سنة سبع وعشرين وأربعمائة
سنة سبع وعشرين وأربعمائة في المحرم كبس العيارون دارا فأخذوا ما فيها ، ورد أبو محمد ابن النسوي لكشف العملة ، فأخذ هاشميا فقتله ، فثار أهل الناحية ورفعوا المصاحف على القصب ، ومضوا إلى دار الخلافة ، وجرى خطب طويل . وفي ربيع الآخر دخل العيارون بغداد في مائة نفس من الأكراد والأعراب ، فأحرقوا دار ابن النسوي ، وفتحوا خانا وأخذوا ما فيه ، وخرجوا بالكارات على رؤوسهم ، والناس ينظرون . وشغب الجند على جلال الدولة وقالوا : هذا البلد لا يحملنا وإياك ، فاخرج فإنه أولى بك .
قال : كيف يمكنني الخروج على هذه الصورة ؟ أمهلوني ثلاثة أيام حتى آخذ حرمي وولدي وأمضي . فقالوا : لا تفعل . ورموه بآجرة ، فتلقاها بيده ، وأخرى في كتفه ، فاستجاش بالحاشية والعامة ، وكان عنده المرتضى ، والزينبي ، والماوردي ، فاستشارهم في العبور إلى الكرخ كما فعل تلك المرة ، فقالوا : ليس الأمر كما كان ، وأحداث الموضع قد ذهبوا .
وحول الغلمان خيامهم إلى حول الدار وأحاطوا بها ، وبات الناس على أصعب خطة ، فخرج الملك في نصف الليل إلى زقاق غامض ، فنزل إلى دجلة ، وركب سميرية فيها بعض حاشيته ، ومضى إلى دار المرتضى ، وبعث حرمه إلى دار الخلافة ، ونهب الأجناد دار الملك حتى أبوابها وساجها ، وراسلوا الخليفة أن تقطع خطبة جلال الدولة ، فقيل لهم : سننظر ، وخرج الملك إلى أوانا ، ثم إلى كرخ سامراء . ثم خرجوا إليه واعتذروا ومشى الحال . وفي جمادى الآخرة وردت ظلمة طبقت البلد ، حتى كان الرجل لا يرى صاحبه ، وأخذت بالأنفاس حتى لو تأخر انكشافها لهلكوا .
وفي رجب ضحوة نهار انقض كوكب غلب ضوؤه ضوء الشمس ، وشوهد في آخره شيء مثل التنين بلون الدخان ، وبقي نحو ساعة . فسبحان الله العظيم ما أكثر البلاء بالمشرق .