سنة ست وثمانين ومائتين
سنة ست وثمانين ومائتين فيها توفي : أحمد بن سلمة النيسابوري الحافظ ، وأحمد بن علي الخزاز ، وأبو سعيد الخراز شيخ الصوفية ، وأحمد بن المعلى الدمشقي ، وإبراهيم بن سويد الشبامي ، وإبراهيم بن برة الصنعاني ، والحسن بن عبد الأعلى البوسي أصحاب عبد الرزاق ، وعبد الرحيم بن عبد الله البرقي ، وعلي بن عبد العزيز البغوي ، ومحمد بن وضاح القرطبي ، ومحمد بن يوسف البناء الزاهد ، ومحمد بن يونس الكديمي ، وأبو عبادة البحتري الشاعر . وفي ربيع الآخر نازل المعتضد آمد ، وبها محمد بن أحمد ابن الشيخ؛ فنصب عليها المجانيق ، ودام الحصار أربعين يوماً . ثم ضعف محمد ، وتخاذل أصحابه ، فطلب الأمان ثم خرج فخلع عليه .
وفيها قبض المعتضد على راغب الخادم أمير طرسوس واستأصله ، فمات بعد أيام . وفيها ، في جمادى الآخرة ، قدمت هدايا عمرو بن الليث ، وهي أربعة آلاف ألف درهم ، وعشرة من الدواب بسروجها ولجمها المذهبة ، وخمسون أخرى بجلالها . وفيها التقى جيش عمرو بن الليث الصفار ، وإسماعيل بن أحمد بن أسد بما وراء النهر .
فانكسر أصحاب عمرو؛ ثم في آخر السنة عبر إسماعيل بن أحمد جيحون بعساكره ، ثم التقى هو وعمرو بن الليث على بلخ ، وكان أهل بلخ قد ملوا عمرا وأصحابه ، وضجروا من نزولهم في دورهم وأخذهم لأموالهم ، وتعرضهم لنسائهم . فلما التقوا حمل عليهم إسماعيل ، فانهزم عمرو إلى بلخ ، فوجد أبوابها مغلقة ، ففتحوا له ولجماعة معه ، فوثب عليه أهل بلخ فأوثقوه ، وحملوه إلى إسماعيل . فلما دخل عليه قام إسماعيل واعتنقه ، وقبل ما بين عينيه ، وخلع عليه ، وحلف أنه لا يؤذيه .
وقيل : إن إسماعيل لما كان على ما وراء النهر ، سأل عمرو بن الليث المعتضد أن يوليه ما وراء النهر ، فولاه فعزم عمرو على محاربته ، فكتب إليه إسماعيل : إنك قد وليت الدنيا ، وإنما في يدي ثغر ، فاقنع بما في يدك ودعني . فأبى ، فقيل له : بين يديك جيحون كيف تعبره؟ فقال : لو شئت أن أسكره ببدر الأموال لفعلت حتى أعبره . فقال إسماعيل : أنا أعبر إليه .
فجمع الدهاقين وغيرهم ، وجاوز النهر . فجاء عمرو فنزل بلخ فأخذ إسماعيل عليه الطرق ، فصار كالمحاصر . وندم عمرو ، وطلب المحاجزة ، فلم يجبه ، واقتتلوا يسيراً ، فانهزم عمرو ، فتبعوه ، فتوحلت دابته ، فأخذ أسيراً .
وبلغ المعتضد ، فخلع على إسماعيل خلع السلطنة وقال : يقلد أبو إبراهيم كل ما كان في يد عمرو بن الليث . ثم بعث يطلب من إسماعيل عمرا ، ويعزم عليه . فما رأى بداً من تسليمه ، فبعث به إلى المعتضد فدخل بغداد على جمل ليشهروه ، فقال الحسين بن محمد بن الجهم : ألم تر هذا الدهر كيف صروفه يكون يسيراً مرة وعسيرا وحسبك بالصفار نبلاً وعزة يروح ويغدو في الجيوش أميرا حباهم بأجمال ، ولم يدر أنه على جمل منها يقاد أسيرا ثم حبسه المعتضد في مطمورة ، فكان يقول : لو أردت أن أعمل على جيحون جسراً من ذهب لفعلت ، وكان مطبخي يحمل على ست مائة جمل ، وأركب في مائة ألف ، أصارني الدهر إلى القيد والذل! فقيل : إنه خنق عند موت المعتضد ، وقيل : قبل موته بيسير .
وقيل : إن إسماعيل خيره بين أن يقعد عنده معتقلاً ، وبين توجيهه إلى المعتضد ، فاختار توجيهه إلى المعتضد ، فأدخل بغداد في سنة ثمان وثمانين على جمل له سنامان ، وعلى الجمل الديباج والحلي ، وطيف به في شوارع بغداد . فأدخل على المعتضد ، فقال له : يا عمرو هذا ببغيك ، ثم سجنه . وبعث المعتضد إلى إسماعيل ببدنة من لؤلؤ ، وتاج مرصع ، وسيف ، وعشرة آلاف ألف درهم .
وفيها ظهر بالبحرين أبو سعيد الجنابي القرمطي في أول السنة . وفي وسطها قويت شوكته ، وانضم إليه طائفة من الأعراب ، فقتل أهل تلك القرى ، وقصد البصرة . فبنى المعتضد عليها سوراً وحصنها .
وكان أبو سعيد كيالاً بالبصرة ، وجنابة : من قرى الأهواز . وقيل من البحرين ؛ وقال الصولي : كان أبو سعيد فقيرا يرفو أعدال الدقيق بالبصرة ، وكان يسخر منه ويستخف به ، فخرج إلى البحرين ، وانضاف إليه جماعة من بقايا الزنج والخرمية ، فعاث وأفسد وتفاقم أمره ، حتى بعث إليه الخليفة جيوشاً وهو يهزمها . وهو جد أبي علي المستولي على الشام الذي مات بالرملة سنة خمس وستين وثلاث مائة .
وقال غيره : أقام أبو سعيد مدة ، ثم ذبح في حمام بقصره . ثم خلفه ابنه أبو طاهر سليمان بن أبي سعيد الحسن بن بهرام الجنابي القرمطي ، وهو الذي يأتي أنه قتل الحجيج واقتلع الحجر الأسود .