سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة
330 هـ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم ﴾. ( الحوادث ) . سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة فيها : شغب الجُنْد على القاهر بالله ، وهجموا الدّار ، فنزل في طيّار إلى دار مؤنس فشكا إليه .
فصبّرهم مُؤنس عشرة أيّام . وكان ابن مُقْلَة منحرفاً عن محمد بن ياقوت ، فنقل إلى مؤنس أنّ ابن ياقوت يدبّر عليهم . فبعث مؤنس غلمان علي بن بُلَيْق إلى دار الخلافة يطلبون عيسى الطّبيب لأنه اتُّهم بالفضول .
فهجموا إلى أن أخذوه من حضرة القاهر فنفاه مؤْنس إلى الموصل . واتَّفق ابن مُقْلَة ومؤْنس وبُلَيْق وابنه على الإيقاع بابن ياقوت ، فعلم فاستتر وتفرّق رجاله . وجاء علي بن بُلَيْق إلى دار الخلافة ، فوكّل بها أحمد بن زَيْرك ، وأمره بالتضييق على القاهر وتفتيش مَن يدخل .
وطالب ابن بُلَيْق القاهرَ بما كان عنده مِن أثاث أمّ المقتدر ، فأعطاه إيّاه ، فبيع وجُعِل في بيت المال ، وصُرِفَ إلى الجُنْد . ونقل ابن بُلَيْق أمّ المقتدر إلى عند أمّهِ ، فبقيت عندها مكرّمةً عشرة أيّام ، وماتت في سادس جُمَادَى الآخرة . وفيها : وقع الإرجاف بأنّ علي بن بُلَيْق وكاتبه الحسن بن هارون عَزَما على سبّ معاوية على المنابر ، فارتجّت بغداد .
وتقدم ابن بُلَيْق بالقبض على رئيس الحنابلة أبي محمد البَرْبهاري فاستتر ، فَنُفِي جماعة من أصحابه إلى البصرة . وبقي تحيُّل القاهر في الباطن على مؤْنس وابن مُقْلَة ، فبلغهم فعملوا على خلْعهِ وتولية ابن المكتفي . فدبَّر ابن مُقْلَة تدبيراً انعكس عليه .
أشاعَ بأنّ القَرْمَطِي قد غلب على الكوفة ، وأرسل إلى القاهر : المصلحة خروج ابن بُلَيْق إلى قتاله . ليدخل ابن بُلَيْق يقبّل يده ، فيقبض عليه . ففهِمها القاهر ، وكرَّر ابن مُقْلَة الطّلب بأن يدخل ابن بُلَيْق ليقبّل يده ويسير .
فاسترابَ القاهرُ ، وراسل الغلمان الحجريّة وفرَّقهم على الدّركاه ، وراح ابن بُلَيْق إلى القاهر في عددٍ يسير ، فقام إليه السّاجيّة وشتموه ، فهرب واستتر ، واضطّرب النّاسُ ، وأصبحوا في مُسْتَهَلّ شعبان قلقين . وجاء بُلَيْق إلى دار الخليفة ليعتذر عن ابنِه ، فقُبِضَ عليه وعلى أحمد بن زَيْرك ، وعلى يُمْن المؤنسي صاحب شرطة بغداد وحُبِسوا وصار الجيش كلّه في دار الخليفة ، فراسل مؤْنساً وقال : أنتَ عندي كالوالد ، فأْتِني تُشير عليّ . فاعتذرَ بثقل الحركة .
ثم أشاروا عليه بالإتيَان ، فلمّا حصل في دار الخلافة قُبِض عليه ، فاختفى ابن مُقْلة ، فاستوزرَ القاهر أبا جعفر محمد بن القاسم بن عُبَيْد الله . وأُحْرِقت دار ابن مقلة ، كما أُحْرِقت قبلَ هذه المرّة . وهرب محمد بن ياقوت إلى فارس ، فكتب إليه بعهده على أصبهان ، وقلَّدَ سلامة الطولوني الحجابة .
وقبضَ على أبي أحمد ابن المكتفي وطيّن عليه بين حائطين ، ونهبَ القاهر دُور المخالفين . ثمّ إنّه ظَفَرَ بعلي بن بُلَيْق بعد جمعة ، فحبسه بعد الضَّرْب ، فاضطرب رجال مؤْنس وشغبوا ، وقصدوا دار الوزير محمد بن القاسم وأحرقوا بعض داره في ثامن عشر شعبان . فدخل القاهر إلى مؤنس وبُلَيْق وابنه ، فأمر بذبح بُلَيْق وابنه ، وذَبَح بعدهما مؤْنساً ، وأُخرجت رؤوسهم إلى النّاس وطِيْفَ بها .
وكان على مؤْنس دماغٌ هائل . ثمْ ذُبح يُمن وابن زَيْرك . ثم أطلقت أرزاق الجُنْد فسكنوا .
واستقامت الأمور للقاهر ، وعظم في القلوب ، وزيد في ألقابه : المنتقم مِن أعداء دين الله . ونقش ذلك على السّكّة ثمَ أحضر عيسى الطّبيب مِن الموصل . وأمَرَ أنْ لا يركب في طيّار سوى الوزير والحاجب ، والقاضي ، وعيسى الطّبيب .
وفيها : خلع القاهر على أحمد بن كَيْغَلَغ ، وقلّده مصرَ . وفيها : أمَرَ القاهر بتحريم القِيان والخمر ، وقبضَ على المغنّين ، ونفى المخانيث ، وكسر آلات اللهو . وأمَرَ ببيع المغنّيات من الجواري على أنّهن سواذج .
وكان مع ذلك يشرب المطبوخ والسّلاف ، ولا يكاد يصحو مِن السُّكر ، ويختار القَيْنات ويسمعهنّ . وفيها : عزل القاهر الوزير محمداً ، واستوزر أبا العبّاس بن الخصيب . وحجّ بالنّاس مؤنس الورقانيّ .
وفيها : تُوُفّي أبو جعفر الطّحاوي شيخ الحنفيّة . وفي ربيع الأوّل تُوُفّي أمير مصر أبو منصور تكين الخاصّة بمصر وحُمِلَ إلى بيت المقدس ، وقام بعده بالأمر ابنه محمد يسيراً . ثمّ ولي محمد بن طُغْج .
وعُزِل بابن كَيْغَلَغ بعد اثنتين وثلاثين يوماً . وقدِم على قضاء مصر أحمد بن عبد الله بن مسلم بن قُتيبة ، ثم صُرِفَ بعد شهرين ونصف . وفيها : تُوُفّيت شغب أمّ المقتدر كما قدَّمنا .
وكان دخْلها من مُغَلِّها في العام ألف ألف دينار ، فتتصدّق بها ، وتُخرج مِن عندها مثلها . وكانت صالحة . ولمّا قُتِل ابنها كانت مريضة ، فعظُم جَزَعُها ، وامتنعت من الأكل حتّى كادت تهلك .
ثمّ عذّبها القاهرُ ، فحلفت أنّه ما عندها مال ، فقيل : ماتت في العذاب معلّقة ، وقيل لا . ولم يظهر لها إلاّ ما قيمته مائة وثلاثون ألف دينار لا غير . وكان لها الأمر والنَّهْي في دولة ابنها .
وقد ذكرنا قتل مؤنس الخادم الملقَّب بالمظفّر ، وكان شجاعاً فاتكاً مَهِيباً ، عاش تسعين سنة ، منها ستّون سنة أميراً . وكان كلّ ما له في عُلُوٍّ ورِفْعة . كان قد أبعده المعتضد إلى مكّة ، ولمّا بُويع المقتدر أحضره وفوَّض إليه الأمور .
وقد مَرّ مِن أخباره . وفيها : غلبت الرُّوم على رساتيق مَلَطْية وسُمَيْساط ، وصار أكثر البلد في أيديهم .