أحمد بن يحيى بن إسحاق أبو الحسين الريوندي الملحد
أحمد بن يحيى بن إسحاق أبو الحسين الريوندي الملحد ، صاحب الزندقة . كان حيا إلى حدود الثلاثمائة ، وكان يلازم الرافضة والملحدة ، فإذا عوتب قال : إنما أريد أن أعرف مذاهبهم ، ثم كاشف وناظر ، وصنف في الزندقة لعنه الله . قال الإمام أبو الفرج ابن الجوزي : كنت أسمع عنه بالعظائم ، حتى رأيت له ما لم يخطر مثله على قلب ، ووقعت إلي كتبه ، فمنها : كتاب نعت الحكمة ، وكتاب قضيب الذهب ، وكتاب الزمردة ، وكتاب الدامغ ، الذي نقضه عليه أبو علي محمد بن إبراهيم الجبائي ، ونقض عليه أبو الحسين عبد الرحيم بن محمد الخياط كتاب الزمردة .
قال ابن عقيل : عجبي كيف لم يقتل وقد صنف الدامغ ؛ يدمغ به القرآن ، والزمردة يزري فيه على النبوات ؟ . قال ابن الجوزي : نظرت في الزمردة فرأيت له فيه من الهذيان البارد الذي لا يتعلق بشبهة ، يقول فيه : إن كلام أكثم بن صيفي فيه شيء أحسن من سورة الكوثر . وإن الأنبياء وقعوا بطلسمات ، وقد وضع كتابًا لليهود والنصارى يحتج لهم في إبطال نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم .
وقال أبو علي الجبائي : كان السلطان قد طلب أبا عيسى الوراق ، وابن الريوندي ؛ فأما الوراق فحبس حتى مات ، وهرب ابن الريوندي إلى ابن لاوي اليهودي ، ووضع له كتاب الدامغ ، يطعن به على القرآن ، وعلى النبي صلى الله عليه وسلم . ثم لم يلبث إلا أيامًا حتى مرض ومات إلى اللعنة . وعاش أكثر من ثمانين سنة .
وقال ابن عقيل : عاش ستًا وثلاثين سنة . قلت : وقد سرد ابن الجوزي من زندقته أكثر من ثلاث ورقاتٍ ، صنت هذا الكتاب عنها ، ثم رأيت ترجمته في ابن النجار ، فقال : أبو الحسين بن الراوندي المتكلم من أهل مرو الروذ سكن بغداد ، وكان من متكلمي المعتزلة ، ثم فارقهم وتزندق . وقيل : كان أبوه يهوديًا ، فأسلم هو ، فكان بعض اليهود يقول لبعض المسلمين : لا يفسد هذا عليكم كتابكم ، كما أفسد أبوه علينا التوراة .
وذكر أحمد بن أبي أحمد القاص الطبري أن ابن الراوندي كان لا يستقر على مذهب ، ولا يثبت على انتحال ، حتى صنف لليهود كتاب النصرة على المسلمين لأربعمائة درهم فيما بلغني ، أخذها من يهود سامراء ، فلما أخذ المال رام نقضها ، حتى أعطوه مائتي درهم ، فسكت . قال البلخي في محاسن خراسان : أحمد بن يحيى الريوندي المتكلم ، لم يكن في زمانه من نظرائه أحذق منه في الكلام ، ولا أعرف بدقيقه وجليله منه ، وكان أول أمره حسن السيرة ، جميل المذهب ، كثير الحياء ، ثم انسلخ من ذلك كله لأسباب عرضت له ؛ ولأن علمه كان أكبر من عقله ، وقد حكي عن جماعة أنه تاب عند موته ، وأكثر كتبه صنفها لأبي عيسى اليهودي ، وفي منزل أبي عيسى مات . قال ابن النجار : ولأبي علي الجبائي عليه ردود كثيرة .
ومن قوله في حديث عمار : تقتلك الفئة الباغية قال : المنجمون يقولون مثل هذا . وقال : في القرآن لحن . وله كتاب في قدم العالم ونفي الصانع ، وقال في القرآن : لا يأتي أحد بمثله ؟ هذا كتاب إقليدس لا يأتي أحد بمثله ، وكذلك بطليموس في أشياء جمعها لم يأت أحد بمثلها .
قلت : هذه دعاوٍ كاذبة . وعن الحسن بن علي الحسيني قال لأبي الحسين الراوندي : أنت أحذق الناس ، فلو اختلفت معنا إلى المبرد . فقال : نبهتني .
فكان بعدُ يختلف إلى المبرد ، فسمعت أبا العباس المبرد يقول : هذا أبو الحسين يختلف إلي منذ شهر ، فلو اختلف سنة احتجت أن أقوم من مجلسي هذا وأجلسه فيه . قال ابن جميل : أنشدنا أبو الحسين أحمد بن يحيى الراوندي : أليس عجيبا بأن امرأ لطيف الخصام دقيق الكلم يموت وما حصلت نفسه سوى علمه بأنه ما علم قال ابن النجار : بلغني أن ابن الراوندي هلك في سنة ثمان وتسعين ومائتين ، أبعده الله وأسحقه .