فصل في محنته زمن الواثق
فصل في محنته زمن الواثق قال حنبل : ولم يزل أبو عبد الله بعد أن برئ من مرضه يحضر الجمعة والجماعة ويفتي ويحدث حتى مات المعتصم ، وولي ابنه الواثق ، فأظهر ما أظهر من المحنة والميل إلى ابن أبي دؤاد وأصحابه . فلما اشتد الأمر على أهل بغداد ، وأظهرت القضاة المحنة ، وفرق بين فضل الأنماطي وامرأته ، وبين أبي صالح وامرأته ، كان أبو عبد الله يشهد الجمعة ويعيد الصلاة إذا رجع ويقول : الجمعة تؤتى لفضلها ، والصلاة تعاد خلف من قال بهذه المقالة ، وجاء نفر إلى أبي عبد الله وقالوا : هذا الأمر قد فشا وتفاقم ، ونحن نخافه على أكثر من هذا . وذكروا أن ابن أبي دؤاد على أن يأمر المعلمين بتعليم الصبيان في الكتاب مع القرآن : القرآن كذا وكذا .
فنحن لا نرضى بإمارته . فمنعهم من ذلك وناظرهم . وحكى حنبل قصده في مناظرتهم وأمرهم بالصبر .
فبينا نحن في أيام الواثق إذ جاء يعقوب ليلا برسالة إسحاق بن إبراهيم إلى أبي عبد الله : يقول لك الأمير : إن أمير المؤمنين قد ذكرك ، فلا يجتمعن إليك أحد ، ولا تساكني بأرض ولا مدينة أنا فيها . فاذهب حيث شئت من أرض الله ، فاختفى أبو عبد الله بقية حياة الواثق . وكانت تلك الفتنة ، وقتل أحمد بن نصر ، فلم يزل أبو عبد الله مختفيا في غير منزله في القرب .
ثم عاد إلى منزله بعد أشهر أو سنة لما طفئ خبره . ولم يزل في البيت مختفيا لا يخرج إلى الصلاة ولا غيرها حتى هلك الواثق . وعن إبراهيم بن هانئ قال : اختفى أحمد بن حنبل عندي ثلاثة أيام ثم قال : اطلب لي موضعا ، قلت : لا آمن عليك .
قال : افعل . فإذا فعلت أفدتك ، فطلبت له موضعا ، فلما خرج قال لي : اختفى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار ثلاثة أيام ، ثم تحول . قلت : أنا أتعجب من الحافظ أبي القاسم كيف لم يسق المحنة ولا شيئا منها في تاريخ دمشق مع فرط استقصائه ، ومع صحة أسانيدها ، ولعل له نية في تركها .