حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تاريخ الإسلام

سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة

سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة فيها : ظهرت الدَّيْلم ، وذلك لأنّ أصحاب مرداويج دخلوا أصبهان ، وكان من قُوّاده علي بن بُوَيه . فاقتطع مالاً جليلاً وانفرد عن مخدومه . ثم التقى هو ومحمد بن ياقوت ، فهزم محمداً واستولى على فارس .

وكان بُوَيه فقيراً صُعْلُوكاً يَصِيد السّمك ، رأى كأنّه بالَ ، فخرج من ذَكَره عمود نار . ثمّ تشعَّب العمود حتّى ملأ الدّنيا . فقّص رؤياه على معبّر ، فقال : لا أعبرها إلاّ بألف درهم .

فقال : والله ما رأيتُ عُشْرها ، وإنما أنا صيّاد . ثمّ مضى وصادَ سمكة فأعطاه إيّاها ، فقال له : ألكَ أولاد ؟ قال : نعم . قال : أبشِرْ فإنهم يملكون الدّنيا ، ويبلغ سلطانهم على قدر ما احتوت النّار الّتي رأيتَها .

وكان معه أولاده علي ، والحسن ، وأحمد . ثمّ مَضَتْ السُّنُون ، وخرج بولده إلى خُراسان ، فخدموا مرداويج بن زيار الدَّيْلَمِي ، إلى أن صار علي قائداً ، فأرسله يستخرج له مالاً من الكُرْجِ ، فاستخرج خمسمائة ألف درهم ، فأخذ المال وأتى همذان ليملكها ، فغلّق أهلها في وجهه الأبواب ، فقاتلهم وفتحها عَنْوةً وقتل خلقاً . ثم صار إلى أصبهان وبها المظفّر بن ياقوت ، فلم يحاربه وسارَ إلى أبيه بشيراز .

ثمّ صار إلى أَرَّجان ، فأخذ الأموال ، وتنقّل في النّواحي ، وانضم إليه خلْق ، وصارت خزائنه خمسمائة ألف دينار . فجاء إلى شيراز وبها ابن ياقوت ، فخرج إليه في بضع عشر ألفاً ، وكان علي بن بُوَيه في ألف رجل ، فهابهُ علي وسأله أن يُفْرِج له عن الطّريق لينصرف ، فأبى عليه ، فالتقوا فانكسر عليّ ، ثمّ انهزم ابن ياقوت ، ودخل علي شيراز . ثمّ إنه قلّ ما عنده فنام على ظهره ، فخرجت حيّة من سقف المجلس ، فأمر بنقْضه ، فخرجت صناديق ملأى ذَهَباً ، فأنفقها في جُنْده .

وأضاق مرّةً فطلب خيّاطاً يخيط له ، وكان أَطْروشاً ، فظنّ أنّه قد سُعي به ، فقال : والله ما عندي سوى اثني عشر صندوقاً ، لا أعلم ما فيها . فأمرَ علي بإحضارها ، فوجد فيها مالاً عظيماً فأخذه . وركب يوماً ، فَسَاختْ قوائم فرسه ، فحفروه فوجد فيه كنزاً .

واستولى على البلاد ، وخرجت خُراسان وفارس عن حُكْم الخلافة . وسيأتي من أخبار هؤلاء الثّلاثة الإخوة ، وأنّ المستكفي بالله لقّب عليّاً عماد الدولة . أبا شجاع ، ولقّب الحسن رُكْن الدّولة ، ولقّب أحمد معزّ الدّولة .

وملكوا الدّنيا سنين . وفيها : قَتَلَ القاهرُ أبا السّرايا نصر بن حمدان وإسحاق بن إسماعيل النُّوبَخْتي الّذي كان قد أشار بخلافة القاهر ، ألقاهما على رؤوسهما في بئر وطُمّت ، وكان ذنْبهما أنهما فيما قيل زايَدَا القاهرَ قبل الخلافة في جاريتين واشترياهما ، فحقد عليهما . ومات مؤنس الورقاني الّذي حجّ بالنّاس .

وقال ثابت بن سنان : كان أبو علي بن مقلة في اختفائه يُراسل السّاجيّة والحُجَريّة ويُضَرّبهم على القاهر ويُوحشهم منه . وكان الحسن بن هارون كاتب بُلَيْق يخرج باللّيل في زي المُكدّيّين أو النساء فيسعى إلى أن اجتمعت كلمتهم على الفتك بالقاهر . وكان يقول لهم : قد بنى لكم المطامير ليحبسكم .

وألزموا منجّم سيما حتى كان يقول له : إن القاهر يقبض عليك . وهاجت الحُجَريّة وقالوا : تريد أن تحبسنا في المطامير ؟ فحلف القاهرُ أنّه لم يفعل ، وإنّما هذه حمّامات للحُرَم . وحضر الوزير ابن خصيب وعيسى المتطبّب عند القاهر ، فقال لسلامة الحاجب : اخرج فاحلف لهم .

ففعل ، فسكنوا . ثمّ بكّروا على الشرّ إلى دار القاهر ، وكان نائماً سكراناً إلى أن طلعت الشّمس ، ونبّهوه فلم ينتبه لشدّة سُكْرِه ، وهرب الوزير في زي امرأة ، وكذا سلامة الحاجب . فدخلوا بالسّيوف على القاهر ، فأفاق مِن سُكْرِه ، وهربَ إلى سطح حمّام فاستتر ، فأتوا مجلسَ القاهر وفيه عيسى الطّبيب ، وزَيْرك الخادم ، واختيار القَهْرَمانة ، فسألوهم ، فقالوا : ما نعرف له خبراً .

فرسموا عليهم . ووقع في أيديهم خادم له فضربوه ، فدلّهم عليه ، فجاؤوه وهو على السطح وبيده سيف مسلول ، فقالوا : انزل . فامتنع ، فقالوا : نحن عبيدك فلِمَ تستوحش منّا ؟ فلم ينزل .

ففوّق واحدٌ منهم سهماً وقال : انزل وإلا قتلتُك . فنزل إليهم ، فقبضوا عليه في سادس جُمَادى الآخرة . وأخرجوا أبا العبّاس محمد ابن المقتدر وأمّه ، وبايعوه بالخلافة ولقّبوه الرّاضي بالله ، فأحضر علي بن عيسى وأخاه عبد الرحمن واعتمد على رأيهما ، وأدخل علي بن عيسى ، والقاضي أبو الحسين عمر بن محمد بن يوسف ، والقاضي أبو محمد الحسن بن عبد الله بن أبي الشّوارب ، والقاضي أبو طالب ابن البُهْلُول على القاهر ، فقال له طريف السْكُرِيّ : ما تقول ؟ قال : أنا أبو منصور محمد ابن المعتضد ، لي في أعناقكم بَيعة وفي أعناق النّاس ، ولست أُبَرِّئكم ولا أُحَلّكم منها ، فقوموا فقاموا ، فلما بُعدوا قال القاضي لطريف : وأي شيء كان مجيئنا إلى رجلٍ هذا اعتقاده ؟ فقطب علي بن عيسى وقال : يُخلع ولا نفكَّر فيه .

أفعاله مشهورة . قال القاضي أبو الحسين : فدخلتُ على الرّاضي وأعدتُ ما جرى سرّاً ، وأعلمته بأنّي أرى إمامته فَرْضاً . فقال : انصرف ودعني وإيّاه .

وأشار سِيما مقدّم الحُجَرّية على الرّاضي بسمله . فأرسلَ سيما وطريفاً إلى البيت الّذي فيه القاهر ، فَكُحِّل بمِسمار مُحَمَّى . ثمّ طلب الرّاضي من علي بن عيسى أن يلي الوزارة ، فامتنع ، فقال : يتولّى أخوك عبد الرحمن .

فقال : لا . فاستوزر ابن مُقْلَة بعد أن كتب له أماناً . وقال محمود الأصبهانيّ : كان سبب خلع القاهر سوء سيرته وسفْكه الدّماء .

فامتنع عليهم من الخلع فَسَمَلوا عينيه حتّى سالتا على خدَّيه . وكانت خلافته سنة ونصفاً وأسبوعاً . وقال الصُّوليّ : كان أهْوَج ، سفّاكاً للدّماء ، قبيح السّيرة ، كثير التَّلوُّن والاستحالة ، مُدمن الخمر .

ولولا جَوْدة حاجبه سلامة لأهلك الحْرث والنَّسْل . وكان قد صنع حربة يحملها فلا يطرحها حتّى يقتل بها إنساناً . وقال محمد بن علي الخراساني : أحضرني القاهر يوماً والحَرْبةُ بين يديه ، فقال : قد علمت حالي إذا وضعت هذه .

فقلت : الأمان . فقال : على الصِّدْق . قلت : نعم .

قال : أسألك عن خلفاء بني العبّاس في أخلاقهم وشيمتهم . قلت : أما السّفّاح ، فكان مسارعاً إلى سفْك الدّماء . سفك ألف دم .

واتَّبعه عُمّاله على ذلك ، مثل محمد بن الأشعث بالمغرب ، وعمه صالح بن علي بمصر ، وخازم بن خُزَيْمَة ، وحُمَيْد بن قَحْطَبَة . وكان مع ذلك سمْحاً بحراً ، وَصولاً بالمال . قال : فالمنصور ؟ قلت : كان أول مَن أوقع الفُرْقة بين ولد العبّاس وولد أبي طالب .

وكانوا قبله متّفقين . وهو أوّل خليفة قرّب المنجّمين وعمل بقَولهم . وكان عنده نُوبَخْت المنجّم ، وعلي بن عيسى الأصْطرلابيّ .

وهو أول خليفة تُرْجِمت له الكُتُب السُّرْيانيّة والأعجميّة ككتاب كليلة ودِمْنَة ، وكتاب أرسطاطاليس في المنطق ، وإقليدس ، وكُتُب اليونان . فنظر النّاس فيها وتعلّقوا بها . فلمّا رأى ذلك محمد بن إسحاق جمع المغازي والسّيَر .

والمنصور أوّل من استعمل مواليه وقدّمهم على العرب . قال : فما تقول في المهديّ ؟ قلت : كان جواداً عادلاً منصِفاً . ردَّ ما أخذ أبوه مِن أموال النّاس غصْباً ، وبالغ في إتلاف الزّنادقة وأحرق كُتُبهم لمّا أظهروا المعتقدات الفاسدة كابن دَيْصان ، وماني ، وابن المقفّع ، وحمّاد عَجْرَد .

وبنى المسجدَ الحرام ، ومسجد المدينة ، ومسجد بيت المقدس . قال : فالهادي ؟ قلت : كان جبّاراً متكبّراً ، فسلك عُمّاله طريقَه على قِصَر أيّامه . قال : فالرّشيد ؟ قلت : كان مواظباً على الجهاد والحجَ ، وعَمَّر القصور والبِرَك بطريق مكّة ، وبنى الثغور كأذنة ، وطرسوس ، والمَصِيصة ، وعين زَربة ، والحَدَث ، ومَرْعَش .

وعَمّ النّاس إحسانُه . وكان في إيامه البرامكة وما اشتهر من كرمهم . وهو أول خليفة لعب بالصوالجة ورمى النّشّاب في البرجاس ، ولعب بالشَّطَرَنْج من بني العباّس .

وكانت زوجته بنت عمّه أمّ جعفر زُبَيْدة بنت جعفر ابن المنصور من أكمل النّساء . وَقَفَت الأوقاف وعملت المصانع والبِرَك ، وفعلت وفعلت . قال : فالأمين ؟ قلت : كان جواداً ، إلاّ أنّه انهمك في لذّاته ففسدت الأمور .

قال : فالمأمون ؟ قلت : غلبَ عليه الفضْل بن سهْل ، فاشتغل بالنّجوم ، وجالسَ العلماء . وكان حليماً جواداً . قال : فالمعتصم ؟ قلت : سلكَ طريقه ، وغلبَ عليه حُب الفُرُوسيّة ، والتّشبُّه بملوك الأعاجم ، واشتغل بالغزو والفتوح .

قال : فالواثق ؟ قلت : سلك طريقة أبيه . قال : فالمتوكّل ؟ قلت : خالفَ ما كان عليه المأمون والمعتصم والواثق مِن الاعتقادات ، ونهى عن الجَدَل والمناظرات في الأهواء ، وعاقب عليها . وأمر بقراءة الحديث وسماعه ، ونهى عن القول بخلق القرآن ، فأحبه النّاسُ .

ثمّ سأل عن باقي الخلفاء ، وأنا أُجيبه بما فيهم ، فقال لي : قد سمعت كلامك وكأني مشاهد القوم . وقام على أثري والحَرْبة بيده ، فاستسلمت للقتل ، فعطف إلى دُور الحُرَم . وقال المسعودي : أخذ القاهر من مؤنس وأصحابه أموالاً كثيرة ، فلمّا خُلِعَ وسُمِلَ طُولِب بها ، فأنكر فَعُذِّبَ بأنواع العذاب ، فلم يُقرّ بشيء .

فأخذه الراضي بالله فقرّبه وأدناه وقال له : قد ترى مطالبة الجُنْد بالمال ، وليس عندي شيء ، والّذي عندك فليس بنافعٍ لك ، فاعترف به . فقال : أمّا إذا فعلت هذا فالمال مدفون في البستان ، وكان قد أنشأ بستاناً فيه أصناف الشجر حملت إليه من البلاد ، وزَخرفه وعمل فيه قصراً ، وكان الرّاضي مغرماً بالبستان والقصر ، فقال : وفي أي مكان المال منه ؟ فقال : أنا مكفوف لا أهتدي إلى مكان ، فاحفر البستان تجدْه . فحفر الراضي البستان وأساسات القصر ، وقلع الشجر ، فلم يجد شيئاً .

فقال له : وأين المال ؟ فقال : وهل عندي مال ، وإنما كان حسرتي في جلوسك في البستان وتنعّمك ، فأردتُ أن أفجعك فيه . فندم الراضي وأبعده وحبسه . فأقام إلى سنة ثلاثٍ وثلاثين ، ثمّ أُخرج إلى دار ابن طاهر ، فكان تارة يُحبس ، وتارة يُطلق ، فوقف يوماً بجامع المنصور بين الصُّفوف وعليه مُبطنّة بيضاء وقال : تصدَّقوا عليَّ ، فأنا مَن قد عرفتم .

وكان مقصوده أن يشنّع على المستكفي ، فقام إليه أبو عبد الله بن أبي موسى الهاشميّ ، فأعطاه خمسمائة درهم . وقيل : ألف درهم ، ثمّ مُنع من الخروج ، وعاش إلى سنة تسعٍ وثلاثين خاملاً . وعاش ثلاثاً وخمسين سنة .

وكان له من الولد عبد الصّمد ، وأبو القاسم ، وأبو الفضل ، وعبد العزيز . ووزر له ابن مُقْلَة ، ثمّ محمد بن القاسم بن عُبَيد الله ، وكان محمد جباراً ظالماً ، ثمّ الخصيبي . وكان الراضي بالله أبو العبّاس محمد ابن المقتدر مربوعاً ، خفيف الجسم ، أسمر ، وأمّه ظَلُوم الروميّة .

بويع يوم خُلع القاهر ، وكان هو وأخوه في حبْس القاهر ، وقد عزمَ على قتلهما . فأخرجهما الغلمان ورأسهم سِيما المناخلي ، وعاش سيما بعد البيعة مائة يوم . وولّى الراضي أتابكه محمد بن رائق إمارة الجيش ببغداد .

ثمّ أمر ابن مُقْلة عبد الله بن ثوابة أن يكتب كتاباً فيه مثالب القاهر ويُقرأ على النّاس . وصودر عيسى المتطبّب على مائتي ألف دينار . وفيها : مات مرداويج ، مُقَدَّم الدَّيْلَم بأصبهان .

وكان قد عظُم أمرُه ، وتحدّثوا أنّه يريد قصْد بغداد . وأنه مسالمٌ لصاحب المجوس . وكان يقول : أنا أردّ دولة العجم وأَمْحق دولة العرب .

ثمّ إنه أساء إلى أصحابه ، فتواطأوا على قتْله في حمّام . وفيها : بعث علي بن بويه إلى الراضي يُقاطعه على البلاد الّتي استولى عليها بثمانية آلاف ألف درهم كلّ سنة . فبعث له لواء وخِلَعاً .

ثّم أخذ ابن بويه يماطل بحمل المال . وفيها : في نصف ربيع الأوّل مات المهدي عُبَيْد الله صاحب المغرب عن اثنتين وستين سنة . وكانت أيّامه خمساً وعشرين سنة وأشهُراً ، وقام بالأمر بعده ابنه القائم بأمر الله أبو القاسم محمد ، فبقي إلى سنة أربع وثلاثين .

وقال القاضي عبد الجبّار بن أحمد بن عبد الجبّار البصْريّ : اسم جدّ الخلفاء المصريّين سعيد ، ويلقب بالمهدي . وكان أبوه يهوديّاً حدّاداً بسَلَمّية . زعم سعيد هذا أنّه ابن ابن الحسين بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن ميمون القدّاح .

وأهل الدّعوة أبو القاسم بن الأبيض العلويّ ، وغيره يزعمون أنّ سعيداً إنّما هو ابن امرأة الحسين المذكور . وأنّ الحسين ربّاه وعلّمه أسرار الدّعوة ، وزوّجه ببنت أبي الشَّلَغْلَغ فجاءه ابن سمّاه عبد الرحمن ، فلمّا دخل المغرب وأخذ سجلماسة تسمى بعُبَيد وتكنّى بأبي محمد ، وسمَّى ابنَه الحسن . وزعمت المغاربة أنّه يتيم ربّاه ، وليس بابنه ، وكنّاه أبا القاسم ، وجعله ولي عهده .

وقتل عُبَيد خلقاً من العساكر والعُلماء ، وبثّ دُعاته في الأرض . وكانت طائفة تزعم أنّه الخالق الرّازق ، وطائفة تزعم أنّه نبيّ ، وطائفة تزعم أنه المهدي حقيقة . وقال القاضي أبو بكر ابن الباقلاني : إنّ القدّاح جدّ عُبَيد الله كان مجوسيّاً .

ودخل عُبَيد الله المغرب ، وادّعى أنّه علويّ ، ولم يعرفهُ أحد من علماء النَّسَب ، وكان باطنيّاً خبيثاً ، حريصاً على إزالة مِلّة الإسلام . أَعْدَمَ العلماء والفقهاء ليتمكّن من إغواء الخلْق . وجاء أولاده على أُسلوبه .

أباحوا الخُمور والفُرُوج ، وأشاعوا الرَّفْض ، وبثُّوا دُعاةً ، فأفسدوا عقائد خلقٍ من جبال الشّام كالنصيرية والدرزية . وكان القدّاح كاذباً ممخرقاً . وهو أصل دُعاة القرامطة .

وقال أيضاً في كتاب كشف أسرار الباطنيّة : أوّل من وضع هذه الدّعوة طائفة من المجوس وأبناء الأكاسرة . فذكر فَصلاً ، ثمّ قال : ثمّ اتّفقوا على عبد الله بن عَمْرو بن ميمون القدّاح الأهوازي وأمدّوه بالأموال في سنة ثلاثين ومائتين أو قبلها ، وكان مُشَعْوِذاً ممخرقا يُظْهِر الزُّهْد ، ويزعم أن الأرض تُطْوَى له . وجدُّ القدّاح هو دَيْصَان أحد الثَّنَوِيّة .

وجاء ابن القدّاح على أسلوب أبيه ، وكذا ابنه ، وابن ابنه سعيد بن حسين بن أحمد بن محمد بن عبد الله ، وهو الّذي يقال له عُبَيد الله . يُلقَّب بالمهدي صاحب القيروان ، وجدّ بني عُبَيد الّذين تسمّيهم جَهَلَةُ النّاس الخلفاء الفاطميّين . قال ابن خلّكان : اختُلِف في نَسَبه ، فقال صاحب تاريخ القيروان : هو عُبَيْد الله بن الحسن بن علي بن محمد بن علي الرّضا بن موسى الكاظم بن جعفرالصّادق .

وقال غيره : هو عُبَيْد الله بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصّادق . وقيل : هو علي بن الحسين بن أحمد بن عبد الله بن الحسن بن محمد بن زين العابدين علي بن الحسين . وإنّما سمّى نفسه عُبَيد الله استتاراً .

وهذا على قول مَن يصحِّح نَسَبَه . وأهل العلم بالأنساب المحقّقين يُنكِرون دعواه في النَّسبِ ويقولون : اسمه سعيد ، ولَقَبه عُبَيد الله ، وزوج أمّه الحسين بن أحمد القدّاح . وكان كحّالاً يقدح العين .

وقيل : إن عُبَيد الله لمّا سار من الشّام وتوصّل إلى سجلماسة أحس به ملكها اليسع آخر ملوك بني مدرار ، وأعلم بأنه الذي يدعو إليه أبو عبد الله الشيعي بالقيروان ، فسجنه ، فجمع الشيعي جيشاً من كتامة وقصد سلجماسة ، فلمّا قُربوا قتله الْيسع في السجن ، وهرب . فلمّا دخل الشّيعي السّجن وجده مقتولاً ، وخاف أن ينتقض عليه الأمر ، وكان عنده رجلٌ من أصحابه يخدمه ، فأخرجه إلى الجُنْد ، وقال : هذا المهديّ . قلت : وهذا قولٌ منكر .

بل أخرج عُبَيدَ الله وبايَع النّاس له ، وسلّم إليه الأمر ، ثمّ ندم ، ووقعت الوحشة بينهما كما قدَّمنا قبل هذا في موضعه من هذا الكتاب . وآخر الأمر أنّ المهدي قَتَلَ أبا عبد الله الشّيعي وأخاه ، ودانت له المغرب ، وبنى مدينة المهديّة ، والله أعلم . وفيها : ظهر محمد بن علي الشلْمغاني المعروف بابن أبي العزاقر .

وكان مستتراً ببغداد ، وقد شاع أنّه يدّعي الأُلُوهيّة ، وأنّه يُحْيي الموتى وله أصحاب . فتعصَّب له أبو علي بن مُقْلَة ، فأحضره عند الرّاضي ، فسمع كلامه وأنكر ما قيل عنه وقال : إن لم تنزل العقوبة على الّذي باهلَنَي بعد ثلاثة أيّام وأكثره تسعة أيام ، وإلا فَدَمي حلال . قال : فضُرب ثمانين سوطاً ، ثمّ قتل وصُلب .

وقُتل بسببه الحسين بن القاسم بن عُبَيْد الله بن سليمان بن وهْب وزير المقتدر ، وكان زنديقاً متَّهماً بالشَّلْمغانيّ ، وفي نفس الرّاضي منه لكونه آذاه عند المقتدر بالله . وقُتل معه أيضاً أبو إسحاق إبراهيم بن أبي عَوْن أحمد بن هلال الأنباري الكاتب ، صاحب كتاب الأجوبة المسكتة ، وكتاب التّشبيهات ، وكتاب بيت مال السّرور . وكان قد مَرَق من الإسلام وصحِب ابن أبي العزاقر ، وصار مِن المتغالين في حبّه ، وصرَّح بإلهيته ، تعالى الله عما يقوله عُلوّاً كبيراً .

فلّما تتبّعوا أصحاب ابن أبي العزاقر قالوا لإبراهيم بن أبي عون : سُبّه وابصق عليه . فامتنع وأرعد وأظهر الخوف ، فضُربَ بالسّياط ، فلم يرجع ، فَضُرِبت عُنقه ، وأحْرِق في أوّل ذي القعدة . وفيها : قُتِل هارون بن غريب الخال ، كان مقيماً بالدّينَوَر ، فلمّا ولي الراّضي كاتَب قوّاد بغداد بأنّه أحقّ بالحضرة ورئاسة الجيش ، فأجابوه ، فسارَ إلى بغداد حتّى بقي بينه وبينها يوم .

فعُظم ذلك على ابن مُقْلة الوزير ومحمد بن ياقوت والحُجَريّة ، وخاطبوا الراضي فعرّفهم كراهيته له ، وأمر بممانعته ، فأرسل ابن مُقْلَة إليه بأن يرجع ، فقال ، قد انضمّ إلي جُنْدٌ لا يكفيهم عملي . فأرسل إليه الراضي ابن ياقوت القراريطّي بأن قد قلّدوك أعمال طريق خراسان ، فقال للقراريطيّ : إن جُنْدي لا يقنعون بهذا ، ومَن أحقّ منّي بخدمة الخليفة ؟ فقال : لو كنت تراعي أمير المؤمنين ما عصيته . فأغلظ له ، فقام مِن عنده وأدّى الرسالة إلى الخليفة .

وشَخَص إلى هارون مُعْظم جُنْد بغداد ، فبعث إليه محمد بن ياقوت يتلطّف به ، فلم يلتفت . ووقعت طلائعه على طلائع ابن ياقوت ، فظهر عليها ، ثمّ تقدَّم إلى قنطرة النهروان ، واشتبكت الحرب ، فعبر هارون القنطرة ، وانفردَ عن أصحابه على شاطئ النّهر ، وهو يظنّ أنّه يظفر بمحمد بن ياقوت ، فتقنطر به فرسه فوقع ، وبادره مملوك ابن ياقوت فقتله ، ومزّق جيشه ، ونهبهم عسكر ابن ياقوت ، وذلك في جُمادَى الآخرة . وفيها : تُوُفّي أبو جعفر السَّجْزِي أحد الحُجّاب .

قيل : بلغ من العمر أربعين ومائة سنة . وكان يركب وحده وحواسُّه جيّدة . وفيها : قبض ابن مُقْلَة على أبي العبّاس الخصِيبيّ ، والحسن بن مَخْلَد ونفاهما إلى عُمان ، فرجعا إلى بغداد مختَفِيَيْن .

وفيها : تُوُفّي موسى ابن المقتدر . ولم يحجّ الناس إلى سنة سبْعٍ وعشرين من بغداد .

موقع حَـدِيث