فصل في آدابه
فصل في آدابه قال عبد الله بن أحمد : رأيت أبي يأخذ شعرة من شعر النبي صلى الله عليه وسلم فيضعها على فيه يقبلها ، وأحسب أني رأيته يضعها على عينه ويغمسها في الماء ويشربه يستشفي به . ورأيته قد أخذ قصعة النبي صلى الله عليه وسلم فغسلها في جب الماء ، ثم شرب فيها . ورأيته يشرب ماء زمزم ، يستشفي به ، ويمسح به يديه ووجهه .
وقال أحمد بن سعيد الدارمي : كتب إلي أحمد بن حنبل : لأبي جعفر أكرمه الله ، من أحمد بن حنبل . وعن سعيد بن يعقوب قال : كتب إلي أحمد : من أحمد بن محمد إلى سعيد بن يعقوب ، أما بعد ، فإن الدنيا داء والسلطان داء ، والعالم طبيب . فإذا رأيت الطبيب يجر الداء إلى نفسه فاحذره ، والسلام عليك .
وقال عبيد الله بن عبد الرحمن الزهري : حدثني أبي ، قال : مضى عمي أبو إبراهيم أحمد بن سعد إلى أحمد بن حنبل ، فسلم عليه . فلما رآه وثب قائما وأكرمه . وقال المروذي : قال لي أحمد : ما كتبت حديثا إلا وقد عملت به ، حتى مر بي أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وأعطى أبا طيبة دينارا ، فأعطيت الحجام دينارا حين احتجمت .
وقال ابن أبي حاتم : ذكر عبد الله بن أبي عمر البكري ، قال : سمعت عبد الملك الميموني يقول : ما أعلم أني رأيت أحدا أنظف ثوبا ولا أشد تعاهدا لنفسه في شاربه وشعر رأسه وشعر بدنه ، ولا أنقى ثوبا وشدة بياض من أحمد بن حنبل . وقال الخلال : أخبرني محمد بن الجنيد أن المروذي حدثهم قال : كان أبو عبد الله لا يدخل الحمام . وكان إذا احتاج إلى النورة تنور في البيت .
وأصلحت له غير مرة النورة ، واشتريت له جلدا ليده يدخل يده فيه ويتنور . وقال حنبل : رأيت أبا عبد الله إذا أراد القيام قال لجلسائه : إذا شئتم . وقال المروذي : رأيت أبا عبد الله قد ألقى لختان درهمين في الطست .
وقال موسى بن هارون : سئل أحمد بن حنبل فقيل له : أين نطلب البدلاء ؟ فسكت حتى ظننا أنه لا يجيب ، ثم قال : إن لم يكن من أصحاب الحديث فلا أدري . وقال المروذي : كان الإمام أحمد إذا ذكر الموت خنقته العبرة . وكان يقول : الخوف يمنعني أكل الطعام والشراب .
وقال : إذا ذكرت الموت هان علي كل شيء من أمر الدنيا . وإنما هو طعام دون طعام ، ولباس دون لباس ، وإنها أيام قلائل . ما أعدل بالفقر شيئا .
وقال : لو وجدت السبيل لخرجت حتى لا يكون لي ذكر . وقال : أريد أن أكون في بعض تلك الشعاب بمكة ، حتى لا أعرف . قد بليت بالشهرة .
إني لأتمنى الموت صباحا ومساء . وقال المروذي : ذكر لأحمد أن رجلا يريد لقاءه ، فقال : أليس قد كره بعضهم اللقاء . يتزين لي وأتزين له .
وقال : لقد استرحت . ما جاءني الفرح إلا منذ حلفت أن لا أحدث ، وليتنا نترك ، الطريق ما كان عليه بشر بن الحارث . وقال المروذي : قلت لأبي عبد الله : إن فلانا قال : لم يزهد أبو عبد الله في الدراهم وحدها ، قد زهد في الناس .
فقال : ومن أنا حتى أزهد في الناس ؟ الناس يريدون أن يزهدوا في . وسمعت أبا عبد الله يكره للرجل أن ينام بعد العصر ، يخاف على عقله . وسمعته يقول : لا يفلح من تعاطى الكلام ، ولا يخلو من أن يتجهم .
وسئل عن القراءة بالألحان ، فقال : هذه بدعة لا تسمع . وكان قد قارب الثمانين ، رحمه الله .