سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة
سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة قد ذُكر أن توزون حلف وبالغ في الأيمان للمتقي ، فلما كان رابع محرم توجه المتقي من الرقة إلى بغداد ، فأقام بهيت ، وبعث القاضي أبا الحسين الخرقي إلى توزون وابن شيرزاد ، فأعاد الأيمان عليهما . وخرج توزون وتقدمه ابن شيرزاد ، فالتقى المتقي بين الأنبار وهيت . وقال المسعودي : لما التقى توزون بالمتقي ترجل وقبّل الأرض ، فأمره بالركوب ، فلم يفعل ، ومشى بين يديه إلى المخيم الذي ضربه له .
فلما نزل قبض عليه وعلى ابن مقلة ومن معه . ثم كحله ، فصاح المتقي ، وصاح النساء ، فأمر توزون بضرب الدبادب حول المخيم . وأُدخل بغداد مسمول العينين ، وقد أخذ منه الخاتم والبردة والقضيب .
وبلغ القاهر فقال : صرنا اثنين ، ونحتاج إلى ثالث ، يُعرض بالمستكفي ، فكان كما قال ، سُمل بعد قليل . وقال ثابت : أحضر توزون عبد الله ابن المكتفي وبايعه بالخلافة ، ولقبه بالمستكفي بالله ، ثم بايعه المتقي لله المسمول ، وأشهد على نفسه بالخلع لعشرٍ إن بقين من المحرم سنة ثلاثٍ وثلاثين . ثم أُخرج المتقي إلى جزيرة مقابل السندية ، وسُمل حتى سالت عيناه .
وقيل : إنما خُلع لعشرٍ بقين من صفر . ولم يحل الحول على توزون حتى مات . وكنية المستكفي : أبو القاسم ، من أم ولد .
بويع وعمره إحدى وأربعون سنة . وكان مليحاً ، ربعةً ، معتدل الجسم ، أبيض بحمرة ، خفيف العارضين . وعاش المتقي لله بعد خلعه خمساً وعشرين سنة .
وفيها استولى أحمد بن بويه على الأهواز ، والبصرة ، وواسط ، فخرج إليه توزون فالتقيا ، ودام الحرب بينهما أشهراً ، وهي كلها على توزون ، والصرع يعتريه . فقطع الجسر الذي بينه وبين أحمد بن بويه عند ديالى ، وضاق بابن بويه الحال وقلت الأقوات ، فرجع إلى الأهواز . وصُرع توزون يومئذٍ ، وعاد إلى بغداد مشغولاً بنفسه .
وفي صفر استوزر المستكفي أبا الفرج محمد بن علي السامري ، ثم عزله توزون بعد أربعين يوماً ، وصادره وأخذ منه ثلاثمائة ألف دينار . ثم استوزر أبا جعفر بن شيرزاد بإشارة توزون . وفيها سار سيف الدولة بن حمدان إلى حلب فملكها ، وهرب أميرها يانس المؤنسي إلى مصر ، فجهز الإخشيد جيشاً إلى سيف الدولة ، فالتقوا على الرستن ، فهزمهم سيف الدولة وأسر منهم ألف رجل ، وفتح الرستن .
ثم سار إلى دمشق فملكها . فجاء الإخشيد ونزل طبرية ، فتسلل أكثر أصحاب سيف الدولة إلى الإخشيد ، فخرج سيف الدولة إلى حلب وجمع القبائل وحشد . وسار إليه الإخشيد ، فالتقوا على قنسرين ، فهزمه الإخشيد ، فهرب إلى الرقة ، ودخل الإخشيد حلب .
وفيها عظم الغلاء ببغداد حتى هرب الناس وبقي النساء . فكن المخدرات يخرجن عشرين عشرين من بيوتهن ، ممسكات بعضهن بعضاً ، يصحن : الجوع الجوع . وتسقط الواحدة منهن بعد الأخرى ميتة من الجوع .
فإنا لله وإنا إليه راجعون . وكان أبو عبد الله البريدي قد استولى على الأهواز والبصرة . ووزر للمتقي كما ذكرنا .
وكان قد قتل أخاه لكونه يذكر عيوبه ، فلم يُمتَّع بعده ، وأخذته الحمى أسبوعاً ، فهلك في اليوم الثامن من شوال . وقام أخوه أبو الحسين البريدي مقامه . وكان يانس مقدم جيوشه يبغض أبا الحسين .
ثم إن أبا الحسين أساء العشرة على الترك والديلم ، وحط من أقدارهم ، فشكوه إلى يانس ، فقال لأبي القاسم ولد أبي عبد الله : إن كان عندك مال عقدت لك الرئاسة على عمك . فقال : هذه ثلاثمائة ألف دينار . فأخذها يانس ، فأصلح بها قلوب الجند ، وعقد لأبي القاسم .
فهرب أبو الحسين ليلاً ماشياً متنكراً إلى هجر ، فاستجار بالقرامطة ، فأجاروه ، وبعثوا معه جيشاَ إلى البصرة فنازلوها حتى ضجروا . ثم أصلحوا بينه وبين ابن أخيه ، ثم مضى إلى بغداد . ثم إن يانس طمع في الملك ، فواطأ الديلم على قتل أبي القاسم .
وعلم أبو القاسم فاحتال حتى قبض على يانس ، وأخذ منه مائة ألف دينار وقتله ، واستقام له الدست . وفيها غزا سيف الدولة بلاد الروم ، ورد سالماً بعد أن بدَّع في العدو . وسبب هذه الغزاة أنه بلغ الدُّمُستُق ما فيه سيف الدولة من الشغل بحرب أضداده ، فسار في جيشٍ عظيم ، وأوقع بغراس ومرعش ، وقتل وأسر .
فأسرع سيف الدولة إلى مضيق وشعاب ، فأوقع بجيش الدمستق وبيّتهم ، واستنقذ الأسارى والغنيمة ، وانهزم الروم أقبح هزيمة . ثم بلغ سيف الدولة أن مدينةً للروم قد تهدَّم بعض سورها ، وذلك في الشتاء ، فاغتنم سيف الدولة الفرصة ، وبادر فأناخ عليهم ، وقتل وسبى ، لكن أُصيب بعض جيشه .