حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تاريخ الإسلام

سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة

سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة فيها قدم أبو جعفر بن شيرزاد من واسط من قبل توزون إلى بغداد ، فحكم على بغداد وأمر ونهى . فكاتب المتقي بني حمدان بالقدوم عليه ، فقدم أبو عبد الله الحسين بن سعيد بن حمدان في جيشٍ كثيف في صفر ، ونزل بباب حرب ، فخرج إليه المتقي وأولاده والوزير . واستتر ابن شيرزاد .

وسار المتقي بآله إلى تكريت ظناً منه أن ناصر الدولة يلقاه في الطريق ويعودون معاً إلى بغداد . فظهر ابن شيرزاد فأمر ونهى ، فقدم سيف الدولة على المتقي بتكريت فأشار عليه بأن يصعد إلى الموصل ليتفقوا على رأي ، فقال : ما على هذا عاهدتموني . فتفلّل أصحاب المتقي إلى الموصل ، وبقي في عددٍ يسير مع ابن حمدان .

فقدم توزون بغداد واستعد للحرب . فجمع ناصر الدولة عدداً كثيراً من الأعراب والأكراد ، وسار بهم إلى تكريت . وكان الملتقى بينه وبين توزون بُعكبرا ، واقتتلوا أياماً ، ثم انهزم بنو حمدان والمتقي إلى الموصل .

وراسل ناصر الدولة توزون في الصلح على يد أبي عبد الله بن أبي موسى الهاشمي ، وكان توزون على تكريت ، فتسلل بعض أصحابه إلى ابن حمدان ، وردّ توزون إلى بغداد . وجاء سيف الدولة إلى تكريت فرد إليه توزون ، فالتقوا في شعبان على حربى ، فانهزم سيف الدولة إلى الموصل ، وتبعه توزون ، ففر بنو حمدان والخليفة إلى نصيبين ، فدخل توزون الموصل ومعه ابن شيرزاد ، فاستخلص من أهلها مائة ألف دينار . وراسل المتقي توزون في الصلح ، وقال : ما خرجت من بغداد بأهلي إلا بلغني أنك اتفقت مع البريدي علي .

والآن فقد آثرت رضاي فصالح ابني حمدان ، وأنا أرجع إلى داري . وأشار ابن شيرزاد على توزون بالصلح . وتواترت الأخبار أن أحمد بن بويه نزل واسطاً وهو يريد بغداد .

فأجاب توزون إلى الصلح ، ورجع إلى بغداد . وكان السفير بينهم يحيى بن سعيد السوسي ، فحصل له مائة ألف دينار . وعقد توزون للبلد على ناصر الدولة ثلاث سنين بثلاثة آلاف ألف درهم .

وفيها قتل أبو عبد الله البريدي أخاه أبا يوسف ، ثم مات بعده بيسير . وفيها ولى الإخشيد الحسين بن لؤلؤ إمرة دمشق ، فبقي عليها سنةً وأشهراً . ثم نقله إلى حمص ، وأمر عليها يانس المؤنسي .

وفيها ولّى ناصر الدولة ابن عمه الحسين بن سعيد بن حمدان قنسرين والعواصم ، فسار إلى حلب . وفيها كتب المتقي إلى صاحب مصر الإخشيد أن يحضر إليه ، فخرج من مصر وسار إلى الرقة ، وبها الخليفة ، فلم يُمكن من دخولها لأجل سيف الدولة ، فإنه كان مبايناً له . فمضى إلى حران ، واصطلح مع سيف الدولة ، وبان للمتقي من بني حمدان الملل والضجر منه ، فراسل توزون واستوثق منه .

واجتمع الإخشيد بالمتقي على الرقة ، وأهدى إليه تحفاً وأموالاً . وبلغه مراسلته لتوزون فقال : يا أمير المؤمنين أنا عبدك وابن عبدك ، وقد عرفت الأتراك وغدرهم وفجورهم ، فالله الله في نفسك . سر معي إلى الشام ومصر ، فهي لك وتأمن على نفسك .

فلم يقبل . فقال : أقم ههنا وأمدك بالأموال والرجال . فلم يقبل .

فعدل الإخشيد إلى الوزير ابن مقلة وقال : سر معي . فلم يفعل مراعاة للمتقي . فكان ابن مقلة يقول : يا ليتني قبلت نصح الإخشيد .

ورجع الإخشيد إلى بلاده . وفيها قُتل حمدي اللص ، وكان فاتكاً . ضمنه ابن شيرزاد اللصوصية ببغداد في الشهر بخمسة وعشرين ألف دينار .

فكان يكبس بيوت الناس بالمشعل والشمع ، ويأخذ الأموال . وكان أسكورج الديلمي قد ولي شرطة بغداد ، فأخذه ووسطه . وفيها دخل أحمد بن بويه واسطاً ، وهرب أصحاب البريدي إلى البصرة .

وفي شوال كان توزون ببغداد على سرير المُلك ، فعرض له صرعٌ ، فوثب ابن شيرزاد فأرخى بينه وبين القواد ستراً وقال : قد حدثت للأمير حمى . ولم يحج في هذه السنة أحدٌ لموت القرمطي ، وهو أبو طاهر سليمان بن أبي سعيد الجنابي ، بهجر في رمضان بالجدري . وهو الذي قتل الحجيج واستباحهم مرات ، واقتلع الحجر الأسود ، وبقي بعده أبو القاسم سعيد .

وكان أبوه يحبه ويرجحه للأمر من بعده ، وأوصى : إن حدث بي موتٌ ، فالأمر إلى ابني سعيد إلى أن يكبر أبو طاهر ، فيُعيد سعيد إليه الأمر . وكان أبو سعيد قد عتى وتمرد ، وأخاف العباد ، وهزم الجيوش ، وكان قد أسر فيمن أسر خادماً ، فحسنت منزلته عنده حتى صار على طعامه وشرابه . وكان الخادم ينطوي على إسلام ، فلم ير أبا سعيد يصلي صلاةً ، ولا صام شهر رمضان .

فأبغضه وأضمر قتله ، فخلاه وقد دخل حماماً في الدار ووثب عليه بخنجر فذبحه ، ثم خرج ودعا بعض قواد أبي سعيد فقال له : كلم أبا سعيد . فلما حصل ذبحه . ثم استدعى آخر ، ففعل به كذلك حتى فعل ذلك بجماعة من الكبار ، وكان شجاعاً قوياً جلداً .

ثم استدعى في الآخر رجلاً ، فدخل في أول الحمام ، فإذا الدماء تجري ، فأدبر مسرعاً وصاح ، فتجمع الناس - وقد مر ذلك في سنة إحدى وثلاثمائة - وأخذ سعيد ذلك الخادم ، فقرض لحمه بالمقاريض إلى أن مات . فلما كان في سنة خمس وثلاثمائة سلم سعيد الأمر إلى أخيه أبي طاهر ، فاستجاب لأبي طاهر خلق وافتتنوا به ، بسبب أنه دلهم على كنوز كان والده أطلعه عليها وحده ، فوقع لهم أنه علم غيب ، وتخير موضعاً من الصحراء وقال : أريد أن أحفر ههنا عيناً . فقيل له : هنا لا ينبع ماء .

فخالفهم وحفر فنبع الماء فازدادت فتنتهم به . ثم استباح البصرة ، وأخذ الحجيج ، وفعل العظائم ، وأرعب الخلائق وكثرت جموعه ، وتزلزل له الخليفة . وزعم بعض أصحابه أنه إله ، ومنهم من زعم أنه المسيح ، ومنهم من قال هو نبي .

وقيل : هو المهدي ، وقيل : هو الممهد للمهدي . وقد هزم جيش الخليفة المقتدي غير مرة ، ثم إنه قصد بغداد ليأخذها فدفع الله شره . وقد قتل بحرم الله - تعالى - مقتلة عظيمة لم يتم مثلها قط في الحرم .

وأخذ الحجر الأسود . ثم لم يُمهله الله بعد ذلك . فلما أشفى على التلف سلم ملكه إلى أبي الفضل بن زكريا المجوسي العجمي .

قال محمد بن علي بن رزام الكوفي : قال لي ابن حمدان الطبيب : أقمت بالقطيف أعالج مريضاً فقال لي رجل : انظر ما يقول الناس . يقولون : إن ربهم قد ظهر . فخرجت ، فإذا الناس يهرعون ، إلى أن أتينا دار أبي طاهر سليمان القرمطي ، فإذا بغلامٍ حسن الوجه ، دري اللون ، خفيف العارضين ، له نحو عشرين سنة ، وعليه عمامة صفراء تعميم العجم ، وعليه ثوب أصفر ، وفي وسطه منديل وهو راكب فرساً شهباًء ، والناس قيام ، وأبو طاهر القرمطي وإخوته حوله .

فصاح أبو طاهر بأعلى صوته : يا معشر الناس ، من عرفني فقد عرفني ، ومن لم يعرفني فأنا أبو طاهر سليمان بن الحسن . اعلموا أنا كنا وإياكم حميرا ، وقد من الله علينا بهذا ، وأشار إلى الغلام ؛ هذا ربي وربكم ، وإلهي وإلهكم ، وكلنا عباده والأمر إليه ، وهو يملكنا كلنا . ثم أخذ هو والجماعة التراب ، ووضعوه على رؤوسهم ؛ ثم قال أبو طاهر : اعلموا يا معشر الناس ، إن الدين قد ظهر ، وهو دين أبينا آدم ، وكل دين كنا عليه فهو باطل .

وجميع ما توصلت به الدعاة إليكم فهو باطل وزور من ذكر موسى ، وعيسى ، ومحمد . إنما الدين دين آدم الأول ، وهؤلاء كلهم دجالون محتالون فالعنوهم . فلعنهم الناس .

وكان أبو الفضل المجوسي ، يعني الغلام الأمرد ، قد سن لهم اللواط ونكاح الأخوات ، وأمر بقتل الأمرد الممتنع . وكان أبو طاهر يطوف هو والناس عراةً به ويقولون : إلهنا عز وجل . قال ابن حمدان الطبيب : أدُخلت على أبي الفضل فوجدت بين يديه أطباقاً عليها رؤوس جماعة ، فسجدتُ له كعادتهم والناس حوله قيام وفيهم أبو طاهر ، فقال لأبي طاهر : إن الملوك لم تزل تُعدّ الرؤوس في خزائنها فسلوه ، وأشار إلي ، كيف الحيلة في بقائها بغير تغيير ؟ فسألني أبو طاهر فقلت : إلهنا أعلم ، ويعلم أن هذا الأمر ما علمته .

ولكن أقول على التقدير إن جملة الإنسان إذا مات يحتاج إلى كذا وكذا صبر وكافور . والرأس جزءٌ من الإنسان ، فيؤخذ بحسابه . فقال أبو الفضل : ما أحسن ما قال .

قال ابن حمدان : وما زلت أسمع الناس تلك الأيام يلعنون إبراهيم ، وموسى ، ومحمداً ، وعلياً ، وأولاده ، ورأيت المصحف ُيمسح به الغائط . وقال أبو الفضل يوما لكاتبه ابن سنبر : اكتب كتاباً إلى الخليفة فصلِّ لهم على محمد ، وبجل لهم جناب المنورة . قال ابن سنبر : والله ما تنبسط يدي لذلك .

وكان لأبي طاهر أخت فاقتضها أبو الفضل ، وذبح ابناً لها في حجرها ، وقتل زوجها ، ثم عزم على قتل أبي طاهر ، فبلغ ذلك أبا طاهر ، فأجمع رأيه ورأي ابن سنبر ووالدة أبي طاهر على أن يمتحنوه ويقتلوه . فأتياه فقالا : يا إلهنا ، إن فرجة أم أبي طاهر قد ماتت ، ونشتهي أن تحضر لنشق جوفها ونحشوه جمراً - وكان قد شرع لهم ذلك - ، فمضى معهما ، فوجد فرجة مسجاة ، فأمر بشق بطنها . فقال أبو طاهر : يا إلهي أنا أشتهي أن تحييها لي .

قال : ما تستحق فإنها كافرة . فعاوده مراراً ، فاستراب وأحس بتغيرهما عليه ، فقال : لا تعجلا علي ودعاني أخدم دوابكما إلى أن يأتي أبي ، فإني سرقت منه العلامة ، فيرى في رأيه . فقال له ابن سنبر : ويلك هتكت أستارنا وحريمنا ، وكشفت أمرنا ، ونحن نرتب هذه الدعوة من ستين سنة ، لا يعلم ما نحن فيه .

فأنت لو رآك أبوك على هذه الحالة لقتلك ، قم يا أبا طاهر فاقتله . قال : أخشى أن يمسخني . فقام إليه سعيد أخو أبي طاهر فقتله وأخرج كبده ، فأكلتها أخت أبي طاهر .

ثم جمع ابن سنبر الناس وذكر حقه فيهم ، لأنه كان شيخهم ، وقال لهم : إن هذا الغلام ورد بكذبٍ سرقه من معدن حقّ ، وعلامةٍ موّه بها ، فأطعناه لذلك . وإنا وجدنا فوقه غلاماً ينكحه فقتلناه . وقد كنا نسمع أنه لا بد للمؤمنين من فتنةٍ عظيمة يظهر بعدها الحقّ ، وهذه هي .

فارجعوا عن نكاح المحرمات ، وأطفئوا بيوت النيران ، واتركوا اتخاذ الغلمان ، وعظموا الأنبياء - عليهم السلام - فضج الناس بالصياح وقالوا : كل يوم تقولون لنا قولاً ؟ فأنفق أبو طاهر أموالاً ، كان جمعها أبو الفضل ، في أعيان الناس فسكتوا . قال ابن حمدان الطبيب : وبعد قتل أبي الفضل اتصلت بخدمة أبي طاهر ، فأخرج إلي يوماً الحجر الأسود وقال : هذا الذي كان المسلمون يعبدونه ؟ قلت : ما كانوا يعبدونه . فقال : بلى .

فقلت : أنت أعلم . وأخرجه إلي يوماً وهو ملفوف بثياب دبيقي ، وقد طيبه بالمسك ، فعرفنا أنه معظم له . ثم إنه جرت بين أبي طاهر وبين المسلمين حروب وأمور ، وضعف جانبه ، وقتل من أصحابه في تلك الوقعات خلق وقلوا ، فطلب من المسلمين الأمان على أن يردّ الحجر الأسود وأن لا يتعرض للحجاج أبداً .

وأن يأخذ على كل حاج ديناراً ويخفرهم . فطابت قلوب الناس وحجوا آمنين . وحصل له أضعاف ما كان ينتهبه من الحاج .

وقد كان هذا الملعون بلاءً عظيماً على الإسلام وأهله ، وطالت أيامه . ومنهم من يقول : إنه هلك عقيب أخذه الحجر الأسود . والظاهر خلاف ذلك .

فلما ضعف أمر الأمة ، ووهت أركان الدولة العباسية ، وتغلبت القرامطة والمبتدعة على الأقاليم ، قويت همة صاحب الأندلس الأمير عبد الرحمن بن محمد الأموي المرواني ، وقال : أنا أولى الناس بالخلافة . وتسمى بأمير المؤمنين . وكان خليقاً بذلك .

فإنه صاحب غزوٍ وجهاد وهيبة زائدة استولى على أكثر الأندلس ، ودانت له أقطار الجزيرة . فأما أبو يوسف البريدي فكان ينكر على أخيه أبي عبد الله ، ويُطلق لسانه فيه ، ويعامل عليه أحمد بن بويه وتوزون ، وينسبه إلى الغدر والظلم والجبن والبخل ، فاستدعاه أخوه عبد الله إلى الدار بالبصرة ، وأقعد له جماعةً في الدهليز ليقتلوه . فلما دخل ضربوه بالسكاكين ، فلامه بعض إخوته فقال : اسكت وإلا ألحقتك به .

ثم مات بعده بثمانية أشهر ؛ ووُجد له ألف ألف دينار ومائتا ألف دينار ، وعشرة آلاف ألف درهم . ومن الفرش وغيرها ما قيمته ألف ألف دينار وألف رطل ند ، وألفا رطل هندي ، وعشرون ألف رطل عود . وقد تقدم من أخباره .

وسيذكر في العام الآتي .

موقع حَـدِيث