حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تاريخ الإسلام

محمد بن هبة الله بن محمد بن الحسين

محمد بن هبة الله بن محمد بن الحسين ، الإمام أبو سهل ابن جمال الإسلام أبي محمد الموفق ابن القاضي العلاّمة أبي عمر البسطامي ثم النيسابوري . ذكره عبد الغافر فقال : سلالة الإمامة ، وقرة عين أصحاب الحديث ، انتهت إليه زعامة الشافعية بعد أبيه ، فأجراها أحسن مجرى . ووقعت في أيامه وقائع ومحَن للأصحاب .

وكان يقيم رسم التدريس ، لكنه كان رئيسا ، ديّنا ، ذكيا صيّنا ، قليل الكلام . ولد سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة . وسمع من مشايخ وقته بخُراسان ، والعراق ، مثل النصْرويي ، وأبي حسان المزكي ، وأبي حفص بن مسرور .

وكان بيتهم مجمع العلماء وملتقى الأئمة ، فتوفي أبوه سنة أربعين ، فاحتفّ به الأصحاب ، وراعوا فيه حق والده ، وقدّموه للرياسة . وقام أبو القاسم القشيري في تهيئة أسبابه ، واستدعى الكل إلى متابعته ، وطلب من السلطان ذلك فأُجيب ، وأرسل إليه الخلع ولقّب بأبيه جمال الإسلام ، وصار ذا رأي وشجاعة ودهاء ، وظهر له القبول عند الخاص والعام ، حتى حسده الأكابر وخاصموه ، فكان يخصمهم ويتسلط عليهم ، فبدا له خصوم ، واستظهروا بالسلطان عليه وعلى أصحابه ، وصارت الأشعرية مقصودين بالإهانة والطرد والنفي ، والمنع عن الوعظ والتدريس ، وعُزلوا عن خطابة الجامع . ونبغ من الحنفية طائفة أشربوا في قلوبهم الاعتزال والتشيع ، فخيّلوا إلى ولي الأمر الإزراء بمذهب الشافعي عموما ، وتخصيص الأشعرية ، حتى أدى الأمر إلى توظيف اللعنة عليهم في الجُمع ، وامتد الأمر إلى تعميم الطوائف باللعن في الخُطَب .

واستعلى أولئك في المجامع ، فقام أبو سهل أبلغ قيامٍ ، وتردد إلى العسكر في دفع ذلك ، إلى أن ورد الأمر بالقبض على الرئيس الفراتي ، والقشيري ، وأبي المعالي ابن الجويني ، وأبي سهل بن الموفق ، ونفيهم ومنْعهم عن المحافل . وكان أبو سهل غائبا إلى بعض النواحي ، ولما قُرئ الكتاب بنفْيهم أُغري بهم الغوغاء والأوباش ، فأخذوا بأبي القاسم القُشيري والفُراتي يجرّونهما ويستخفّون بهما ، وحُبسا بالقُهُندز . وكان ابن الجويني أحسّ بالأمر ، فاختفى وخرج على طريق كرْمان إلى الحجاز ، وبقيا في السجن مفترقين أكثر من شهر ، فتهيّأ أبو سهل من ناحية باخَرْز ، وجمع من شاكريته وأعوانه رجالا عارفين بالحرب ، وأتى باب البلد ، وطلب تسريح الفراتي والقُشيري ، فما أُجيب ، بل هُدِّد بالقبض عليه ، فما التفت ، وعزم على دخول البلد ليلا ، والاشتغال بإخراجهما مجاهرة ومحاربة ، وكان متولي البلد قد تهيأ للحرب ، فزحف أبو سهل ليلا إلى قرية له على باب البلد ، وهيأ الأبطال ، ودخل البلد مغافصةً إلى داره ، وصاح من معه بالنعرات العالية ، ورفعوا عقائرهم ، فلما أصبحوا ترددت الرسل والنصحاء في الصلح ، وأشاروا على الأمير بإطلاق الرئيس والقُشيري ، فأبى ، وبرز برجاله ، وقصد محلّة أبي سهل ، فقام واحد من أعوان أبي سهل واستدعى منه كفاية تلك النائرة إياه وأصحابه ، فأذن لهم ، فالتقوا في السوق ، وثبت هؤلاء حتى فرغ نشاب أولئك ، ثم حمل هؤلاء عليهم فهزموهم إلى رأس المربعة ، وهموا بأسر الأمير ، وسبّوه وردّوه مجروحا أكثر رجاله ، مقتولا منهم طائفة ، مسلوبا سلاح أكثرهم .

ثم توسط السادة العلوية ، ودخلوا على أبي سهل في تسكين الفتنة ، وأخرجوا الاثنين من الحبس إلى داره ، وباتوا على ظَفَر ، وأحب الشافعية أبا سهل . ثم تشاور الأصحاب بينهم ، وعلموا أن مخالفة السلطان قد يكون لها تبعة ، وأن الخصوم لا ينامون ، فاتفقوا على مهاجرة البلد إلى ناحية أَسْتُوا ، ثم يذهبون إلى الملك . وبقي بعض الأصحاب بالنواحي متفرقين وذهب أبو سهل إلى العسكر بالري ، وخرج خصمه من الجانب الآخر ، وتوافيا بالري وأنهي إلى السلطان ما جرى ، وسعي بأصحاب الشافعي والإمام أبي سهل وجرت مناظرات ، وحبس أبو سهل في قلعة طورك أشهرا ، ثم صودر وأبيعت ضياعه ، ثم عفي عنه ، وأُحيل ببعض ما أُخذ منه ، ووُجّه إليها ، فخرج إلى فارس ، وحصل شيئا من ذلك ، وقصد بيت الله فحج ورجع ، وحسُن حاله عند السلطان ، وأذِن له في الرجوع إلى خُراسان ، وأتى على ذلك سُنون إلى أن تبدل الأمر ، ومات السلطان طُغرلبك ، وتسلطن أبو شجاع ألب أرسلان ، فحظي عنده .

ووقع منه موقعا أرفع مما وقع أبوه من طُغرلبك ، ولاح عليه أنه يستوزره ، فقُصد سرا ، واحتيل في إهلاكه ، ومضى إلى رحمة الله في هذا العام ، وحُمل تابوته إلى نيسابور ، وأظهر أهلها عليه من الجَزَع ما لم يعهد مثله ، وبقيت النوائح عليه مدة بعده . وكانت مراثيه تنشد في الأسواق والأزقة ، وبقيت مصيبته جرْحا لا يندمل ، وأفضت نوبة القبول بين العوام إلى نجله ولم يبق سواه أحد من نسله . وكان إذا حضر السلطان البلد يقدّم له أبو سهل وللأمراء من الحلواء والأطعمة المفتخرة أشياء كثيرة بحيث يتعجّب السلطان والأعوان .

ولقد دخل إليه يوم تلك الفتنة زوج أخته الشريف أبو محمد الحسن بن زيد شفيعا في تسكين النائرة ، فنثر على أقدامه ألف دينار ، واعتذر بأنه فاجأه بالدخول . اختصرت هذا من السياق لعبد الغافر . وذكر غيره أن ألب أرسلان بعثه رسولا إلى بغداد ، فمات في الطريق .

موقع حَـدِيث