سنة سبعين ومائتين
سنة سبعين ومائتين فيها توفّي : أحمد بن طولون صاحب مصر ، وأحمد بن عبد الله ابن البرقيّ ، وأحمد بن المقدام الهرويّ ، وإبراهيم بن مرزوق البصريّ ، وأسيد بن عاصم ، وبكّار بن قتيبة القاضي ، والحسن بن عليّ بن عفّان العامريّ ، وداود الظّاهريّ الفقيه ، والربيع بن سليمان المراديّ ، وزكريا بن يحيى المروزيّ ، وعبّاس بن الوليد البيروتيّ ، وأبو البختريّ عبد الله بن محمد بن شاكر ، ومحمد بن إسحاق الصّغانّي ، ومحمد بن ماهان زنبقة ، ومحمد بن مسلم بن وارة ، ومحمد بن هشام بن ملاس . وفيها وصل لؤلؤ الطُّولوني في جيشٍ عظيم نجدةً للموفق في المحرّم ، فكانت بين الموفّق وبين الخبيث وقعةٌ أوهنت الخبيث ، ثمّ وقعة أخرى قتل فيها الخبيث وعجّل الله بروحه إلى النّار . وهو عليّ بن محمد المدَّعي أنه علويّ ، وقيل : اسمه بهبوذ .
قد ذكرنا وقائعه مع الموفَّق وحصاره الزّمن الطّويل له ، إلى أن اجتمع مع الموفَّق زهاء ثلاثمائة ألف مقاتل مطَّوّعة وفي الدّيوان . فلمّا كان في ثاني صفر ، وقد التجأ الخبيث إلى جبلٍ ثمّ تراجع هو وأصحابه إلى مدينتهم خفية ، وجاءت مقدّمات الموفَّق ، فلمّا وصلوا إلى المدينة لم يدروا أنهم قد رجعوا إليها ، فأوقعوا بهم ، فانهزم الخبيث وأصحابه ، وتبعهم أصحاب الموفَّق يأسرون ويقتلون ، وانقطع الخبيث في جماعةٍ من قوّاده وفرسانه ، وفارقه ابنه انكلائي ، وسليمان بن جامع ، فظفر أبو العبّاس بن الموفَّق بابن جامع ، فكّبر النّاس لمّا أتى به إلى أبيه . ثمّ شدّ الخبيث وأصحابه ، فأزال النّاس عن مواقفهم ، فحمل عليه الموفَّق فانهزموا وتبعهم إلى آخر نهر أبي الخصيب ، فبينا القتال يعمل إذ أتى فارس من أصحاب لؤلؤ إلى الموفَّق ورأس الخبيث في يده ، فلم يصدّقه فعرضه على جماعةٍ فعرفوه .
فترجل الموفَّق وابنه والأمراء وخرّوا سجَّدًا لله ، وكبّروا وحمدوا الله تعالى . وقيل : إنّ أصحاب الموفَّق لمّا أحاطوا به لم يبق معه إلا المهلَّبيّ ، ثم ولّى وتركه ، فقذف نفسه في النّهر فقتلوه . وسار أبو العبّاس ومعه رأس الخبيث على رمحٍ فدخل به بغداد ، وعملت قباب الزّينة ، وضجّ النّاس بالدّعاء للموفَّق وولده .
وكان يومًا مشهودًا ، وأمن النّاس وتراجعوا إلى المدن التي أخذها الخبيث . وكان ظهوره من سنة خمسٍ وخمسين . قال الصُّولي : إنه قتل من المسلمين ألف ألف وخمسمائة ألف آدميّ ، وقتل في يومٍ واحدٍ بالبصرة ثلاثمائة ألف .
وكان له منبرٌ في مدينته يصعد عليه ويسبّ عثمان وعليّ ومعاوية وطلحة والزُّبير وعائشة ، وهو رأي الأزارقة . وكان ينادى على المرأة العلويّة بدرهمين وثلاثةٍ في عسكره ، وكان عند الواحد من الزَّنج العشرة من العلويّات يطأهنّ وتخدمن نساءهم ، ومدح الشعراء الموفَّق . وفي نصف شعبان أعيد المعتمد إلى سامرّاء ، ودخل بغداد ومحمد بن طاهر بين يديه بالحربة والحسن في خدمته كأنه لم يحجر عليه .
وفيها انبثق ببغداد في الجانب الغربيّ بثق في نهر عيسى ، فجاء الماء إلى الكرخ ، فهدم سبعة آلاف دار . وفيها ظهر أحمد بن عبد الله بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن عبد الله بن حسن بن حسن بالصّعيد ، وتبعه خلق . فجهّز أحمد بن طولون لحربه جيوشًا ، وكانت بينهم وقعات وظفروا به وأتوا ابن طولون به فقتله .
ومات بعده ابن طولون بيسير . وفيها ظهرت دعوة المهديّ باليمن ، وكان قبلها بنحو سنتين قد سيّر والده عبيدة ، جّد بني عبيد خلفاء المصريّين الروافض الملاحدة الذي زعم أنه ابن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصّادق ، داعيين لولده عبد الله المهديّ ، أحدهما أبو القاسم بن حوشب الكوفّي ، والآخر أبو الحسن ، فدعوا إلى المهديّ سرًّا . ثمّ سيّر والد المهديّ داعيًا آخر يسمّى أبا عبد الله ، فأقام باليمن إلى سنة ثمانٍ وسبعين ، فحجّ تلك السّنة ، واجتمع بقبيلة من كتامة ، فأعجبهم حاله ، فصحبهم إلى مصر ، ورأى منهم طاعةً وقوّة ، فصحبهم إلى المغرب ، فكان ذلك أوّل شأن المهديّ .
وفيها نازلت الرّوم طرسوس في مائة ألف وبها يازمان الخادم ، فبيَّتهم ليلًا وقتل مقدّمهم وسبعين ألفًا . وأخذ منهم صليبهم الأكبر وعليه جواهر لا قيمة لها ، وأخذ من الخيل والأموال والأمتعة ما لا ينحصر ، ولم يفلت منهم إلا القليل ؛ وذلك في ربيع الأوّل . وكان فتحًا عظيمًا عديم المثل منَّ الله به على الإسلام يوازي قتل الخبيث صاحب الزنج .
والحمد لله وحده .