سنة تسع وأربعمائة
سنة تسع وأربعمائة في المحرم قُرئ بدار الخلافة كتاب بمذاهب السُنة وفيه : من قال القرآن مخلوق فهو كافر حلال الدم إلى غير ذلك من أصول السنة . وفيها زاد ماء البحر إلى أن وصل إلى الأُبُلة ، ودخل إلى البصرة . وفيها ورد سلطان الدولة إلى بغداد .
وفيها غزا السلطان محمود الهند ، وافتتح مدينتي مهرة وقنوج ، وكان فتحا عزيزا ، وبين ذلك وبين غَزْنَة مسيرة ثلاثة أشهر . قال أبو النصر في تاريخه : عدل السلطان بعد أخذ خوارزم إلى بُسْت ثم إلى غزْنة ، فاتفق أن حشد إليه من أدنى ما وراء النهر زهاء عشرين ألفا من المطوعة ، فحرك من السلطان محمود نفيرهم ، ورد من نفوس المسلمين تكبيرهم ، واقتضى رأيه أن يزحف بهم إلى قنوج ، وهي التي أعيت الملوك غير كشتاسب على ما زعمته المجوس ، وهو ملك الملوك في زمانه ، فزحف السلطان بهم وبجنوده وعبرَ مياه سيحون وتلك الأودية التي تجل أعماقها عن الوصف ، ولم يطأ مملكة من تلك الممالك إلا أتاه الرسول واضعا خد الطاعة ، عارضا في الخدمة كنه الاستطاعة إلى أن جاء جنكي بن سمهي صاحب درب قشمير عالما بأنه بعثُ الله الذي لا يرضيه إلا الإسلام أو الحسام ، فضمن إرشاد الطريق ، وسار أمامه هاديا . فما زال يفتتح الصياصي والقلاع حتى مر بقلعة هردب ، فلما رأى ملكُها الأرض تموج بأنصار الله ومن حولها الملائكة ، زُلْزِلت قدَمُه ، وأشفق أن يُراقَ دمه ، ورأى أن يتقي بالإسلام بأس الله ، وقد شُهِرت حدوده ونُشِرت بعذبات العذاب بنوده ، فنزل في عشرة آلاف منادين بدعوة الإسلام .
ثم سار بجيوشه إلى قلعة كلجند ، وهو من رؤوس الشياطين ، فكانت له ملحمة عظيمة ، هلك فيها من الكُفار خمسون ألفا ، من بين قتيل وحريق وغريق . فعمد كلجند إلى زوجته فقتلها ، ثم ألحق بها نفسه ، وغنم السلطان مائة وخمسة وثمانين فيلا . ثم عطف إلى البلد الذي يسمى المتعبد وهو مهرة الهند يطالع أبنيتها التي تزعم أهلها أنها من بناء الجن ، فرأى ما يخالف العادات ، وتفتقر روايتها إلى الشهادات ، وهي مشتملة على بيوت أصنام بنقوش مبدعة ، وتزاويق تخطف البصر .
قال : وكان فيما كتب به السلطان : أنه لو أراد مُريد أن يبني ما يعادل تلك الأبنية لعجز عنها بإنفاق مائة ألف ألف درهم في مدة مائتي سنة على أيدي عَمَلَة كَمَلَة ومَهَرة سَحرة . وفي جملة الأصنام خمسة من الذهب معمولة طول خمسة أذرُع ، عينا واحد منها ياقوتتان قيمتهما خمسون ألف دينار بل أزيد ، وعلى آخر ياقوتة زرقاء وزنها أربعمائة وخمسون مثقالا ، فكان جملة الذهبيات الموجودة على أحد الأصنام المذكورة ثمانية وتسعين ألف مثقال . ثم أمر السلطان بسائر الأصنام فَضُربَت بالنفط ، وحاز من السبايا والنهاب ما تعجز عنه أناملُ الحُساب .
ثم سار قُدُما يروم قنوج وخلف معظم العسكر ، فوصل إليها في شعبان سنة تسع ، وقد فارقها الملك راجيبال منهزما ، فتتبع السلطان قلاعها ، وكانت سبعا على البحر ، وفيها قريب من عشرة آلاف بيت من الأصنام ، يزعم المشركون أنها متوارثة منذ مائتي ألف سنة إلى ثلاثمائة ألف سنة كذبا وزورا ، ففتحها كلها في يوم واحد ، ثم أباحها لجيشه فانتهبوها . ثم ركض منها إلى قلعة البراهمة وتعرف بمنج فافتتحها وقتل بها خلقا كثيرا . ثم افتتح قلعة جنداري ، وهي ممن يُضرب المثل بحصانتها .
وذكر أبو النصر ذلك مطولا مفصلا بعبارته الرائقة ، فأسهب وأطنب . فلقد أقر عين السامع ، وسر المسلم بهذا الفتح العظيم الجامع ، فلله الحمد على إعلاء كلمة الإسلام ، وله الشكر على إقامة هذا السلطان الهُمام . وبعد الأربعمائة كان قد غلب على بلاد ما وراء النهر إيلك خان أخو صاحب التُرك طُغَان الكبير ، وهما مهادنان للسلطان يمين الدولة محمود بن سُبُكْتكين ، فقويت نفوسهما عليه ، ومكرا وراوغا ، وبقي كل منهما يحيل على الآخر ، فبعثوا رُسُلهم ، فأكرم الرُّسُلَ ، وأظهر الزينة ، وعرض جيشه .
قال أبو النصر محمد بن عبد الجبار : فأمر بتعبئة جيوشه وتغشية خيوله . ورتب العسكر سِماطين في هيئة لو رآها قارون قال : يا ليت لي مثل ما أوتي محمود . فصف نحو ألفي غلام تُرك في ألوان الثياب ، ونحو خمسمائة غلام بقُربه بمناطق الذهب المرصعة بالجواهر ، وبين أيديهم أربعون فيلا من عظام الأفيلة بغواشي الديباج ، ووراء السماطين سبعمائة فيل في تجافيف مشهرة الألوان ، وعامة الجيش في سرابيل قد كدت القيون وردت العيون ، وأمامهم الرجال بالعُدد ، وقام في القلب كالبدر في ظُلمة الديجور ، وأذِن للرُسُل حينئذ ، ثم عُدل بهم إلى الموائد في دار مفروشة بما لم يُحك عن غير الجنة ، ففي كل مجلس دُسُوت من الذهب من جِفان وأطباق فيها الأواني الفائقة والآلات الرائقة .
وهيأ لخاص مجلسه طارم قد جُمِعَتْ ألواحه وعضاداته بضباب الذهب وصفائحه ، وفُرِش بأنواع الديباج المذهب ، وفيه كُوات مضلعة تشتمل على أنواع الجواهر التي أَعْيَت أمثالها أكاسرة العجم وقياصرة الروم وملوك الهند وأقيال العرب . وحوالي المجلس أطباق ثخان من الذهب مملوءة من المِسْك والعنبر والعود ، وأواني لم يُسمع بمثلها . ثم جهز الرُّسُل .
ووقع بين الأخوين وتنافرا مدة لسعادة الإسلام وسلطانه يمين الدولة ، وكان على مملكة خوارزم الملك مأمون بن مأمون قد وليها بعد أخيه علي . فزوجه السلطان محمود بأخته ثم طلب منه أن يذكر اسمه في الخطبة معه ، فأجاب ، وامتنع من الإجابة نائبه وكُبراء دولته ، ولاموه ، ثم إنهم قتلوه غيلة فغضب السلطان وسار بجيوشه لحربهم فالتقاهم بظاهر خوارزم فظفر بهم ، فسمر جماعةً من الأمراء ، واستناب على خوارزم حاجبه الكبير ألتونتاش وصفت له مملكة خُراسان وسجِسْتان وغَزنة وخوارزم والغور ، وافتتح نصف إقليم الهند في عدة غزوات . وكانت سلطنته بضْعا وثلاثين سنة كما سيأتي في ترجمته .