سنة أربعمائة
سنة أربعمائة . نقص في ربيع الآخر نهر دجلة نقصانا لم يعهد مثله ، وامتنع سير السفن من أوانا والراشدية من أعالي دجلة ، وأكريت لأجل جزائر ظهرت ، ولا يعلم أن كري دجلة وقع قبل ذلك . وفيها عمل أبو محمد الحسن بن الفضل بن سهلان على مشهد علي سورا منيعا من ماله ، لكثرة من يطرقه من الأعراب ، وتحصن المشهد .
وفي رمضان أرجف بالقادر بالله بموته ، فجلس للناس يوم الجمعة وعليه البردة ، وبيده القضيب ، وقبل الشيخ أبو حامد الإسفراييني الأرض ، فسأل أبو الحسن بن حاجب النعمان مسألة الخليفة أن يقرأ آيات من القرآن يسمعها الناس ، فقرأ عند ذلك بصوت عال لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ الآيات . وفيها ورد الخبر إلى العراق بأن الحاكم أنفذ إلى دار جعفر الصادق بالمدينة من فتحها وأخذ ما فيها ، ولم يتعرض لهذه الدار أحد ، وكان الحاكم قد أنفذ رجلا ومعه صلات للعلويين وزادهم ، وأمره أن يجمعهم ويعلمهم إيثاره لفتح هذه الدار ، والنظر إلى ما فيها من آثار جعفر بن محمد ، وحمل ذلك إليه ليراه ويرده ، ووعدهم على ذلك بالإكرام ، فأجابوه ، ففتحت ، فوجد فيها مصحف وقعب من خشب مطوق بحديد ، ودرقة خيزران وحربة وسرير ، فحمل ذلك ، ومضى معه جماعة من الحسينيين ، ولما وصلوا إلى مصر أعطاهم مبلغا ، ورد عليهم السرير وأخذ الباقي ، وقال : أنا أحق به . وأمر بعمارة دار العلم ، وأحضر فيها الفقهاء والمحدثين .
وعمر أيضا الجامع الحاكمي بالقاهرة ، واتصل الدعاء له ، فبقي كذلك ثلاث سنين ، ثم أخذ يقتل أهل العلم ، وأغلق دار العلم ، ومنع من كل ما يفعل من الخير ، إلى أن قتل سرا . وحج بالناس من العراق أبو الحارث محمد بن محمد بن عمر العلوي الكوفي . وفيها غزا محمود بن سبكتكين الهند ، فكانت وقعة نارين ، ونصر الله الإسلام ، فله الحمد ، وغنم المسلمون ما لا يحد ولا يوصف ، وطلب صاحب الهند الهدنة ، وبعث بتحف وتقادم مع أقاربه .
قال أبو النصر محمد بن عبد الجبار في سيرة السلطان محمود : نشط السلطان في سنة أربعمائة لغزو الهند تقربا إلى الله ، فنهض يحث الخيول ، ويخترق الحزون والسهول ، إلى أن توسط ديار الهند فاستباحها ، ونكس أصنامها ، وأوقع بعظيم العلوج وقعةً أفاء الله عليه بها أمواله ، وأغنمهم خيوله وأفياله ، وحكم فيها سيوف أوليائه ، يحرسونهم ما بين كل سبسب وفدفد ، ويجزرونهم عند كل مهبط ومصعد ، ورد إلى غزنة بالغنائم ، فلما رأى ملك الهند ما صب الله عليه وعلى أهل مملكته من سوط العذاب بوقائع السلطان ، أيقن أنه لا قبل له بثقل وطأته ، فأرسل إليه أعيان أقاربه ضارعا إليه في هدنة يقف فيها عند أمره ، ويسمح بماله ووفره ، على أن يقود إليه بادئ الأمر خمسين فيلا ، ويحمل معها مالا عظيم الخطر ، بما يضاهيه من مبار تلك الديار ، ومتاع تلك البقاع ، وعلى أن يناوب كل عام من أفناء عسكره في خدمة باب السلطان بألفي رجل ، إلى إتاوة معلومة يلتزمها كل سنة ، سنة يتمسك بها من يرث مكانه ويقوم في كفالة الملك مقامه . فأوجب السلطان إجابته ببذل طاعته ، وإعطائه الجزية عن يده ، وبعث إليه من طالبه بتصحيح المال ، وقود الأفيال ، فنفذ ما وعد ، وانعقدت الهدنة ، وتتابعت القوافل من خراسان والهند ، ولله الحمد . وبقيت جبال الغور في وسط ممالك السلطان محمود ، وبها قوم من الضلال الخالين عن سمة الإسلام يخيفون السبيل ، ويتمنعون بتلك الجبال الشواهق ، فأهم السلطان شأنهم ، وصمم على تدويخ ديارهم وانتزاع بعرة الاستطالة من رؤوسهم ، فاجلب عليهم بخيله ورجله ، وقدم أمامه والي هراة ألتونتاش ، ووالي طوس أرسلان ، فسارا مقتحمين مضايق تلك المسالك ، إلى مضيق قد غص بالكماة ، فتناوشوا الحرب تناوشا بطلت فيه العوامل إلا الصوارم في الجماجم والخناجر في الحناجر ، وتصابر الفريقان ، حتى سالت نفوس ، وطارت رؤوس ، فلحقهم السلطان في خواص أبطاله ، وجعل يلجئهم إلى ما وراءهم شيئا فشيئا ، إلى أن فرقهم في عطفات الجبال ، واستفتح المجال إلى عظيم الكفرة المعروف بابن سورى ، فغزاه في عقر داره ، وأحاط ببلده ، وتقيد عليه ، فبرز الرجل في عشرة آلاف كأنما خلقوا من حديد ، وكأن أكبادهم الجلاميد ، يستأنسون بأهل الوقائع استئناس الظمأ بماء الشرائع ، ودام القتال إلى نصف النهار ، فأمر السلطان بتوليتهم الظهور استدراجا ، فاغتروا وانقضوا عن مواقفهم ، واغتنموا الفرصة ، فكرت عليهم الخيول بضربات غنيت بذواتها عن أدواتها ، فلم ترتفع منها واحدة إلا عن دماغ منثور ، ونياط مبتور ، وصرع في المعركة رجال كهشيم المحتضر ، أو أعجاز نخل منقعر ، وأسر ابن سورى وسائر حاشيته ، وأفاء الله على السلطان ما اشتمل عليه حصنه من ذخائره التي اقتناها كابرا عن كابر ، وورثها كافرا عن كافر ، وأمر السلطان بإقامة شعار الإسلام فيما افتتحه من تلك القلاع ، فأصفحت بالدين المنابر ، واشترك في عز دعوته البادي والحاضر ، ولعظم ما ورد على ابن سورى ، مص فص خاتم مسموم ، فأتلف نفسه ، وخسر الدنيا والآخرة .
وأما الأندلس فتم فيها فتن هائلة ، وانقضت أيام الأمويين ، وتفرقت الكلمة . وفي ربيع الأول دخل البربر والنصارى قرطبة ، فقتلوا من أهلها أزيد من ثلاثين ألفا ، وتملكها سليمان الأموي المستعين ، واستقر بها سبعة أشهر ، ثم بلغه أن المهدي الأموي ، وهو ابن عمه ، قد استنجد بالنصارى لأخذ الثأر منه ، فتأهب ، ثم وقع بينهم مصاف ، فانهزم البربر والمستعين ، وذلك في رابع شوال ، ودخل المهدي قرطبة بدولته الثانية ، فصادرهم ، وفعل الأفاعيل ، وخرج يتتبع البربر ، فكروا عليه فهزموه ، واستبيح عسكره ، وقتل نحو العشرين ألفا من أهل قرطبة ، فإنا لله وإنا إليه راجعون .