حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تاريخ الإسلام

سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة

سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة في المحرم خرجوا ببغداد للاستسقاء . وفي عاشوراء عُلقت المسوح وناحوا ، أقام ذلك العيارون . وفيها ثار أهل الكرخ بالعيارين فهربوا ، وكبسوا دورهم ونهبوا سلاحهم ، وطلبوا من السلطان المعاونة ؛ لأن العيارين نهبوا تاجرا فغضب له أهل سوقه ، فرد العيارون بعض ما أخذوا ، ثم كبسوا دار ابن الفلو الواعظ وأخذوا ماله ، وأخذوا في الكبسات ، وانضاف إليهم مولدوا الأتراك وحاشيتهم .

ثم إن الغلمان صمموا على عزل جلال الدولة وإظهار أمر أبي كاليجار ، وتحالفوا وقالوا : لا بد أن يروح عنا إلى واسط . ثم قطعوا خطبته ، فانزعج وأنفذ سراريه إلى دار الخلافة ، وخير الباقيات في أن يعتقهن ، وطلب من الغلمان أن يخفروه ، وقال : لا أخرج على غير قاعدة . وامتلأ جانبا دجلة بالناس ، وترددت الرسل إلى الملك بالنزوح ، وقال : ابعثوا معي مائة غلام يحرسوني .

فقالوا : بل عشرون . فقال : أريد سفينة تحملني ، ونفقة تُوصلني . فقرروا بينهم إطلاق ستين دينارا نفقة ، فالتزم بعض القواد منها بثلاثة دنانير .

فلما كان الليل خرج نفر من غلمانه إلى عكبرا على وجه المخاطرة فبادر الغلمان إلى دار المملكة فنهبوها . وكتب الملأ إلى أبي كاليجار بما فعلوه من اجتماع الكلمة عليه ، وطلبوا منه من ينوب عنه . فلما بلغه قال : هؤلاء الأتراك يكتبون ما لا يعتقدون الوفاء به ولا يصدقون .

فإن كانوا محقين في طاعتهم فليظهروا شعارنا وليخرجوا من عندهم ، ولا أقل من أن يسيروا إلي منهم خمسمائة غلام لأتوجه معهم . وكان وزيره ابن قبة الذي وقف الكتب على العلماء ، وهي تسعة عشر ألف مجلد ، فيها أربعة آلاف بخط ابن مقلة . ثم اختلت المملكة ، وقطع عن جلال الدولة المادة التي حتى باع من ثيابه الملبوسة في الأسواق ، وخلت داره من حاجب وفراش ، وقطع ضرب الطبل لانقطاع الطبالين ، وتخبط أمر بغداد ، ومد الأتراك أيديهم إلى النهب ، وتشاور القواد أن يخطبوا للملك أبي كاليجار ، وتوقفوا .

وخرج جلال الدولة إلى عكبرا وقصد كمال الدولة أبا سنان فاستقبله أبو سنان وقبل الأرض وقال : خزائني وأولادي لك ، وأنا أتوسط بينك وبين جندك ، وزوجه ابنته . ثم جاءه جماعة من الجند معتذرين ، وأعيدت خطبته . وجاءته رسل الخليفة وهو يستوحش له .

ثم بعث الخليفة القاضي أبا الحسن الماوردي والطواشي مبشرا إلى الأهواز إلى أبي كاليجار . قال الماوردي : فقدمنا عليه فأنزلنا ، وحملت إلينا أموال كثيرة ، وأحضرنا وقد فرشت دار الإمارة ، ووقف الخواص على مراتبهم من جانبي سريره ، وفي آخر الصفين ستمائة غلام دارية بالبزة الحسنة الملونة ، فخدمنا وسلمنا عليه وأوصلنا الكتاب . وتردد القول بين إخبار واستخبار ، وانصرفنا .

ثم جرى القول فيما طلب من اللقب ، واقترح أن يكون اللقب : السلطان الأعظم ، مالك الأمم . قلنا : هذا لا يمكن ؛ لأن السلطان المعظم الخليفة ، وكذلك مالك الأمم . فعدلوا إلى : ملك الدولة .

فقلت : هذا ربما جاز . وأشرت بأن يخدم الخليفة بألطاف ، وقالوا : يكون ذلك بعد التلقيب . قلت : الأوْلى أن يقدم .

ففعلوا . وحملوا معي ألفي دينار ، وثلاثين ألف درهم نقرة ، ومائتي ثوب ديباج ، وعشرين منا عود ، وعشرة أمناء كافور ، وألف مثقال عنبر ، وألف مثقال مسك ، وثلاثمائة صحن صيني . ووقع بإقطاع وكيل الخدمة خمسة آلاف دينار من معاملة البصرة ، وأن يسلم إليه ثلاثة آلاف قوصرة تمر كل سنة .

وأفرد عميد الرؤساء أبو طالب بن أيوب بخمسمائة دينار وعشرة آلاف درهم ، وعشرة أثواب ، وعدنا إلى بغداد ، فرسم لي الخروج إلى جلال الدولة ، فأجريت معه حديث اللقب ، وما سأله الملك . فثقل عليه ذلك ، واقتضى وقوف الأمر . واستمر تأخر الأمطار ، واستسقوا مرتين وما سقوا ، وكان الذين خرجوا إلى الاستسقاء عددا قليلا ، وأجدبت الأرض ، وهلكت المواشي ، وتلف أكثر الثمار .

وكبس رئيس العيارين البرجمي خانا فأخذ ما فيه ، فقوتل ، فقتل جماعة ، وكان يأخذ كل مصعد ومنحدر ، وكبس دارا وأخذ ما فيها وأحرقها . هذا والعسكر ببغداد . واجتمع الخدم ومنعوا من الخطبة للخليفة لأجل تأخر رسم البيعة ، فلم تصل الجمعة ، ثم تلطف في الأمر في الجمعة الآتية .

وفيها حلف الملك للخليفة يمينا حضرها المرتضى وقاضي القضاة ، وركب الوزير أبو القاسم ابن المسلمة من الغد ، فحضر عند الخليفة هو والمرتضى والقاضي ، فحلف للملك وهي : أقسم عبد الله أبو جعفر القائم بأمر الله بالله الذي لا إله إلا هو الطالب الغالب المدرك المهلك ، عالم السر والعلانية ، وحق رسول الله صلى الله عليه سلم ، وحق القرآن العظيم - لأقيمن لركن الدين جلال الدولة أبي طاهر ابن بهاء الدولة أبي نصر على إخلاص النية والصفاء بما يصلح حاله ، ويحفظ عليه مكانه . ولأكونن له على أفضل ما يؤثر من حراسته ، ولوزير الوزراء أبي القاسم وسائر حاشيته ، وإقراره على رتبته . له بذلك عليّ عهد الله وميثاقه ، وما أخذ على ملائكته المقربين ، وأنبيائه المرسلين ، والله يشهد عليّ ، وهذه اليمين مني والنية فيها بنية جلال الدولة .

وفي جمادى الأولى عند تصويب الشمس للغروب انقض كوكب كبير كثير الضوء . وزاد شر العيارين حتى ولي ابن النسوي فردعهم وانكفوا . وهاجت ريح عظيمة ثلاثة أيام احتجبت منها السماء والشمس ، ورمت ترابا أحمر ورملا .

وغلت الأسعار ، وتلفت غلات الموصل ، ولم ترد البذار ، وكذلك الأهواز وواسط . ووصلت الأخبار عن الإحساء وتلك النواحي بأن الأقوات عدمت ، واضطرت الأعراب إلى أكل مواشيهم ثم أولادهم ، حتى كان الواحد يعاوض بولده ولد غيره لئلا تدركه رقة إذا ذبحه . وفي شوال انقض ليلة الاثنين كوكب أضاءت منه الأرض ، وارتاع له العالم ، وكان في شكل الترس ، ولم يزل يقل حتى اضمحل .

وفي شوال سكر جلال الدولة ونزل من داره في سميرية متنكرا إلى دار الخلافة ، ومعه ثلاثة ، وصعد إلى بستان ، ورمى بعض مغنياته القصب ، ودخل منه ، وجلس تحت شجرة ، واستدعى نبيذا يشربه ، وزمر الزامر . فعرف الخليفة ذلك ، فشق عليه وأزعجه . ثم خرج إليه القاضي ابن أبي موسى ، والحاجب أبو منصور بن بكران ، فحدثاه ووقفا بين يديه وقالا : قد سر الخليفة بقرب مولانا وانبساطه ، وأما النبيذ والزمر فلا ينبغي .

فلم يقبل ولا امتنع ، وقال : قل لأمير المؤمنين : أنا عبدك ، وقد حصل وزيري أبو سعد في دارك ، ووقف أمري بذلك فأريد أتسلمه . وأخذوا يدارونه حتى نزل في زبزبه ، وأصعد إلى دار المملكة . واجتمع خلق من الناس على دجلة .

فلما كان من غد استدعى الخليفة المختص أبا غانم ، وأبا الوفاء القائد وقال : إنا قد عرفنا ما جرى أمس ، وإنه أمر زاد عن الحد وتناهى في القبح واحتملناه ، وكان الأوْلى لجلال الدولة أن يتنزه عن فعله وينزهنا عن مثله - في كلام طويل - فإن سلك معنا الطريقة المثلى ، وإلا فارقنا هذا البلد ودبرنا أمرنا . فقبلا الأرض ومضيا إلى الملك ، فركب بعد ذلك في زبزبه ، وأشعر الخليفة بحضوره للاعتذار ، فنزل إليه عميد الرؤساء وخدم ، وقال : تذكر حضوري للخدمة واعتذاري . فرجع الجواب بقبول العذر .

ثم مضى إلى الميدان ولعب بالصولجان . ولم يحج ركب العراق لفساد الطريق ، وورد من مصر كسوة الكعبة ، وأموال للصدقة وصلات لأمير مكة . وورد الخبر بوباء عظيم بالهند وغزنة وأصبهان وجرجان والري ، وأن ذلك قد زاد على مجاري العادة .

وخرج من أصبهان فيه أربعون ألف جنازة ، ومات بالموصل بالجدري أربعة آلاف صبي . وخرجت السنة ومملكة جلال الدولة مشتملة على ما بين الحضرة وواسط والبطيحة ، وليس له من جميع ذلك إلا إقامة الاسم ، وأما الوزارة فخالية عن آمر فيها . وجاء إلى أصبهان مسعود بن محمود بن سُبكتكين فنهب البلد ، وقتل عالما لا يحصى .

موقع حَـدِيث