سنة ثلاثين وثلاثمائة
سنة ثلاثين وثلاثمائة في المحرم وجد كورتكين الديلمي في درب ، فأحضر إلى دار ابن رائق وحبس . وفيها : كان الغلاء العظيم ببغداد ، وأبيع كر القمح بمائتي دينار وعشرة دنانير ، وأكلوا الميتة ، وكثر الأموات على الطرق ، وعم البلاء . وفي ربيع الآخر خرج الحرم من قصر الرصافة يستغيثون في الطرقات : الجوع الجوع .
وخرج الأتراك وتوزون ، فساقوا إلى عند البريدي إلى واسط . وفيه : وصلت الروم إلى بلد حلب إلى حموص ، وهي على ست فراسخ من حلب ، فأخربوا وأحرقوا ، وسبوا عشرة آلاف نسمة . وفيها : استوزر المتقي أبا عبد الله البريدي ، برأي ابن رائق لما رأى انضمام الأتراك إليه ، فاحتاج إلى مداراته .
وفيها : تقلد قضاء الجانبين ومدينة أبي جعفر أبو الحسن أحمد بن عبد الله بن إسحاق الخرقي التاجر ، وتعجب الناس من تقليد مثله . وفيها : عزل البريدي ، وقلد القراريطي الوزارة . وفي حادي عشر جمادى الأولى ركب المتقي ومعه ابنه أبو منصور ، ومحمد بن رائق ، والوزير القراريطي ، والجيش ، وساروا وبين أيديهم القراء في المصاحف لقتال البريدي .
ثم انحدر من الشماسية في دجلة إلى داره ، واجتمع الخلق على كرسي الجسر ، فثقل بهم وانخسف ، فغرق خلقٌ . وأمر ابن رائق بلعن البريدي على المنابر . وأقبل أبو الحسين علي بن محمد أخو البريدي إلى بغداد وقارب المتقي وابن رائق ، فهزمهما ، وكان معه الترك والديلم والقرامطة ، وكثر النهب ببغداد .
وتحصن ابن رائق ، فزحف أبو الحسين البريدي على الدار ، واستفحل الشر . ودخل طائفة من الديلم دار الخلافة ، فقتلوا جماعة ، وخرج المتقي وابنه هاربين إلى الموصل ومعهما ابن رائق . واستتر القراريطي ، ونهبت دار الخلافة ، ودخل على الحرم ، ووجدوا في السجن كورتكين الديلمي ، وأبا الحسن بن سنجلا ، وعلي بن يعقوب .
فجيء بهم إلى أبي الحسين ، فقيد كورتكين ، وبعث به إلى أخيه إلى البصرة ، فكان آخر العهد به ، وأطلق الآخران . ثم نزل أبو الحسين بدار ابن رائق ، وقلد توزون الشرطة ، وأبا منصور تورتكين الشرطة بالجانب الغربي . ونهبت بغداد ، وهجج أهلها من دورهم .
واشتد القحط حتى أبيع ببغداد كر الحنطة بثلاثمائة وستة عشر ديناراً ، وهلك الخلق . وكان قحطاً لم يعهد ببغداد مثله أبداً . هذا والبريدي يصادر الناس .
ثم وقعت وقعة بين الأتراك والقرامطة ، فانهزم القرامطة . وزادت دجلة حتى بلغت في نيسان عشرين ذراعاً ، وغرقت الناس . ثم تناخى أهل بغداد لما تم عليهم من جور الديلم ، ووقع بينهم وبينهم الحرب .
ثم اتفق توزون وتورتكين والأتراك على كبس البريدي . ثم غدر تورتكين فبلغ البريدي الخبر فاحترز . وقصد توزون الدار في رمضان ، ووقع الحرب ، وخذله تورتكين فانصرف توزون في خلق من الأتراك إلى الموصل .
فبعث البريدي خلفه جيشاً ففاتهم . فلما وصل توزون إلى الموصل قوي قلب ناصر الدولة الحسن بن عبد الله بن حمدان ، وعزم على أن ينحدر إلى بغداد بالمتقي ، فتهيأ أبو الحسين البريدي . ولما وصل المتقي وابن رائق تكريت وجدا هناك سيف الدولة أبا الحسن علي بن عبد الله بن حمدان ، وكان ابن رائق قد كتب إلى الحسن بن عبد الله بن حمدان أن يبعث إليه نجدة لقتال البريدي ، فنفذ أخاه سيف الدولة هذا ، فإذا معه الإقامات والميرة ، وسار الكل إلى الموصل ، فلم يحضر الحسن ، وترددت الرسل بينه وبين ابن رائق إلى أن توثق كل منهم بالعهود والأيمان .
فجاء الحسن واجتمع بابن رائق وبأبي منصور ابن الخليفة في رجب ، وذلك بمخيم الحسن . فلما أراد الانصراف ركب ابن المتقي وقدم فرس ابن رائق ليركب ، فتعلق به الحسن وقال : تقيم اليوم عندي نتحدث . فقال : ما يحسن بي أن أتخلف عن ابن أمير المؤمنين .
فألح عليه حتى استراب محمد بن رائق وجذب كمه من يده فتخرق . هذا ورجله في الركاب ليركب ، فشب به الفرس فوقع ، فصاح الحسن بغلمانه : لا يفوتنكم ، اقتلوه . فنزلوا عليه بالسيوف ، فاضطرب أصحابه خارج المخيم ، وجاء مطر فتفرقوا ، فدفن وعفي قبره ونهبت داره التي بالموصل ، فنقل ابن المحسن التنوخي ، عن عبد الواحد بن محمد الموصلي قال : حدثني رجل أن الناس نهبوا دار ابن رائق ، فدخلت فأجد كيساً فيه ألف دينار أو أكثر ، فقلت : إن خرجت به أخذه مني الجند .
فطفت في الدار فمررت بالمطبخ ، فأخذت قدر سكباج ملأى ، فرميت فيها الكيس وحملتها على رأسي ، فكل من رآني يظن أني جائع ، فذهبت بها إلى منزلي . وبعث الحسن إلى المتقي : إن ابن رائق أراد أن يغتالني . فأمره بالمصير إليه .
فجاء إليه فقلده مكان ابن رائق ولقبه ناصر الدولة ؛ وخلع على أخيه ولقبه سيف الدولة . وعاد إلى بغداد وهم معه . فهرب البريدي إلى واسط .
فكانت مدة إقامته ببغداد ثلاثة أشهر وعشرين يوماً . ودخل المتقي بغداد في شوال ، وعملت القباب . وقلد المتقي بدراً الخرشني طريق الفرات .
فسار إليها ، ثم سار إلى مصر ، فأكرمه الإخشيد ، واستعمله على دمشق ، فمات بها . وفي ذي القعدة جاء الخبر بأن البريدي يريد بغداد ، فاضطرب الناس وخرج المتقي ليكون مع ناصر الدولة ، وهرب وجوه أهل بغداد . ثم سار سيف الدولة أبو الحسن للقاء البريدي فكانت بينهما وقعة هائلة بقرب المدائن .
فكان البريدي أبو الحسين في الديلم وابن حمدان في الأتراك واقتتلوا يوم الخميس ويوم الجمعة ، فكانت أولاً على ابن حمدان وانهزم أصحابهم ، وكان ناصر الدولة على المدائن فردهم ، ثم كانت الهزيمة على البريدي ، وقتل جماعة من قواده ، وأسر طائفةٌ ، فعاد بالويل إلى واسط . وساق سيف الدولة إلى واسط ، فانهزم البريدي بين يديه إلى البصرة ، فأقام سيف الدولة بواسط ومعه جميع الأتراك والديلم . وفيها : توفي العارف أبو يعقوب النهرجوري شيخ الصوفية إسحاق بن محمد بمكة ، وقد صحب سهل بن عبد الله ، والجنيد .
وفيها : توفي المحاملي صاحب الدعاء وغيره . والزاهد أبو صالح الدمشقي مفلح بن عبد الله ، وإليه ينسب مسجد أبي صالح خارج باب شرقي .