سنة ست وعشرين وأربعمائة
سنة ست وعشرين وأربعمائة تجدد في المحرم وصول العرب إلى أطراف الجانب الغربي ، فعاثوا ونهبوا . ثم ظهر قوم من العيارين ففتكوا وقتلوا . فنهض أبو الغنائم بن عليّ المتولي فقتل اثنين ، فعاودوا الخروج وقتلوا رجلين ، وقاتلوا أبا الغنائم .
وتتابعت العملات ، فنهض أبو الغنائم ومسك وقتل . ثم عاد الفساد والعيارون يكمنون في دور الأتراك ، ويخرجون ليلا ، وكتب العيارون رقاعا يقولون فيها : إن صُرف أبو الغنائم عنا حفظنا البلد ، وإن لم يصرف ما نترك الفساد . وكبس غلام قراحا للخليفة ونهب من ثمره ، فامتعض الخليفة وكتب إلى الملك والوزير بالقبض عليه وتأديبه ، فتوانوا لضعف الهيبة .
فزاد حنق الخليفة ، فأمر القضاة بالامتناع من الحكم ، والفقهاء من الفتوى ، والخطباء من العقود ، وعمل على غلق الجوامع ، فحمل الغلام ورسم عليه ثم أطلق . وزادت الفتن ، وكثر القتل ، ومنع أهل سوق يحيى من حمل الماء من دجلة إلى أهل باب الطاق والرصافة ، وخذل الأتراك والسلطان في هذه الأمور حتى لو حاولوا دفع فساد لزاد ، وتملك العيارون البلد . وفيها وصل كتاب السلطان مسعود بن محمود بفتح فتحه بالهند ، ذكر فيه أنّه قتل من القوم خمسين ألفاًً ، وسبى سبعين ألفا ، وغنم منهم ما يقارب ثلاثين ألف ألف درهم .
فرجع وقد ملك الغز بلاده ، فأوقع بهم ، وفتح جرجان وطبرستان . واشتد البلاء بالعيارين ، وتجهرموا بالإفطار في رمضان ، وشرب الخمور ، والزنا . وعاد القتال بين أهل المحال ، وكثرت العملات ، واتسع الخرق على الراقع ، وقال الملك : أنا أركب بنفسي في هذا الأمر .
فما التفتوا له ، وتحير الناس ، وعظم الخطب ، وهاجت العرب ، وقطعوا الطرق . وعلمت الروم بوهن المسلمين ، فوصلوا إلى أعمال حلب فاستباحوها ، فالتقاهم شبل الدولة ابن مرداس فهزمهم . ونهبت عرب خفاجة الكوفة ، فلا قوة إلا بالله .