حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تاريخ الإسلام

محمد بن أبي نصر فتّوح بن عبد الله بن فتّوح بن حميد بن يصل

محمد بن أبي نصر فتّوح بن عبد الله بن فتّوح بن حميد بن يصل ، الحافظ أبو عبد الله الأزدي الحميدي الأندلسي الميورقي ، وميورقة : جزيرة قريبة من الأندلس . سمع بالأندلس ، ومصر ، والشّام ، والحجاز ، وبغداد واستوطنها ، وكان من كبار أصحاب أبي محمد بن حزم الفقيه . قال : ولدت قبل العشرين وأربع مائة .

سمع ابن حزم ، وأخذ عنه أكثر كتبه ، وأبا العباس أحمد بن عمر العذري ، وأبا عمر بن عبد البرّ . ورحل سنة ثمانٍ وأربعين وأربع مائة . فسمع بإفريقيّة كثيراً ، ولقي كريمة بمكّة .

وسمع بمصر القاضي أبا عبد الله القضاعي ، وعبد العزيز ابن الضّرّاب ، وابن بقاء الورّاق ، والحافظ أبا زكريا البخاري ، وبدمشق أبا القاسم الحسين الحنّائي ، وعبد العزيز الكتّاني ، وأبا بكر الخطيب ، وببغداد أبا الغنائم ابن المأمون ، وأبا الحسين ابن المهتدي بالله ، والطّبقة ، وبواسط أبا غالب بن بشران اللّغويّ . ولم يزل يسمع ويكثر حتّى كتب عن أصحاب الجوهري . روى عنه شيخه الخطيب في مصنفاته ، وأبو نصر بن ماكولا ، وأبو علي بن سكّرة ، وأبو الحسن بن سرحان ، وأبو بكر بن طرخان ، وهبة الله ابن الأكفاني ، وأبو القاسم ابن السمرقندي ، والحافظ إسماعيل بن محمد ، وصدّيق بن عثمان التبريزي ، وأبو إسحاق الغنوي ، وأبو الفضل محمد بن ناصر ، وطائفة آخرهم أبو الفتح ابن البطّي .

سمع الكثير ورحل وتعب . وكان من كبار الحفّاظ . وكان ثقة ، متديناً ، بصيراً بالحديث ، عارفاً بفنونه ، خبيراً بالرجال ، لا سيما بأهل الأندلس وأخبارها ، مليح النّظم ، حسن النغمة في قراءة الحديث ، صيّناً ورعاً ، جيّد المشاركة في العلوم .

وكان ظاهري المذهب ، ويسرّ ذلك بعض الشّيء . قال ابن طرخان : سمعته يقول : كنت أحمل للسّماع على الكتف سنة خمسٍ وعشرين وأربع مائة ، وأوّل ما سمعت من الفقيه أبي القاسم أصبغ بن راشد . وكنت أفهم ما يقرأ عليه .

وكان ممّن تفقه على أبي محمد بن أبي زيد . وأصل أبي من قرطبة ، من محلةٍ يقال لها الرصافة ، وسكن جزيرة ميورقة ، وبها ولدت . قال يحيى ابن البنّاء : كان الحميدي من حرصه واجتهاده ينسخ بالليل في الحرّ ، فكان يجلس في إجانة ماءٍ يتبرّد به .

وقال الحسين بن محمد بن خسرو : جاء أبو بكر بن ميمون ، فدق على الحميدي ، وظنّ أنّه قد أذن له فدخل ، فوجده مكشوف الفخذ ، فبكى الحميدي وقال : والله لقد نظرت إلى موضعٍ لم ينظره أحدٌ منذ عقلت . وقال ابن ماكولا : لم أر مثل صديقنا الحميدي في نزاهته وعفّته وورعه وتشاغله بالعلم . صنّف تاريخاً للأندلس .

وقال السّلفي : سألت أبا عامر محمد بن سعدون العبدري ، عن الحميدي فقال : لا يرى قطّ مثله ، وعن مثله يسأل ؟ جمع بين الفقيه والحديث والأدب ، ورأى علماء الأندلس . وكان حافظاً . قلت : لقي حفّاظ العصر ابن عبد البرّ ، وابن حزم ، والخطيب ، والحبّال .

وقال يحيى بن إبراهيم السّلماسي : قال أبي : لم تر عيناي مثل الحميدي في فضله ونبله وغزارة علمه وحرصه على نشر العلم . قال : وكان ورعاً تقيّاً إماماً في الحديث وعلله ورواته ، متحقّقاً في علم التحقيق والأصول على مذهب أصحاب الحديث ، بموافقة الكتاب والسّنة ، فصيح العبارة ، متبحراً في علم الأدب والعربيّة والتّرسّل . وله كتاب الجمع بين الصحيحين ، و تاريخ الأندلس ، و جمل تاريخ الإسلام ، وكتاب الذهب المسبوك في وعظ الملوك ، وكتاب في الترسّل ، وكتاب مخاطبات الأصدقاء ، وكتاب ما جاء من الآثار في حفظ الجار ، وكتاب ذمّ النّميمة .

وله شعرٌ رصينٌ في المواعظ والأمثال . قلت : وقد جاء عن الحميدي أنّه قال : صيّرني الشهاب شهاباً . وكان يسمع عليه كثيراً ، عن مصنّفه القضاعي .

وقال ابن سكّرة : كان يدلني على المشايخ ، وكان متقللاً من الدّنيا ، يموّنه ابن رئيس الرؤساء . ثمّ جرت لي معه قصص أوجبت انقطاعي عنه . وكان يبيت عند ابن رئيس الرؤساء كلّ ليلة .

وحدّثني أبو بكر ابن الخاضبة أنّه لم يسمعه يذكر الدّنيا قطّ . وقال أبو بكر بن طرخان : سمعت أبا عبد الله الحميدي يقول : ثلاثة كتب من علوم الحديث يجب تقديم الهمم بها : كتاب العلل وأحسن كتاب وضع فيه كتاب الدارقطني ، وكتاب المؤتلف والمختلف وأحسن كتاب وضع فيه كتاب الأمير ابن ماكولا ، وكتاب وفيات الشّيوخ وليس فيه كتابٌ ، وقد كنت أردت أن أجمع في ذلك كتاباً ، فقال لي الأمير : رتبه على حروف المعجم ، بعد أن ترتّبه على السّنين . قال ابن طرخان : فشغله عنه الصّحيحان ، إلى أن مات .

قلت : قد فتح الله بكتابنا هذا ، يسّر الله إتمامه ، ونفع به ، وجعله خالصاً من الرّياء والرياسة . وقد قال الحميدي في تاريخ الأندلس : أخبرنا أبو عمر بن عبد البرّ ، قال : أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد الجهني ، بمصنف أبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب النّسائي ، قراءةً عليه ، عن حمزة بن محمد الكناني ، عن النّسائي . وللحميدي - رحمه الله تعالى - : كتاب الله - عز وجل - قولي وما صحّت به الآثار ديني وما اتفق الجميع عليه بدءاً وعوداً فهو عن حقّ مبين فدع ما صدّ عن هذا وخذها تكن منها على عين اليقين وقال القاضي عياض : محمد بن أبي نصر أبو عبد الله الأزدي الأندلسي ، سمع بميورقة من أبي محمد بن حزم قديماً .

وكان يتعصب له ، ويميل إلى قوله . وكانت قد أصابته فيه فتنة ، ولمّا شدّد على ابن حزم وأصحابه خرج الحميدي إلى المشرق . ومن شعره : طريق الزّهد أفضل ما طريق وتقوى الله تأدية الحقوق فثق بالله يكفك واستعنه يعنك وذر بنيّات الطّريق وله : لقاء النّاس ليس يفيد شيئاً سوى الهذيان من قيلٍ وقال فاقلل من لقاء النّاس إلا لأخذ العلم أو إصلاح حال قال السّمعاني : روى لنا عنه يوسف بن أيوب الهمذاني ، وإسماعيل الحافظ ، ومحمد بن علي الجلابي ، والحسين بن الحسن المقدسي ، وغيرهم ، وتوفي في سابعٍ عشر ذي الحجّة ، ودفن بمقبرة باب أبرز بالقرب من قبر الشيخ أبي إسحاق الشّيرازي ، وصلّى عليه الفقيه أبو بكر الشّاشي بجامع القصر .

ثم نقل في سنة إحدى وتسعين وأربع مائة إلى مقبرة باب حرب ، ودفن عند قبر بشر الحافي . ونقل ابن عساكر في تاريخه أنّ الحميدي أوصى إلى الأجلّ مظفّر ابن رئيس الرؤساء أن يدفن عند بشر بن الحارث ، فخالف وصيته ، فلمّا كان بعد مدّة رآه في النّوم يعاتبه على ذلك ، فنقله في صفر سنة إحدى وتسعين ، وكان كفنه جديداً ، وبدنه طرّياً ، يفوح منه رائحة الطّيب . ووقف كتبه - رحمه الله - .

وقع لنا تذكرة الحميدي بعلوّ .

موقع حَـدِيث