سنة تسعٍ وستّين ومائتين
سنة تسعٍ وستّين ومائتين فيها توفّي : أحمد بن عبد الحميد الحارثيّ ، وحذيفة بن غياث ، وإبراهيم بن منقذ الخولانيّ ، وعبد الله بن حمّاد الآمليّ ، ومحمد بن إبراهيم ، أبو حمزة الصُّوفيّ ، وأبو فروة يزيد بن محمد بن يزيد بن سنان . وفي المحّرم انكسفت الشّمس والقمر . وفيها قطعت الأعراب الطّريق على الحجّاج ، فأخذت خمسمائة جمل بأحمالها .
وفيها وثب خلف الفرغانيّ على يازمان خادم الفتح بن خاقان ، فحبسه بالثّغر فوثب أهل الثّغر فخلَّصوه ، وهموا بقتل خلف ، فهرب إلى دمشق ، ولعنوا ابن طولون على منابر الثَّغر ، فسار أحمد بن طولون من مصر حتّى نزل أذنة ، وقد تحصّن بها يازمان الخادم ، وفعل ذلك أهل طرسوس ، فأقام ابن طولون مدّة على أذنة ، فلم يظفر بها بطائل ، فعاد إلى دمشق . وفيها افتتح لؤلؤ قرقيسياء عنوةً ، وأخذها من ابن صفوان العقيليّ ، وسلّمها إلى أحمد بن مالك بن طوق . وفيها دخل الموفّق مدينة الخبيث عنوة .
وكان الخبيث عند قتل بهبوذ أخذ تركته وأمواله ، وضرب أقاربه بالسِّياط ، ففسدت نيّات خواصّه لذلك ، فعبر الموفّق المدينة ونادى بالأمان فتسارع إليه أصحاب بهبوذ ، فأحسن إليهم ، ثمّ دخل المدينة بعد حربٍ شديد ، وقصد الدّار التي سمّاها الخبيث جامعًا ، فقاتل أصحابه دونه أشد قتال ، حتى قتل منهم خلق ، ثم هدم أصحاب الموفق في الدار ، وهو يبذل الأموال في الجند لينصحوا ، فهدموها وأتوا بالمنبر الذي للخبيث ، ففرح وخرج إلى مدينته بعد أن نهب خزائن الخبيث ، وأحرق الأسواق والدور . وذلك في جمادى الأولى . ورمي يومئذٍ الموفَّق بسهمٍ فجرحه ، ثمّ إنه أصبح على القتال ، فزاد عليه الألم بالحركة ، وخيف عليه ، وخافوا قوّة الخبيث عليهم ، وأشاروا عليه بالرحيل إلى بغداد ، فأبى وتصبَّر حتّى عوفي وعاد لحرب الخبيث ، وقد رمّ الخبيث ما وهى من مدينته .
وفي نصف جمادى الأولى شخص المعتمد من سرَّ من رأى يريد اللّحاق بابن طولون لأمرٍ تقرَّر بينهما . قال أحمد بن يوسف الكاتب : خرج أحمد بن طولون من مصر ، وحمل معه ابنه العبّاس معتقلًا ، فقدم دمشق ، وخرج المعتمد من سامرّاء على وجه التّنزُّه ، وقصده دمشق لاتّفاق جرى بينه وبين ابن طولون ، فلما بلغ ذلك الموفق كتب إلى إسحاق بن كنداج يقول : متى استولى ابن طولون على المعتمد لم يبق منكم معشر الموالي اثنان فاجتهد في ردّه . وكان ابن كنداج في نصِّيبين في أربعة آلاف ، فصار إلى الموصل ، فوجد حرّاقات المعتمد وقوّاده بموضع يقال له الدَّواليب ، فوكَّل بهم هناك ، وسار فلقي المعتمد بين الموصل والحديثة ، فخرج إليه نحرير الخادم ، وسلَّم عليه واستأذن فأذن له ، فدخل ابن كنداج ومعه ابنه محمد وجماعة يسيرة ، فسلَّم ووقف ، وقال : يا إسحاق لم منعت الحشم من الدخول إلى الموصل ؟ وكان بين يديه أحمد بن خاقان وخطارمش ، فقال : يا أمير المؤمنين أخوك في وجه العدوّ ، وأنت تخرج عن مستقرّك ودار ملكك ، ومتى صحّ عنده هذا رجع عن مقاومة الخارجيّ ، فيغلب عدوك على دار آبائك .
وهذا كتاب أخيك يأمرنا بردّك . فقال : أنت غلامي أو غلامه ؟ فقال : كلنا غلمانك ما أطعت الله ، فإذا عصيته فلا طاعة لك وقد عصيت الله فيما فعلت من خروجك ، وتسليط عدوّك على المسلمين ثمّ خرج من المضرب ووكّل به جماعة . ثمّ بعث إلى المعتمد يطلب ابن خاقان وخطارمش وتينك ليناظرهم .
فبعث بهم إليه فقال : ما جنى أحد على الإسلام والخليفة ما جنيتم ، أخرجتموه من دار ملكه في عدّةٍ يسيرة ، وهارون الشّاري بإزائكم في جمعٍ كبير ؟ فلو حضركم وأخذ الخليفة لكان عارًا وسبَّةً على الإسلام . ثمّ رسّم عليهم ، وبعث إلى الخليفة يقول : ما هذا بمقام ، فارجع . فقال المعتمد : فاحلف لي أنّك تنحدر معي ولا تسلّمني .
فحلف له ، وانحدر إلى سامرّاء ، فتلقاه صاعد بن مخلد كاتب الموفَّق ، فسلّمه إسحاق إليه ، فأنزله في دار أحمد بن الخصيب ، ومنعه من نزول دار الخلافة ، ووكّل به خمسمائة رجل يمنعون من الدّخول إليه . وأما الموفَّق فبعث إلى إسحاق بخلعٍ وأموالٍ ، وأقطعه ضياع القوّاد الذين كانوا مع المعتمد . وقال الصُّوليّ : كان المعتمد قد تخيل من أخيه الموفّق ، فكاتب ابن طولون واتفقا فذكر الحكاية كما تقدم .
وقال المعتمد : أليس من العجائب أنّ مثلي يرى ما قلَّ ممتنعًا عليه ؟ وتوكل باسمه الدّنيا جميعًا وما من ذاك شيءٌ في يديه ؟ ولقب الموفَّق صاعدًا : ذا الوزارتين ، ولقب ابن كنداج : ذا السَّيفين . وأقام صاعد في خدمة المعتمد ، ولكن ليس للمعتمد حلّ ولا ربط . ولمّا بلغ ابن طولون ذلك جمع القضاة والأعيان وقال : قد نكث الموفّق أبو أحمد بأمير المؤمنين فاخلعوه من العهد .
فخلعوه إلا القاضي بكّار بن قتيبة ؛ فإنه قال : أنت أوردت عليَّ كتابًا من المعتمد بولايته العهد ، فأورد عليَّ كتابًا آخر منه بخلعه . فقال : إنه محجورٌ عليه ومقهور . فقال : لا أدري .
فقال ابن طولون : غرّك النّاس بقولهم : ما في الدُّنيا مثل بكّار ؛ أنت شيخ قد خرَّفت . وحبسه وقيّده ، وأخذ منه جميع عطاياه من سنين ، فكان عشرة آلاف دينار ، فقيل : إنها وجدت في بيت بكّار بختمها وحالها . وبلغ الموفَّق فأمر بلعنة ابن طولون على المنابر .
وفيها سار ابن طولون إلى المصِّيصة . وبها يازمان الخادم ، فتحصّن ونزل ابن طولون بالمرج والبرد شديد . فشق عليه يازمان نهر طرسوس ، فغرق المرج وهلك غالب عسكر ابن طولون ، فرحل وهو خائف ، وخرج أهل طرسوس ، فنهبوا بقايا عسكره ، ومرض في طريقه مرضته التي مات فيها مغبونًا .
وولّى الموفّق إسحاق بن كنداج المغرب كله والعراق كلّه ، وما كان بيد أحمد بن طولون . وفيها عبر الموفّق إلى الخبيث وأحرق قطعة من البلد ، وجرح ابن الخبيث وكاد يتلف . وفي شوّال كانت بين الموفَّق والخبيث وقعةٌ عظيمة .
ولمّا رأى الخبيث أنّ الميرة قد انقطعت عنه وصعب أمره ، وقلّ عنده الشّيء ، حتى كان أحدهم إذا وقع بامرأة أو صبي ذبحه وأكله . وكان الخبيث لا يعاقب من يفعل ذلك لكن يحبسه . ثمّ إنّ الموفَّق أحرق عامّة البلد وقصر الإمارة ، وخافت الزَّنج ، فقاتلوا قتالًا شديدًا ، ثمّ انهزموا ، وعبر الخبيث إلى الجانب الشّرقيّ من نهر أبي الخصيب ، واستأمن إلى الموفَّق جماعة من القوّاد أصحاب الخبيث وخاصّته ، وفتحوا سجنًا كبيرًا كان للخبيث فيه خلق من عساكر المسلمين وأصحاب الموفَّق ، فأطلقوهم .
وفي ذي القعدة دخل المعتمد إلى واسط . وفيه سارت السُّفن والسّماريات وجيوش الموفَّق على ترتيب لم ير مثله كثرةً وأُهْبةً ، فلمّا رأى الخبيث ذلك بهره وزال عقله . وزحف الجيش نحو الخبيث ، فالتقاهم في جيشه ، والتحم القتال ، وحمل الموفَّق وابنه والخواصّ ، فهزموا الزَّنج ، وقتلوا منهم مقتلةً هائلة ، وأسروا خلقًا ، فضربت أعناقهم .
وقصد الموفَّق دار الخبيث ، وقد التجأ إليها ، وانتخب أنجاد أصحابه ليدافعوا عنها ، فلمّا لم يغنوا عنه شيئًا أسلمها ، وتفرق عنه أصحابه ، ونهبت داره وحرمه وأولاده ، فهرب الخبيث نحو دار المهلّبيّ قائده . وأتي بحريمه وذرِّيتّه فكان عددهم أكثر من مائة ، فأمر الموفَّق بحملهم إلى الموفَّقيّة وأحسن إليهم ، وأمر بإحراق دار الخبيث . وكان عنده نساء علويّات وحرائر قد استباحهنّ ، وجاءه منهنّ أولاد .
فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .