حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تاريخ الإسلام

سنة ثمان وتسعين وأربعمائة

سنة ثمان وتسعين وأربعمائة في ثاني ربيع الآخر ، مات السلطان بركياروق ، وملكت الأمراء بعده ولده جلال الدولة ملكشاه ، وخطب له ببغداد وهو صبي له دون الخمس سنين . وأما السلطان محمد ، فكان مقيماً بتبريز ، فسار إلى مراغة يريد جكرمش ، فحصن جكرمش الموصل ، وجفل أهل الضياع إلى البلد ، فنازله محمد ، وجد في قتاله ، وقاتل مع جكرمش أهل الموصل لمحبتهم فيه ، ودام القتال مدةً ، فلما بلغت جكرمش وفاة بركياروق ، أرسل إلى محمد يبذل الطاعة ، فدخل إليه وزير السلطان محمد سعد الملك ، وخرج معه جكرمش ، فقام له محمد واعتنقه ، وقال : ارجع إلى رعيتك ، فإن قلوبهم إليك ، فقبل الأرض وعاد ، فقدم للسلطان وللوزير تحفاً سنية ، ومد سماطاً عظيماً بظاهر الموصل . ثم أسرع محمد إلى بغداد وفي خدمته صاحب الموصل ، وكان ببغداد ملكشاه بن بركياروق الصبي الذي سلطنه الخليفة ، وأتابك الصبي إياز ، فبرزوا من بغداد ، وتحالفوا على حرب محمد ، ومنعه من السلطنة ، وجاء محمد فنزل بالجانب الغربي ، وخطب له به ، ثم ضعف إياز والأمراء ، فراسلوا محمداً في الصلح - وليعطي إياز أمانا على ما سلف منه ، وتم الدست لمحمد ، واجتمعت الكلمة عليه ، واستحلف السلطان إلكيا الهراسي على الأمان ، وأقام السلطان محمد ببغداد ثلاثة أشهر ، ثم توجه إلى أصبهان .

وأما إياز أتابك ملكشاه ، فإنه لما سلم السلطنة إلى السلطان محمد عمل دعوةً عظيمةً في داره ببغداد ، ودعا إليها محمداً ، وقدم له تحفاً ، منها الحبل البلخش الذي أخذه من تركة مؤيد الملك ابن النظام ، وحضر مع السلطان الأمير سيف الدولة صدقة بن مزيد ، فاعتمد إياز اعتماداً رديئاً ، وهو أنه ألبس مماليكه العدد والسلاح ليعرضوا على محمد ، فدخل عليهم رجل مسخرة ، فقالوا : لا بد من أن نلبسك درعاً ونعرضك ، فألبسوه درعا وعبثوا به يصفعونه ، حتى كل وهرب ، والتجأ إلى غلمان السلطان ، فرآه السلطان مذعوراً وعليه لباس عظيم ، فارتاب ، ثم جسه غلام ، فإذا درع تحت الثياب الفاخرة ، فاستشعر ، وقال محمد : إذا كان أصحاب العمائم قد لبسوا السلاح ، فكيف الأجناد ، وتخيل لكونه في داره ، فنهض وخرج ، فلما كان بعد أربعة أيام استدعى إياز وجكرمش صاحب الموصل وجماعة وقال : بلغنا أن الملك قلج أرسلان بن سليمان بن قتلمش قصد ديار بكر ليأخذها ، فانظروا من ينتدب له ، فقالوا : ما له إلا الأمير إياز ، فطلب إيازاً إلى بين يديه لذلك ، وأعد جماعة ليفتكوا به إذا دخل ، فضربه واحد أبان رأسه ، فغطى الأمير صدقة وجهه بكمه ، وأما الوزير فغشي عليه ، ولف إياز في مسحٍ ، وألقي على الطريق ، فركب أجناده وشغبوا ثم تفرقوا ، وهذا أمر جره المزاح ، نسأل الله السلامة ، ثم أخذه قوم من المطوعة ، وكفنوه ودفنوه ، وعاش نحو الأربعين ، وكان من مماليك السلطان ملكشاه ، وكان شجاعاً غزير المروءة ، ذا خبرة بالحروب ، ثم قتلوا وزيره بعد شهرين . وفيها هلك الطاغية صنجيل الذي حاصر طرابلس في هذه المدة ، وبنى بقربها قلعة وكان من شياطين الفرنج ورؤوسهم ، ووصل إلى الشام ليحج القدس ، فأخذ بأرض صيدا وذهبت حينئذٍ عينه ، ودار في بلاد الشام بزي التجار ؛ فلما توفي السلطان ملكشاه واختلفت الكلمة دخل إلى بلاده ، وجمع الفرنج للحج ، وقدم أنطاكية ، وحارب المسلمين مرات ، وتمكن ، ثم شن الغارة من حصنه ، فبرز له ابن عمار من طرابلس ، وكبس الحصن بغتةً ، فقتل من فيه ، ورمى النيران في جوانبه ، ورجع صنجيل ، فدخل الحصن ، فانخسف به سقف ، ثم مرض وغلب ، فصالح صاحب طرابلس ، ثم مات في سنة ثمانٍ ، فقام بعده ابن أخيه ؛ وجد في حصار طرابلس ، والأمر بيد الله تعالى . وفيها توفي الأمير سقمان بن أرتق ، وقد كان فخر الملك ابن عمار صاحب طرابلس كاتبه واستنجد به ، فتهيأ لذلك ، فأتاه وهو على العزم كتاب طغتكين صاحب دمشق : بأني مريض أخاف إن مت أن تملك الفرنج دمشق ، فاقدم علي ، فبادر إلى دمشق ، ووصل إلى القريتين ، وأسقط في يد طغتكين وندم ، فلم ينشب أن أتاه الخبر بموت سقمان بالقريتين بالخوانيق ، وكانت تعتريه كثيراً ، فمات في صفر ، ورجع به عسكره ، ودفن بحصن كيفا ، وكان ديناً حازماً مجاهداً ، فيه خير في الجملة .

وفيها ثار الباطنية بخراسان ، ولم يقفوا مع الهدنة المذكورة فعاثوا بأعمال بيهق ، وبيتوا الحجاج الخراسانيين بنواحي الري ووضعوا فيهم السيف ، ونجا بعضهم بأسوأ حال . وقتلوا الإمام أبا جعفر ابن المشاط أحد شيوخ الشافعية ، كان يعظ بالري ، فلما نزل عن الكرسي وثب عليه باطني فقتله . وفيها كانت وقعة بين الفرنج ورضوان بن تتش صاحب حلب ، فانكسر رضوان ؛ وذلك أن تنكري صاحب أنطاكية نازل حصناً ، فجمع رضوان عسكراً ورجالة كثيرة من المطوعة ، فوصلوا إلى تبريز ، فلما رأى تنكري كثرة سوادهم راسل بطلب الصلح ، فامتنع رضوان ، فعملوا المصاف ، فانهزمت الفرنج من غير قتال ، ثم قالوا : نعود ونحمل حملةً صادقةً ، ففعلوا ، فانحطمت المسلمون ، وقتل منهم بشر كثير ، ولم ينج من الأسر إلا الخيالة ، وافتتح الفرنج الحصن ، ويقال له حصن أرتاح ، وذلك في شعبان .

وفيها قدم المصريون في خمسة آلاف ، وكاتبوا طغتكين صاحب دمشق ، فأرسل ألفاً وثلاثمائة فارس ، عليهم الأمير إصبهبذ صباوا فاجتمعوا ، وقصدهم بغدوين صاحب القدس وعكا في ألف وثلاثمائة فارس ، وثمانية آلاف راجل ، فكان المصاف بين يافا وعسقلان ، وثبت الفريقان ، حتى قتل من المسلمين ألف ومائتان ، ومن الفرنج مثلهم ، فقتل نائب عسقلان جمال الملك ، ثم قطعوا القتال وتحاجزوا ، وقل أن يقع مثل هذا ، ثم رد عسكر دمشق ، ودخل المصريون إلى عسقلان . وفيها عزل عن شحنكية بغداد إيلغازي بن أرتق ، وجعل السلطان محمد على بغداد قسيم الدولة سنقر البرسقي ، وكان ديناً عاقلاً من خواص محمد . ودخل محمد أصبهان سلطانا متمكناً ، مهيباً ، كثير الجيوش ، بعد أن كان خرج منها خائفاً يترقب ، فبسط العدل ، وأحسن إلى العامة .

وفيها كان ببغداد جدري مفرط ، مات فيه خلق من الصبيان لا يحصون ، وتبعه وباء عظيم . وكان الحصار متواتراً على طرابلس ، وكتب أهلها متواصلة إلى طغتكين يستصرخونه لإنجادهم وعونهم ، فأهلك الله تعالى صنجيل مقدم الفرنج ، وقام غيره كما سبق .

موقع حَـدِيث