محمد بن منصور بن محمد
محمد بن منصور بن محمد ، الوزير عميد المُلك ، أبو نصر الكُنْدري ، وزير السلطان طُغرلْبك . كان أحد رجال الدهر شهامةً وكتابة وكرما ، قُتل بمَروالروذ في ذي الحجة . وكان قد قطع مذاكيره ودفنها بخُوارزم لأمرٍ وقع له ، فلما قتلوه حملوا رأسه إلى نيسابور ، نسأل الله العافية .
وقد سماه أبو الحسن محمد ابن الصابئ في تاريخه ، وعلي بن الحسن الباخَرْزي في دمْية القصر : منصور بن محمد . وقال أبو الحسن الهمذاني في كتاب الوزراء : أبو نصر محمد بن محمد بن منصور . وكُندُر قرية من نواحي نيسابور بها وُلد سنة خمس عشرة ، وتفقه لأبي حنيفة ، وتأدب ، ثم صحب رئيسا بنيسابور ، فاستخدمه في ضياعه ، ثم استنابه عنه في خدمة السلطان طُغرلْبك ، فطلبه منه ، فدخل في خدمته ، وصار صاحب خبره ، ثم ولاّه خُوارَزم ، وعظُم جاهه ، وعصى بخُوارَزم ، ثم ظفر به السلطان ، ونقم عليه أنه تزوج امرأة ملك خُوارَزم فخصاه .
ثم رقّ له فداواه وعوفي ، واستوزره وله إحدى وثلاثون سنة . وقدِم بغداد ، وأقام بها مدة ، ولقّبه الخليفة سيد الوزراء . ونال من الجاه والحُرمة ما لم ينلْه أحد .
وكان كريما جوادا ، متعصّبا لمذهبه ، معتزليا ، متكلما له النظْم والنثر . فلما مات طُغرلبك وتسلطن ابن أخيه ألب أرسلان أقرّه على وزارته قليلا ، ثم عزله ، واستوزر نظام المُلك . ومن شعره في غلام له : أنا في غمرة حبه وهو مشغول بلعبهْ صانه الله فما أكثر إعجابي بعجبهْ لو أراد الله نفعا وصلاحا لمحبهْ نقلت رقة خديه إلى قسوة قلبهْ وقال أبو الحسن الهمذاني في تاريخه إن ابنة الأعرابي المغنية المشهورة وجوْقتها غنت عميد المُلك ، فأطربته ، فأمر لها بألف دينار ، وأمر لأولئك بألف دينار ، وفرّق في تلك الليلة أشياء ، فلما أصبح قال : كفّارة ما جرى أن أتقرّب بمثل ذلك ، فتصدّق بألفي دينار .
وقال أبو رجاء : أنشد عميد المُلك عند قتله : إن كان بالناس ضيقٌ عن منافستي فالموت قد وسع الدنيا على الناس مضيت والشامت المغبون يتبعني كل بكأس المنايا شاربٌ حاسي وقيل : إنه قال للتركي الذي جاء لكي يقتله : قل للسلطان ألب أرسلان : ما أسعدني بدولة آل سَلجوق ، أعطاني طُغرلبك الدنيا ، وأعطاني ألب أرسلان الآخرة . وكانت وزارته ثمان سنين وثمانية أشهر ؛ وزر لألب أرسلان شهرين وعزله . فتوجّه إلى مروالروذ في صفر سنة سبع وخمسين ، ومعه زوجته وبنته ، أولدها قبل أن يُخصى .
وأخذ ألب أرسلان ضياعه جميعها وآلاته وغلمانه ، وكانوا ثلاثمائة مملوك . ثم كتب له بمائتي دينار في الشهر ، وتركه قليلا ، ثم أرسل إليه من قتله صبرا ، وحمل إليه رأسه ، وله نيّفٌ وأربعون سنة . قلت : ويُقال إن غلامين دخلا عليه ليقتلاه ، فأذنا له ، فودّع أهله ، وصلى ركعتين ، فأرادا خنقه فقال : لست بلصٍّ .
وشرط خرقةً من كمّه وعصب عينيه فضربوا عنقه . وكان متعصبا يقع في الشافعي .