إسحاق بن إبراهيم بن ميمون
إسحاق بن إبراهيم بن ميمون ، أبو محمد التميمي الموصلي النديم صاحب الغناء . كان إليه المنتهى في معرفة الموسيقى ، وله أدب وافر ، وشعر رائق . وكان عالما بالأخبار وأيام الناس ، وغير ذلك من الفقه والحديث واللغة ، وفنون العلم .
سمع من مالك ، وهشيم ، وسفيان بن عيينة ، وبقية ، وأبي معاوية ، والأصمعي ، وجماعة . وعنه ابنه حماد الراوية ، والأصمعي شيخه ، والزبير بن بكار ، وأبو العيناء ، وميمون بن هارون ، ويزيد بن محمد المهلبي ، وآخرون . وولد سنة خمسين ومائة أو بعدها .
قال إبراهيم الحربي : كان ثقة عالما . وقال الخطيب : كان حلو النادرة ، حسن المعرفة ، جيد الشعر ، مذكورا بالسخاء . له كتاب الأغاني الذي رواه عنه ابنه حماد .
وعن إسحاق الموصلي قال : بقيت دهرا من عمري أغلس كل يوم إلى هشيم ، أو غيره من المحدثين ، ثم أصير إلى الكسائي ، أو الفراء ، أو ابن غزالة فأقرأ عليه جزءا من القرآن ، ثم إلى أبي منصور زلزل فيضاربني طريقتين أو ثلاثة ، ثم آتي عاتكة بنت شهدة ، فآخذ منها صوتا أو صوتين ، ثم آتي الأصمعي وأبا عبيدة فأناشدهما وأستفيد منهما . فإذا كان العشي ، رحت إلى أمير المؤمنين الرشيد . وكان ابن الأعرابي يصف إسحاق النديم بالعلم والصدق والحفظ ويقول : أسمعتم بأحسن من ابتدائه : هل إلى أن تنام عيني سبيل ؟ إن عهدي بالنوم عهد طويل وقال إسحاق : لما خرجنا مع الرشيد إلى الرقة قال لي الأصمعي : كم حملت معك من كتبك ؟ قلت : ستة عشر صندوقا ، فكم حملت أنت ؟ قال : معي صندوق واحد .
وقال : رأيت كأن جريرا ناولني كبة من شعر ، فأدخلتها في فمي ، فقال المعبر : هذا رجل يقول من الشعر ما شاء . وقيل : إن إسحاق النديم كان يكره أن ينسب إلى الغناء ويقول : لأن أضرب على رأسي بالمقارع ، أحب إلي من أن يقال عني مغني . وقال المأمون : لولا شهرته بالغناء لوليته القضاء .
وقيل : كان لإسحاق الموصلي غلام اسمه فتح يستقي الماء لأهل داره دائما على بغل ، فقال يوما : ما في هذا البيت أشقى مني ومنك ، أنت تطعمهم الخبز ، وأنا أسقيهم الماء . فضحك إسحاق وأعتقه ، ووهبه البغل . الصولي : حدثنا أبو العيناء ، قال : حدثنا إسحاق الموصلي قال : جئت أبا معاوية الضرير ، معي مائة حديث ، فوجدت ضريرا يحجبه لينفعه .
فوهبته مائة درهم ، فاستأذن لي . فقرأت المائة حديث ، فقال لي أبو معاوية : هذا معيل ضعيف ، وما وعدته يأخذه من أذناب الناس ، وأنت أنت . قلت : قد جعلتها مائة دينار .
قال : أحسن الله جزاءك . وقال إسحاق : أنشدت الأصمعي شعرا لي ، على أنه لشاعر قديم : هل إلى نظرة إليك سبيل يرو منها الصدى ويشفى الغليل إن ما قل منك يكثر عندي وكثير من الحبيب القليل فقال : هذا الديباج الخسرواني . قلت : إنه ابن ليلته .
فقال : لا جرم فيه أثر التوليد . قلت : ولا جرم فيك أثر الحسد . وقال أبو عكرمة الضبي قال : حدثنا إسحاق الموصلي قال : دخلت على الرشيد فأنشدته : وآمرة بالبخل قلت لها : اقصري فذلك شيء ما إليه سبيل أرى الناس خلان الجواد ، ولا أرى بخيلا له في العالمين خليل وإني رأيت البخل يزري بأهله فأكرم نفسي أن يقال بخيل ومن خير حالات الفتى لو علمته إذا نال شيئا أن يكون ينيل عطائي عطاء المكثرين تكرما ومالي كما قد تعلمين قليل وكيف أخاف الفقر أو أحرم الغنى ورأي أمير المؤمنين جميل ؟ قال : لا كيف إن شاء الله .
يا فضل ، أعطه مائة ألف درهم . لله در أبيات تأتينا بها ، ما أجود أصولها ، وأحسن فصولها . فقلت : يا أمير المؤمنين كلامك أحسن من شعري .
فقال : يا فضل أعطه مائة ألف أخرى . قال : فكان ذلك أول ما اعتقدته . وهذه الكلمة لإسحاق : رضا المتجني غاية ليس تدرك ، وأنشد : ستذكرني إذا جربت غيري وتعلم أنني لك كنت كنزا بذلت لك الصفاء بكل جهدي وكنت كما هويت فصرت جزا وهنت عليك لما كنت ممن يهون إذا أخوه عليه عزا ستندم إن هلكت وعشت بعدي وتعلم أن رأيك كان عجزا وعن إسحاق قال : جاء مروان بن أبي حفصة إلي يوما ، فاستنشدني من شعري .
فأنشدته : إذا كانت الأحرار أصلي ومنصبي ودافع ضيمي خازم وابن خازم عطست بأنف شامخ وتناولت يداي السماء قاعدا غير قائم فجعل يستحسن ذلك ، ويقول لأبي : إنك لا تدري ما يقول هذا الغلام . توفي إسحاق سنة خمس وثلاثين ، وقد نادم جماعة من الخلفاء ، وكان محببا إليهم .