سنة إحدى وثلاث مائة
310 هـ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم ﴾( الحوادث ) سنة إحدى وثلاث مائة في أولها : قبض المقتدر على وزيره أبي علي الخاقاني ، وعلى ابنيه ، وأبي الهيثم بن ثوابة . وكان قد مضى بليق المؤنسي في ثلاث مائة راكب إلى مكة لإحضار علي بن عيسى للوزارة ، فقدم في عاشر المحرم ، فقلد وسلم إليه الخاقاني ومن معه فصادرهم مصادرة قريبة ، ورفق بهم ، وعدل في الرعية ، وعف عن المال ، وأحسن السياسة ، واتقى الله ، وأبطل الخمور . قاله ثابت بن سنان ، فقال : وحدثني بعد عزله من الوزارة قال : قال لي ابن الفرات بعد صرفي وتوليته : أبطلت الرسوم ، وهدمت الارتفاع .
فقلت : أي رسم أبطلت ؟ قال : المكس بمكة . فقلت : أهذا وحده أبطلت ؟ قد أبطلت ما ارتفاعه في العام خمس مائة ألف دينار ، ولم أستكثر هذا القدر في جنب ما حططته عن أمير المؤمنين من الأوزار . ولكن انظر مع ما حططت إلى ارتفاعي وارتفاعك .
ففرق الخادم بيننا قبل أن يجيب . وفي صفر سأل علي بن عيسى أمير المؤمنين أن يقلد القضاء أبا عمر محمد بن يوسف وعرفه فضله ومحله ، فقلده قضاء الجانبين . وبقي على قضاء مدينة المنصور أبو جعفر أحمد بن إسحاق بن البهلول .
وفيها : ركب المقتدر من داره إلى الشماسية ، وهي أول ركبة ظهر فيها للعامة . وفيها : أدخل حسين بن منصور الحلاج مشهورا على جمل إلى بغداد ، وكان قد قبض عليه بالسوس ، وحمل إلى علي بن أحمد الراسبي ، فأقدمه إلى الحضرة ، فصلب حيا ، ونودي عليه : هذا أحد دعاة القرامطة فاعرفوه . ثم حبس في دار السلطان .
وظهر عنه بالأهواز وببغداد أنه ادعى الإلهية ، وأنه يقول بحلول اللاهوت في الأشراف ، وأن مكاتباته تنبئ بذلك . وقيل : إن الوزير علي بن عيسى أحضره وناظره ، فلم يجد عنده شيئا من القرآن ولا الحديث ولا الفقه ، فقال له : تعلمك الوضوء والفرائض أولى بك من رسائل لا تدري ما فيها - وكان قد وجدوا في منزله رقاعا فيها رموز - ثم تدعي ، ويلك ، الإلهية ، وتكتب إلى تلاميذك : من النور الشعشعاني ! ما أحوجك إلى الأدب . وحبس فاستمال بعض أهل الدار بإظهار السنة ، فصاروا يتبركون به ، ويسألونه الدعاء .
وستأتي أخباره فيما بعد . وفيها : قلد أبو العباس ابن المقتدر أعمال مصر والمغرب ، وله أربع سنين ، واستخلف له مؤنس الخادم . وقلد علي ابن المقتدر الري ونواحيها ، واستخلف له عليها .
ونفذ محمد بن ثوابة الكاتب إلى الكوفة ، وسلم إلى إسحاق بن عمران ، فاعتقله حتى مات . وفيها : ورد الخبر أن غلمان أحمد بن إسماعيل قتلوه على نهر بلخ ، وقام ابنه نصر بن أحمد ، فبعث إليه المقتدر عهده بولاية خراسان . وفيها : قتل أبو سعيد الجنابي القرمطي المتغلب على هجر ؛ قتله غلامه الخادم الصقلبي ، لكونه أراده على الفاحشة في الحمام ، قتله ثم خرج فدعى رجل من رؤساء أصحابه وقال : السيد يستدعيك ، فلما دخل قتله .
قال : وما زال يفعل ذلك بواحد واحد حتى قتل أربعة من الأعيان ، ثم دعا بالخامس ، فلما رأى القتلى صاح ، فصاح النساء ، واجتمعوا على الخادم فقتلوه . وكان أبو سعيد الجنابي قد هزم جيوش المعتضد ، ثم وادعه المعتضد القتال فكف عنه : وبقي بهجر من ناحية البرية إلى هذا الوقت . قال ثابت : وكان علي بن عيسى أشار بمكاتبة أبي سعيد الحسن بن بهرام الجنابي والإعذار إليه ، وحضه على الطاعة ، ووبخه على ما يحكى عنه وعن أصحابه من ترك الصلاة والزكاة واستباحة المحرمات ؛ ثم توعده وتهدده .
فبلغ الرسل وهم بالبصرة مقتله ، فكتبوا إلى الوزير ، فرد عليهم : أن سيروا إلى من قام بعده . فساروا وأوصلوا الكتاب إلى أولاده ، فكتبوا جوابه ، فكان : للوزير أبي الحسن من إخوته ، سلام على الوزير ، فإنا نحمد إليه الله الذي لا إله إلا هو ، ونسأله أن يصلي على سيدنا محمد . وفيه : فأما ما ذكر عنا من انفرادنا عن الجماعة ، فنحن ، أيدك الله ، لم ننفرد عن الطاعة والجماعة ، بل أفردنا عنها ، وأخرجنا من ديارنا ، واستحلوا دماءنا ، ونحن نشرح للوزير حالنا : كان قديم أمرنا أنا كنا مستورين مقبلين على تجارتنا ومعايشنا ، ننزه أنفسنا عن المعاصي ، ونحافظ على الفرائض ، فنقم علينا سفهاء الناس وفجارهم ممن لا يعرف بدين ، وأكثروا التشنيع علينا حتى اجتمع جميع الناس علينا ، وتظاهروا وشهدوا علينا بالزور ، وأن نساءنا بيننا بالسوية ، وأنا لا نحرم حراما ، ولا نحل حلالا ، فخرجنا هاربين ، ومن بقي منا جعلوا في رقابهم الحبال والسلاسل ، إلى أن قال : فأجلونا إلى جزيرة ، فأرسلنا إليهم نطلب أموالنا وحرمنا ، فمنعوناها ، وعزموا على حربنا ، فحاكمناهم إلى الله ، وقال تعالى : وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ فنصرنا الله عليهم .
وأما ما ادعي علينا من الكفر وترك الصلاة فنحن تائبون مؤمنون بالله . فكتب الوزير يعدهم الإحسان . وفيها : سار المهدي صاحب إفريقية يريد مصر في أربعين ألفا من البربر في البر والبحر ، ونزل لبدة ، وهي من الإسكندرية على أربعة مراحل .
وكان بمصر تكين الخاصة ، ففجر النيل ، فحال الماء بينهم وبين مصر . قال المسبحي : فيها كانت وقعة برقة ، وكان عليها المنصور ، فسلمها وانهزم إلى الإسكندرية . وفيها : سار أبو داود حباسة بن يوسف الكتامي البربري في جيش عظيم قاصدا إلى مصر مقدمة بين يدي القائم محمد ، فوصل إلى الجيزة ، وهم بالدخول إلى مصر فغلط المخاضة ونذر به ، فخرج إليه عسكر ، فحالوا بينه وبين الدخول إلى مصر ، وأعانهم زيادة النيل ، فرد إلى الإسكندرية ، فقتل وأفسد .
ثم سار جيش المقتدر إلى برقة ، وجرت لحباسة ولهم حروب . وقلد المقتدر مصر أبا علي الحسين بن أحمد ، وأبا بكر محمد بن علي ، المادرائيين ، وأضاف إليهما جند دمشق وفلسطين ، فسارا إلى مصر ، فكان بينهم وبين الفاطمي وقعات . ثم رجع إلى برقة ، وأقام المادرائي بمصر ، وملك الفاطمي الإسكندرية والفيوم ، ثم ترك ذلك ورد .
وقلد المقتدر حمص وقنسرين والعواصم أبا القاسم علي بن أحمد بن بسطام . وفيها : توفي علي بن أحمد الراسبي أمير جنديسابور والسوس ، وكان شجاعا جوادا . توفي في جمادى الآخرة ، وخلف من الذهب ألف ألف دينار ، وألف فرس ، وألف جمل ، وغير ذلك .
وفيها : توفي القاضي عبد الله بن علي بن محمد بن أبي الشوارب . وتوفي بعده بثلاثة وسبعين يوما ابنه القاضي محمد المعروف بالأحنف .