عقله لا في سنه ، جاهل سيحسن الجواب إذا أدب ، ثم إن لم يفعل كان السيف من وراء ذلك . وأما أحمد بن حنبل فأعلمه أن أمير المؤمنين قد عرف فحوى مقالته ، واستدل على جهله وآفته بها .

وأما الفضل بن غانم ، فأعلمه أنه لم يخف على أمير المؤمنين ما كان فيه بمصر ، وما اكتسب من الأموال في أقل من سنة ، يعني في ولايته القضاء . وأما الزيادي فأعلمه أنه كان منتحلا ولاء دعي . فأنكر أبو حسان أن يكون مولىً لزياد بن أبيه ، وإنما قيل له : الزيادي لأمرٍ من الأمور .

قال : وأما أبو نصر التمار فإن أمير المؤمنين شبه خساسة عقله بخساسة متجره . وأما ابن نوح ، وابن حاتم فأعلمهم أنهم مشاغيل بأكل الربا عن الوقوف على التوحيد ، وإن أمير المؤمنين لو لم يستحل محاربتهم في الله إلا لآرابهم ، وما نزل به كتاب الله في أمثالهم لاستحل ذلك ، فكيف بهم وقد جمعوا مع الإرباء شركا ، وصاروا للنصارى شبها ؟ وأما ابن شجاع فأعلمه أنه صاحبه بالأمس ، والمستخرج منه ما استخرجه من المال الذي كان استحله من مال الأمير علي بن هشام . وأما سعدويه الواسطي ، فقل له : قبح الله رجلا بلغ به التصنع للحديث والحرص على الرياسة فيه ، أن تمنى وقت المحنة .

وأما المعروف بسجادة ، وإنكاره أن يكون سمع ممن كان يجالس من العلماء القول بأن القرآن مخلوق ، فأعلمه أن في شغله وإعداد النوى ، وحكمه لإصلاح سجادته ، وبالودائع التي دفعها إليه علي بن يحيى وغيره ما أذهله عن التوحيد . وأما القواريري ففيما تكشف من أحواله ، وقبوله الرشا والمصانعات ما أبان عن مذهبه وسوء طريقته وسخافة عقله ودينه . وأما يحيى العمري ، فإن كان من ولد عمر بن الخطاب فجوابه معروف .

وأما محمد بن الحسن بن علي بن عاصم ، فإنه لو كان مقتديا بمن مضى من سلفه لم ينتحل النحلة التي حكيت عنه ، وأنه بعد صبي يحتاج إلى أن يعلم . وقد كان أمير المؤمنين وجه إليك المعروف بأبي مسهر بعد أن نصه أمير المؤمنين عن محنته في القرآن ، فجمجم عنها ولجلج فيها حتى دعا له أمير المؤمنين بالسيف ، فأقر ذميما ، فأنصصه عن إقراره ، فإن كان مقيما عليه فأشهر ذلك وأظهره . ومن لم يرجع عن شركه ممن سميت بعد بشر ، وابن المهدي ، فاحملهم موثقين إلى عسكر أمير المؤمنين ليسألهم ، فإن لم يرجعوا حملهم على السيف .

قال : فأجابوا كلهم عند ذلك ، إلا أحمد بن حنبل ، وسجادة ، ومحمد بن نوح ، والقواريري ، فأمر بهم إسحاق فقيدوا ، ثم سألهم من الغد وهم في القيود فأجاب سجادة ، ثم عاودهم ثالثا فأجاب القواريري ، ووجه بأحمد بن حنبل ، ومحمد بن نوح المضروب إلى طرسوس ، ثم بلغ المأمون أنهم إنما أجابوا مكرهين ، فغضب وأمر بإحضارهم إليه ، فلما صاروا إلى الرقة تلقتهم وفاة المأمون ، وكذا جاء الخبر بموت المأمون إلى أحمد ، ولطف الله وفرج . وأما محمد بن نوح فكان عديلا لأحمد بن حنبل في المحمل ، فمات ، فوليه أحمد بالرحبة وصلى عليه ودفنه رحمه الله تعالى . وأما المأمون فمرض بالروم ، فلما اشتد مرضه طلب ابنه العباس ليقدم عليه ، وهو يظن أنه لا يدركه ، فأتاه وهو مجهود ، وقد نفذت الكتب إلى البلدان فيها : من عبد الله المأمون وأخيه أبي إسحاق الخليفة من بعده بهذا النص .

فقيل : إن ذلك وقع بأمر المأمون ، وقيل : بل كتبوا ذلك وقت غشيٍ أصابه ، فأقام العباس عنده أياما حتى مات . ذكر وصية المأمون هذا ما أشهد عليه عبد الله بن هارون أمير المؤمنين أن الله وحده لا شريك له في ملكه ، وأنه خالق وما سواه مخلوق . ولا يخلو القرآن من أن يكون شيئا له مثل ، والله لا مثل له إلى أن قال : والبعث حق ، وإني مذنب أرجو وأخاف ، فإذا مت فوجهوني وليصل علي أقربكم مني نسبا ، وليكبر خمسا ، وذكر وصايا من هذا النوع ، إلى أن قال : فرحم الله عبدا اتعظ وفكر فيما حتم الله على جميع خلقه من الفناء ، وقضى عليهم من الموت الذي لا بد منه ، فالحمد لله الذي توحد بالبقاء ، ثم لينظر المرء ما كنت فيه من عز الخلافة ، هل أغنى عني شيئا إذا جاء أمر الله ؟ لا والله .

ولكن أضعف به علي الحساب ، فيا ليت عبد الله بن هارون لم يك بشرا بل ليته لم يك شيئا . يا أبا إسحاق ، ادن مني واتعظ بما ترى ، وخذ بسيرة أخيك في القرآن ، واعمل في الخلافة إذ طوقكها الله تعالى عمل المريد لله ، الخائف من عقابه ، ولا تغتر بالله وتمهيله ، فكأن قد نزل بك الموت . ولا تغفل أمر الرعية الرعية الرعية ، العوام العوام ، فإن الملك بهم الله الله فيهم وفي غيرهم .

يا أبا إسحاق ، عليك عهد الله لتقومن بحق الله في عباده ، ولتؤثرن طاعة الله على معصيته . قال : اللهم نعم ، قال : فانظر من كنت تسمعني أقدمه فأضعف له التقدمة . وعبد الله بن طاهر أقره على عمله ، فقد عرفت بلاءه وغناءه ، وأبو عبد الله بن أبي دؤاد لا يفارقك ، وأشركه في المشورة في كل أمرك ، ولا تتخذن بعدي وزيرا ، فقد علمت ما نكبني به يحيى بن أكثم في معاملة الناس ، وخبث سريرته حتى أبعدته ، هؤلاء بنو عمك من ذرية أمير المؤمنين علي صلوات الله عليه ، أحسن صحبتهم ، وتجاوز عن مسيئهم ، وأعطهم الصلات .

ثم توفي في رجب ، ودفن بطرسوس . وكان أول من بايع المعتصم : العباس بن المأمون . قال محمد بن عبيد الله المسبحي في تاريخ مصر : كتب المعتصم إلى نائبه على مصر كندر ، وإلى قاضي مصر هارون بن عبد الله الزهري كتابا بخط الفضل بن مروان يمتحن فيه الناس بخلق القرآن .

فأحضرهم القاضي هارون ، فأجاب عامة الشهود وأكثر الفقهاء ، إلا من هرب منهم . وكان هارون إذا شهد عنده عدلان سألهما عن القرآن ، فإن أقرا أنه مخلوق قبلهما ، وأخذ بذلك المؤذنون والمحدثون . وأُمِرَ المعلمون أن يعلموا الصبيان كتعليم القرآن ، يعني القول بخلق القرآن .

وبقيت المحنة إلى أن ولي الخلافة المتوكل سنة اثنتين وثلاثين . وفيها وقع الوباء العظيم بمصر ، فمات أكثرهم ، وغلا السعر هذه السنة وبعض سنة تسع عشرة ، قال : ولم تبق دار ولا قرية إلا مات أكثر أهلها ، ولم يبق بمصر رئيس ولا شريف مشهور ، وولت الدنيا عمن بقي من أولادهم ، وركبهم الذل ، وجفاهم السلطان ؛ لأنهم خرجوا غير مرة وأثاروا الفتنة . ثم سرد من مات من أشرافهم من أول دولة المأمون إلى آخرها ، فسمى من كبارهم أبا نصر الوليد بن يعفر بن الصباح بن أبرهة ، توفي سنة سبعٍ وتسعين ومائة ، وإبراهيم بن حوي توفي فيها ، وإبراهيم بن نافع الطائي ، توفي سنة ثمانٍ وتسعين ، وعثمان بن بلادة فيها ، وهاشم بن حديج ، ومحمد بن حسان بن عتاهية سنة تسعٍ وتسعين ، وهبيرة بن هاشم بن حديج ، وزرعة بن معاوية سنة مائتين .

ثم سمى عددا كثيرا لا نعرفهم كان لهم جاه وحشمة في عصرهم بمصرهم ، انمحت آثارهم وانطوت أخبارهم . وفيها أمر المعتصم بهدم طوانة التي قدمنا أن المأمون أمر ببنائها ، ثم حمل ما بها من الآلات والسلاح ، وتفرق ما تعب عليه المأمون ، وسافر الناس الذين أسكنوا بها إلى بلادهم ، ثم انصرف المعتصم إلى بغداد ، فدخلها في أول رمضان من السنة . وفيها عظم الخطب واشتد الأمر بالخرمية - لعنهم الله - ودخل في دينهم خلق من أهل بلاد همذان وبلاد أصبهان ، وجيشوا بأرض همذان ، فسار لحربهم إسحاق بن إبراهيم بن مصعب في ذي القعدة ، فظفر بهم ، وقتل منهم ملحمة عظمى .

فيقال : إنه قتل منهم ببلاد همذان ستين ألفا ، وهرب باقيهم إلى بلاد الروم ، وكان المصاف بأرض همذان مما يلي الري . وبعضهم يقول : قتل منهم فوق المائة ألف ، وكانت ملحمة هائلة .

موقع حَـدِيث