حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تاريخ الإسلام

سنة تسع وعشرين وثلاثمائة

سنة تسع وعشرين وثلاثمائة فيها عزل بجكم ابن شيرزاد عن كتابته ، وصادره على مائة وخمسين ألف دينار . وفي ربيع الأول اشتدت علة الراضي بالله ، وقاء في يومين أرطالاً من دم ، ومات . وبويع المتقي لله أخوه .

وكان الراضي سمحاً كريماً أديباً شاعراً فصيحاً ، محباً للعلماء . سمع من البغوي ، وله شعر مدون . قال الصولي : سئل الراضي أن يخطب يوم الجمعة ، فصعد المنبر بسر من رأى ، فحضرت أنا وإسحاق بن المعتمد .

فلما خطب شنف الأسماع وبالغ في الموعظة . ثم نزل فصلى بالناس . وقيل : إن الراضي استسقى وأصابه ذرب عظيم .

وكان من أعظم آفاته كثرة الجماع . توفي في منتصف ربيع الآخر ، وله إحدى وثلاثون سنة ونصف . ودفن بالرصافة .

وهو آخر خليفة جالس الندماء . خلافة المتقي . قال الصولي : لما مات الراضي ، كان بجكم بواسط ، وبلغه الخبر ، فكتب إلى كاتبه أبي عبد الله أحمد بن علي الكوفي يأمره أن يجمع القضاة والأعيان بحضرة وزير الراضي أبي القاسم سليمان بن الحسن ويشاورهم فيمن يصلح .

وبعث الحسين بن الفضل بن المأمون إلى الكوفي بعشرة آلاف دينار له ، وبأربعين ألف دينار ليفرقها في الجند إن ولاه الخلافة ، فلم ينفع . ثم إنهم اتفقوا على أبي إسحاق إبراهيم ابن المقتدر ، فأحدروه من داره إلى دار الخلافة لعشرٍ بقين من الشهر ، فبايعوه وهو ابن أربعٍ وثلاثين سنة . وأمه أمةٌ اسمها خلوب ، أدركت خلافته .

وكان حسن الوجه ، معتدل الخلق بحمرة ، أشهل العين ، كث اللحية .

فصلى ركعتين وصعد على السرير ، وبايعوه ، ولم يغير شيئاً قط ، ولم يتسر على جاريته التي له . وكان كثير الصوم والتعبد ، لم يشرب نبيذاً قط . وكان يقول : لا أريد نديماً غير المصحف .

وأقر في الوزارة ، فيما قال ثابتٌ ، الوزير سليمان بن الحسن ، وإنما كان له الاسم ، والتدبير للكوفي ، كاتب بجكم . واستحجب المتقي سلامة الطولوني . وولى علي بن عيسى المظالم .

وفي سابع جمادى الآخرة سقطت القبة الخضراء بمدينة المنصور . وكانت تاج بغداد ومأثرة بني العباس ، فذكر الخطيب في تاريخه أن المنصور بناها ارتفاع ثمانين ذراعاً ، وأن تحتها إيواناً طوله عشرون ذراعاً في مثلها . وقيل : كان عليها تمثال فارس في يده رمح .

فإذا استقبل جهة علم أن خارجياً يظهر من تلك الجهة . فسقط رأس هذه القبة في ليلة ذات مطر ورعد . وكان فيها غلاء مفرط ووباء عظيم ببغداد ، وخرج الناس يستسقون وما في السماء غيم ، فرجعوا يخوضون الوحل .

واستسقى بهم أحمد بن الفضل الهاشمي . وفيها : عزل المتقي لله الوزير سليمان واستوزر أبا الحسين أحمد بن محمد بن ميمون الكاتب . وقدم أبو عبد الله البريدي من البصرة ، فطلب الوزارة ، فأجابه المتقي .

وصار إليه ابن ميمون فأكرمه ، وكانت وزارة ابن ميمون شهراً ، فشغب الجند على أبي عبد الله يطلبون أرزاقهم ، فهرب من بغداد بعد أربعة وعشرين يوماً . فاستوزر المتقي أبا إسحاق محمد بن أحمد الإسكافي المعروف بالقراريطي ، وعزل بعد ثلاثة وأربعين يوماً . وقلد ابن القاسم الكرخي ، وعزل بعد ثلاثة وخمسين يوماً .

وفيها : قلد المتقي إمرة الأمراء كورتكين الديلمي ، وقلد بدراً الخرشني الحجابة . وفيها : قتل بجكم التركي وكنيته أبو الخير . وكان قد استوطن واسطاً ، وقرر مع الراضي أنه يحمل إليه في العام ثمانمائة ألف دينار .

وأظهر العدل وبنى دار الضيافة للضعفاء بواسط . وكان ذا أموال عظيمة . وكان يخرجها في الصناديق ، ويخرج الرجال في صناديق أخر على الجمال إلى البرية ، ثم يفتح عليهم فيحفرون ويدفن المال ، ثم يعيدهم إلى الصناديق ، فلا يدرون أين دفنوا ، ويقول : إنما أفعل هذا لأني أخاف أن يحال بيني وبين داري .

فضاعت بموته الدفائن . قال ثابت بن سنان : لما مات الراضي استدعى بجكم والدي إلى واسط ، فقال : إني أريد أن أعتمد عليك في تدبير بدني ، وفي أمر آخر أهم من بدني ، هو تهذيب أخلاقي . فقد غلب علي الغضب وسوء الخلق ، حتى أخرج إلى ما أندم عليه من قتلٍ وضرب .

فقال : سمعاً وطاعة . فحدثه بكلام جيد في مداراة نفسه بالتأني إذا غضب ، وحضه على العفو . وكان جيش البريدي قد وصل إلى المذار ، فأنفذ بجكم كورتكين وتوزون للقائهم ، فالتقوا على المذار في رجب ، فانكسر أصحاب بجكم وراسلوه يستمدونه ، فخرج من واسط .

فأتاه كتاب بنصر أصحابه ، فتصيد عند نهر جور ، وهناك قوم أكراد مياسير ، فشره إلى أخذ أموالهم ، وقصدهم في عددٍ يسير من غلمانه وهو متخفٍّ . فهرب الأكراد منه ، وبقي منهم غلام أسود ، فطعنه برمح ، وهو لا يعلم أنه بجكم ، فقتله لتسع بقين من رجب . وخامر معظم جنده إلى البريدي ، وأخذ المتقي من داره ببغداد حواصله ، فحصل له من ماله ما يزيد على ألفي ألف دينار .

وصار توزون وكورتكين وغيرهما من كبار أصحابه إلى الموصل ، ثم إلى الشام ، إلى محمد بن رائق . واستدعاه المتقي إلى الحضرة . فسار ابن رائق من دمشق في رمضان ، واستخلف على الشام أحمد بن علي بن مقاتل .

فلما قرب من الموصل كتب كورتكين إلى القائد أصبهان ابن أخيه بأن يصعد من واسط ، فصعد ودخل بغداد ، فخلع عليه المتقي وطوقه وسوره . وحمل الحسن بن عبد الله بن حمدان إلى ابن رائق مائة ألف دينار من غير أن يجتمع به . فانحدر ابن رائق إلى بغداد .

وخطب البريدي بواسط والبصرة لابن رائق وكتب اسمه على أعلامه وتراسه . ثم وقع الحرب بين ابن رائق وكورتكين على بغداد أياماً ، في جميعها الدبرة على ابن رائق . وجرت أمور .

ثم قوي ابن رائق ، ثم دخل بغداد ، وأقام كورتكين بعكبرا ، وذلك في ذي الحجة ، ودخل على المتقي لله ، فلما تنصف النهار وثب كورتكين على بغداد بجيشه وهم في غاية التهاون بابن رائق ، يسمون جيشه المغافلة ، وكان نازلاً بغربي بغداد ، فعزم على العود إلى الشام . ثم تثبت فعبر في سفينة إلى الجانب الشرقي ومعه بعض الأتراك ، فاقتتلوا ، فبينما هم كذلك أخذتهم زعقات العامة من ورائهم ، ورموهم بالآجر ، فانهزم كورتكين واختفى ، وقتل أصحابه في الطرقات . وظهر الكوفي ، فاستكتبه ابن رائق .

واستأسر ابن رائق من قواد الديلم بضعة عشرة ، فضرب أعناقهم وهرب الباقون ، ولم يبق ببغداد من الديلم أحد . وكانوا قد أكثروا الأذية . وقلد ابن رائق إمرة الأمراء ، وعظم شأنه .

موقع حَـدِيث