محمد بن المظفّر بن بكران بن عبد الصّمد
محمد بن المظفّر بن بكران بن عبد الصّمد ، العلامة قاضي القضاة أبو بكر الشّامي الحموي الفقيه الشافعي . ولد بحماة سنة أربع مائة ، ورحل إلى بغداد شاباً ، فسكنها وتفقّه بها . وسمع الحديث من عثمان بن دوست ، وأبي القاسم بن بشران ، وأبي طالب بن غيلان ، وأبي محمد الخلال ، وأبي الحسن العتيقي ، وجماعة .
روى عنه أبو القاسم ابن السمرقندي ، وإسماعيل بن محمد الحافظ ، وهبة الله بن طاوس المقرئ . وكان دخوله بغداد في سنة عشرين . قال السمعاني : هو أحد المتقنين لمذهب الشافعي ، وله اطّلاع على أسرار الفقه .
وكان ورعاً زاهداً متّقياً . جرت أحكامه على السداد . ولي قضاء القضاة ببغداد بعد موت أبي عبد الله الدامغاني سنة ثمانٍ وسبعين ، إلى أن تغّير عليه المقتدي بالله لأمرٍ ، فمنع الشهود من حضور مجلسه مدّةً ، فكان يقول : ما أنعزل ما لم يتحقّقوا علي الفسق .
ثمّ إنّ الخليفة خلع عليه ، واستقام أمره . وسمعت الفقيه أحمد بن عبد الله ابن الآبنوسي يقول : جاء أمير إلى قاضي القضاة الشّامي ، فادّعى شيئاً ، فقال : بيّنتي فلان والمشطب الفرغاني الفقيه . فقال : لا أقبل شهادة المشطب ، لأنه يلبس الحرير .
فقال : السّلطان ملكشاه ووزيره نظام الملك يلبسانه . فقال : ولو شهدا عندي ما قبلت شهادتهما أيضا . وقال ابن النّجّار : كان قد تفقّه على أبي الطّيّب الطّبري ، وكان يحفظ تعليقته ، وولي قضاء القضاة ، وأبى أن يأخذ على القضاء رزقاً .
ولم يغيّر مأكله ولا ملبسه ، ولا استناب أحداً في القضاء . وكان يسوّي بين الشّريف والوضيع في الحكم ، ويقيم جاه الشّرع . فكان هذا سبب انقلاب الأكابر عنه ، فألصقوا به ما كان منه بريّاً من أحاديث ملفّقة ، ومعاييب مزوّرة .
وصنّف كتاب البيان عن أصول الدّين . وكان على طريقة السّلف ، ورعاً نزهاً . وأنبأنا أبو اليمن الكندي أنّ أحمد بن عبد الله ابن الآبنوسي أخبره، قال : كان لقاضي القضاة الشّامي كيسان ، أحدهما يجعل فيه عمامته ، وهي كتّان ، وقميصاً من القطن الخشن ، فإذا خرج لبسهما .
والكيس الآخر فيه فتيت ، فإذا أراد الأكل جعل منه في قصعة ، وجعل فيه قليلاً من الماء ، وأكل منه . وكان له كارك في الشهر بدينار ونصف ، كان يقتات منه . فلمّا ولي القضاء جاء إنسان فدفع فيه أربعة دنانير ، فأبى ، وقال : لا أغيّر ساكني .
وقد ارتبت بك ؛ لم لا كانت هذه الزيادة قبل القضاء ؟ وكان يشدّ في وسطه مئزراً ، ويخلع في بيته ثيابه ، ويجلس . وكان يقول : ما دخلت في القضاء حتّى وجب علي ، وأعصي إن لم أقبله . وكان طلاب المنصب قد كثروا ، حتّى أنّ أبا محمد التميمي بذل فيه ذهباً كثيراً ، فلم يجب .
وقال سبط الجوزي : لمّا مات الدامغاني سنة ثمانٍ وسبعين أشار الوزير أبو شجاع على الخليفة أن يولّيه القضاء ، فامتنع ، فما زالوا به حتى تقلّده ، وشرط أن لا يأخذ رزقاً ، ولا يقبل شفاعة ، ولا يغيّر ملبوسه ، فأجيب إلى ذلك ، فلم يتغير حاله ، بل كان في القضاء كما كان قبله . وقال ابن السّمعاني : سمعت عبد الوهاب الأنماطي يقول : كان قاضي القضاة الشّامي حسن الطّريقة ؛ ما كان يتبسّم في مجلسه ، ويقعد معبساً ، فلّما منعت الشّهود من حضور مجلسه ، وقعد في بيته ، نفّذ إليه القاضي أبو يوسف القزويني المعتزلي : ما عزلك الخليفة ، إنّما عزلك النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : كيف ذلك ؟ قال : لأنّه قال : لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان . وأنت طول عمرك غضبان .
وقال محمد بن عبد الملك الهمذاني : كان حافظاً لتعليقة أبي الطّيّب ، كأنّها بين عينيه ، لم يقبل من سلطانٍ عطيّة ، ولا من صديقٍ هدية . وكان يعاب بسوء الخلق والحدّة . وقال أبو علي بن سكّرة : ورعٌ زاهدٌ ، وأمّا العلم فكان يقال : لو رفع مذهب الشّافعي أمكنه أن يمليه من صدره .
علّق عنه القاضي أبو الوليد الباجي . وقال عبد الوهاب الأنماطي : كان قاضي القضاة الشّامي حسن الطّريقة ، ما كان يتبسّم في مجلس قضائه . قال السّمعاني : توفي في عاشر شعبان ، ودفن في تربةٍ له عند أبي العبّاس بن سريج .
وله ثمانية وثمانون عاماً .