سنة أربع وعشرين وأربعمائة
سنة أربع وعشرين وأربعمائة فيها هُنئ الخليفة بالعافية من جدري أصابه ، وكتم ذلك إلى أن عُوفي . وكبس البرجمي دربا وأخذ أموالا . وتفاوض الناس أن جماعة من الجند خرجوا إليه وواكلوه ، فخاف الناس ونقلوا الأموال إلى دار الخلافة ، وواصلوا المبيت في الأسواق والدروب ، فقتل صاحب الشرطة بباب الأزج ، واتصلت العملات .
وأخذ من دار تاجر ما قيمته عشرة آلاف دينار ، وبقي الناس لا يتجاسرون على تسميته إلا أن يقولوا : القائد أبو علي . وشاع عنه أنّه لا يتعرض لامرأة ، ولا يمكن أحدا من أخذ شيء عليها أو معها . فخرج جماعة من القواد والجند وطلبوه لمّا تعاظم خطره وزاد بلاؤه .
فنزلوا الأجمة التي يأوي إليها ، وهي أجمة ذات قصب كثير تمتد خمسة فراسخ ، وفي وسطها تل اتخذه معقلا ، ووقفوا على طرقها . فخرج البرجمي وعلى رأسه عمامة فقال : من العجب خروجكم إلي وأنا كل ليلة عندكم ، فإن شئتم أن ترجعوا وأدخل إليكم ، وإن شئتم أن تدخلوا فافعلوا . ثم زادت العملات والكبسات ، ووقع القتال في القلائين وفي القنطرتين ، وأحرقت أماكن وأسواق ومساجد ، ونهب درب عون وقلعت أبوابه ، ودرب القراطيس ، وغير ذلك .
ثم ثارت الجند ووقعوا في السلطان ، وأنهم ضائعون ، واجتمعوا وراسلوه أن ينتقل إلى واسط أو البصرة ، واعتقلوه وأنزلوه سميرية وابتلت ثيابه وأهين . ثم رجموه وأخرجوه ومشوا به ثم أعطاه بعض الأتراك فرسه فركبها . وواجههوه بالشتم ، ثم أنزلوه فوقف على العتبة طويلا ، ثم أدخل المسجد .
ثم تآمروا على نقله إلى دار المهلبية . وخرج القائد أبو الوفاء ومعه عشرون غلاما وحاشية الدار والعوام ومن تاب من العيارين ، وهجموا على الأتراك فتفرقوا ، وأخذوه من أيديهم وأعادوه إلى داره ، وكان ذلك في رمضان . ثم عبر في آخر الليل إلى الكرخ ، فتلقاه أهلها بالدعاء ، فنزل في الدار التي للشريف المرتضى .
ثم اجتمع الأتراك وعزموا على عقد الجسر والعبور إلى الكرخ ؛ ليأخذوا الملك . ثم وقع بينهم الخلف وقالوا : ما بقي من بني بويه إلا هذا ، وابن أخيه أبو كاليجار قد سلم الأمر إليه ومضى إلى فارس . ثم كتبوا إليه رقعة : نحن عبيدك وقد ملَّكناك أمورنا من الآن ، وقد تعدينا عليك ، ولكن نكلمك في مصالحنا ، فتعتذر إلينا ولا نجد لذلك أثرا ، ولك ممالك كثيرة فيجوز أن تطرح ذلك مدة ، وتوفر علينا هذه الصبابة من المادة ، والصواب أن لا تخالفنا .
وأنفذوا الرقعة إلى المرتضى ليعرضها عليه ، فأجاب بأنّا معترفون لكم بما ذكرتم ، وما يحصل لنا نصرفه إليكم . فلما وصل القول نفروا وقالوا : هذا غرضه المدافعة . ثم حلفوه على صلاح النية ، وبعد ذلك دخلوا وقبلوا الأرض بين يديه ، وهو في دار المرتضى ، وسألوه الصفح ، وركب معهم إلى دار المملكة .
ثم زاد أمر العملات والكبسات ، وتعدوا إلى الجانب الشرقي فأفسدوا . ووقع القتال ، وحمل العيارون السلاح ، وكثر الهرج . ثم ثار العوّام إلى جامع الرصافة ببغداد فمنعوا من الخطبة ، ورجموا القاضي أبا الحسين ابن الغريق ، وقالوا : إن خطبت للبرجمي ، وإلا فلا تخطب لخليفة ولا لملك .
ثم أقيم على المعونة أبو الغنائم بن عليّ ، فركب وطاف وقتل ، فوقعت الرهبة . ثم إن بعض القواد أخذ أربعةً من أصحاب البرجمي فاعتقلهم ، فاحتد البرجمي وأخذ أربعة من أصحاب ذلك القائد ، وجاء بهم إلى دار القائد فطرق عليه الباب فخرج ، ووقف خلف الباب فقال له : قد أخذت أربعة من أصحابك فأطلق أصحابي لأطلق أصحابك ، وإلا ضربت أعناقهم وأحرقت دارك . فأطلقهم له .
ومما يشاكل هذا الوهن أن بعض أعيان الأتراك أراد أن يطهر ولده ، فأهدى إلى البرجمي حملانا وفاكهة وشرابا ، وقال : هذا نصيبك من طهور ولدي ؛ يداريه بذلك . ولم يحج العراقيون ولا المصريون أيضا خوفا من البادية . وحج أهل البصرة مع من يخفرهم ، فغدروا بهم ونهبوهم ، فالأمر لله .