سنة سبع وستين ومائتين
سنة سبع وستين ومائتين . فيها توفّي : إبراهيم بن عبد الله السَّعديّ ، وإسماعيل بن عبد الله سمّويه ، وإسحاق بن إبراهيم الفارسيّ شاذان ، وبحر بن نصر الخولانيّ ، وعباس الترقفيّ ، ومحمد بن عزيز الأيليّ ، ويحيى ابن الذهليّ ، ويونس بن حبيب الأصبهاني . وفيها دخلت الزَّنج واسطًا ، فاستباحوها وأحرقوا فيها ، فجهّز الموفّق ابنه أبا العبّاس في جيشٍ عظيم ، فكان بينه وبين الزَّنج وقعة في المراكب في الماء ، فهزمهم أبو العبّاس ، وقتل فيهم وأسر وغرَّق سفنهم ، وكان ذلك أوَّل النصّر .
فنزل أبو العبّاس واسطًا ، واجتمع قوّاد الخبيث صاحب الزَّنج سليمان بن موسى الشّعرانيّ ، وعليّ بن أبان ، وسليمان بن جامع ، وحشدوا وأقبلوا ، فالتقاهم أبو العباس ، فهزمهم وفرَّقهم ، ثم واقعهم بعد ذلك ، فهزمهم أيضًا ومزَّقهم . ثم دامت مصابرة القتال بينهم شهرين ، ثم قذف الله الرُّعب في قلوب الزَّنج من أبي العبّاس وهابوه . وتحصّن سليمان بن جامع بمكان ، وتحصّن الشّعراني بمكانٍ آخر .
فسار أبو العّباس وحاصر الشّعراني ، وجرت بينهم حروب صعبة ، إلى أن انهزمت الزَّنج ، ورجع أبو العباس بجيوشه سالمًا غانمًا . وكان أكثر قتالهم في المراكب والسّماريّات ، وغرق من الزَّنج خلق سوى من قتل وأسر . ثم سار الموفَّق من بغداد في جيشه في السُّفن والسّماريّات في هيئةٍ لم ير مثلها إلى واسط .
فتلّقاه ولده أبو العبّاس ، ثمّ سارا إلى قتال الزَّنج ليستأصلوهم ، فواقعوهم ، فانهزم الزَّنج واستنقذ منهم من المسلمات نحو خمسة آلاف امرأة ، وهدمت مدينة الشعراني فانهزم الشعراني في نفرٍ يسير مسلوبًا من الأهل والمال ، ووصل إلى المذار ، فكتب إلى الخبيث سلطان الزَّنج بما جرى ، فتردد الخبيث إلى الخلاء مرارًا في ساعة واحدة ، ورجف فؤاده وتقطّعت كبده ، وأيقن بالهلاك . ثم إنّ الموفَّق سأل عن أصحاب الخبيث ، فقيل له : معظمهم مع سليمان بن جامع في بلد طهيثا ، فسار الموفّق إليها ، وزحف عليها بجنوده ، فالتقاه سليمان بن جامع وأحمد بن مهديّ الجبّائيّ في جموع الزَّنج ، ورتّب الكمناء واستحرَّ القتال ، فرمى أبو العبّاس بن الموفّق لأحمد ابن مهديّ بسهمٍ في وجهه هلك منه بعد أيّام . وكان أبو العباس راميًا مذكورًا .
ثم أصبح الموفَّق على القتال ، وصلّى وابتهل إلى الله بالدّعاء ، وزحف على البلد ، وكان عليه خمسة أسوار ، فما كانت إلا ساعة وانهزمت الزَّنج ، وعمل فيهم السّيف وغرق أكثرهم . وهرب سليمان بن جامع ، واستنقذ الموفّق من طهيثا نحو عشرة آلاف أسيرة فسيرهن إلى واسط ، وأخذ من المدينة تحفًا وأموالًا ، بحيث استغنى عسكره ، وأقام بها الموفّق أيامًا ثم هدمها . وكان المهلَّبيّ مقيمًا بالأهواز في ثلاثين ألفا من الزَّنج ، فسار إليها الموفَّق ، فانهزم المهلَّبيّ وتفرَّق جمعه ، وانهزم بهبوذ الزَّنجيّ ، وبعثوا يطلبون الأمان ، لأنه كان قد ظفر بطائفةٍ كبيرة من أصحاب الخبيث وهو بنهر أبي الخصيب .
ثم سار الموفَّق إلى جنديسابور ثمّ إلى تستر فنزلها ، وأنفق في الجند والموالي ، ثم رحل إلى عسكر مكرم ومهّد البلاد ، ثم رجع وبعث ابنه أبا العبّاس إلى نهر أبي الخصيب لقتال الخبيث . فبعث إليه الخبيث سفنًا ، فاقتتلوا ، فهزمهم أبو العبّاس ، واستأمن إليه القائد منتاب الزَّنجيّ ، فأحسن إليه . وكتب الموفَّق كتابًا إلى الخبيث يدعوه إلى التَّوبة إلى الله والإنابة إليه ممّا فعل من سفك الدّماء وسبي الحريم وانتحال النبوَّة والوحي ، فما زاده الكتاب إلا تجبرًا وعتوًّا .
وقيل : إنه قتل الرسول ، فسار الموفَّق في جيوشه إلى مدينة الخبيث بنهر أبي الخصيب ، فأشرف عليها ، وكان قد سمّاها المختارة ، فتأمّلها الموفَّق ورأى حصانتها وأسوارها وخنادقها ، فرأى شيئًا لم ير مثله ، ورأى من كثرة المقاتلة ما استعظمه ، ورفعوا أصواتهم ، فارتجّت الأرض ، فرشقهم ابنه أبو العبّاس بالنّشّاب ، فرموه رمية واحدة بالمجانيق والمقاليع والنّشّاب ، فأذهلوا الموفَّق ، فرجع عنهم ، وثبت أبو العباس . واستأمن جماعة من أصحاب الخبيث إلى أبي العبّاس فأحسن إليهم ، ثم استأمن منهم بشر كثير ، فخلع على مقدَّميهم . فلمّا كان في اليوم الثّاني جهّز الخبيث بهبوذ في السماريّات ، فالتقاه أبو العباس ، فاقتتلوا ، فأصاب بهبوذ طعنتان ونشاب ، فهرب إلى الخبيث ، ورجع أبو أحمد إلى معسكره بنهر المبارك ومعه خلق قد استأمنوا .
فلمّا كان في شعبان برز الخبيث في ثلاثمائة ألف فارس وراجل ، فركب الموفَّق في خمسين ألفًا ، وكان بينهم النهر ، فنادى الموفَّق بالأمان لأصحاب الخبيث ، فاستأمن إليه خلق كثير ، ثم انفصل الجمعان عن غير قتال . ثم بنى الموفَّق مدينة بإزاء مدينة الخبيث على دجلة وسمّاها الموفَّقيّة ، وجمع عليها خلائق من الصُّنّاع ، وبنى بها الجامع والأسواق والدُّور ، واستوطنها النّاس للمعاش . وكان عدد من استأمن في شهرين خمسة آلاف من جيش الخبيث ، ما بين أبيض وأسود .
وفي شوال كانت الوقعة بين أبي العبّاس والخبيث ، قتل منهم خلق كثير . وذلك لأن الخبيث انتخب من قوّاده خمسة آلاف ، وأمرهم أن يعدّوا فيتبينوا عسكر الموفّق ، فلّما عبروا بلغ الموفَّق الخبر من ملاح ، فأمر ابنه بالنّهوض إليهم ، فنصر عليهم وصلبهم على السُّفن ، ورمى برؤوس القتلى في المناجيق إلى مدينة الخبيث ، فذلّوا . وفي ذي الحجّة عبر الموفّق بجيوشه إلى مدينة الخبيث ، وكان الزَّنج قبل ذلك قد ظهروا على أبي العبّاس ، وقتلوا من أصحابه جماعة ، فدخل الموفّق بجميع جيوشه ودار حول المدينة ، والزَّنج يرمونهم بالمجانيق وغيرها .
فنصب المسلمون السّلالم على السّور وطلعوا ونصبوا أعلام الموفّق ، فانهزم الزَّنج ، وملك أصحاب الموفّق السُّور ، فاحرقوا المجانيق والسّتائر . وجاء أبو العبّاس من مكان آخر ، فاقتحم الخنادق ، وثلم السُّور ثلمةً اتسّع منها الدّخول . وانهزم الخبيث وأصحابه ، وجند الموفَّق يتبعونهم إلى اللّيل .
ثم عاد الخبيث إلى المدينة ، وعدى الموفّق إلى عسكره ، وتراجع أصحاب الخبيث واسأمن إلى الموفق خلق من قواده وفرسانه ، ثم رم الخبيث ما كان وهى من الأسوار والخنادق . وفيها استولى أحمد بن عبد الله الخجستاني على خراسان ، وكرمان ، وسجستان ، وعزم على قصد العراق ، وضرب السِّكّة باسمه ، وعلى الوجه الآخر اسم المعتمد . وفيها حبس أحمد بن طولون أحمد بن المدبّر الكاتب وصادره ، وأخذ منه ستمائة ألف دينار .
وكان يتولى خراج دمشق .