سنة تسع وتسعين وأربعمائة
سنة تسع وتسعين وأربعمائة فيها ظهر رجل بنواحي نهاوند فادعى النبوة ، وكان يمخرق بالسحر والنجوم ، وتبعه الخلق ، وحملوا إليه أموالهم ، فكان لا يدخر شيئاً ، وسمى أصحابه بأسماء الصحابة كأبي بكر ، وعمر . وخرج أيضا بنهاوند رجل من ولد ألب أرسلان يطلب الملك ، فأخذا وقتلا في وقت واحد . وفيها شرع الفرنج وعمدوا إلى حصنٍ بين طبرية والبثنية يقال له : عال ، فبلغ طغتكين صاحب دمشق ، فسار وكبسهم وأسر وأخذ الحصن ، وعاد بالأسارى والغنائم ، وزينت دمشق أسبوعاً ، ثم سار إلى حصن رفنية ، وصاحبه ابن أخت صنجيل ، فحصره طغتكين وملكه ، وقتل به خمسمائة من الفرنج .
وفيها ملكت الإسماعيلية حصن فامية ، وقتلوا صاحبه خلف بن ملاعب الكلابي ، وكان خلف قد تغلب على حمص ، وقطع الطريق ، وعمل أنحس مما تعمله الفرنج ، فطرده تتش عن حمص ، فذهب إلى مصر ، فما التفتوا إليه ، فاتفق أن نقيب فامية من جهة رضوان بن تتش أرسل إلى المصريين ، وكان على مذهبهم ، يستدعي منهم من يسلم إليه الحصن ، فطلب ابن ملاعب منهم أن يكون والياً عليه لهم ، فلما ملكه خلع طاعتهم ، فأرسلوا من مصر يتهددونه بما يفعلونه بولده الذي عندهم رهينة ، فقال : لا أنزل من قلعتي ، وابعثوا إلي ببعض أعضاء ابني حتى آكله ، وبقي بفامية يقطع الطريق ، ويخيف السبيل ، وانضم إليه كثير من المفسدين . ثم أخذت الفرنج سرمين ، وأهلها رافضة ، فتوجه قاضيها إلى ابن ملاعب فأكرمه وأحبه ، ووثق به ، فأعمل القاضي الحيلة ، وكتب إلى أبي طاهر الصائغ ، أحد رؤوس الباطنية ومن الواصلين عند رضوان صاحب حلب ، واتفق معه على الفتك بابن ملاعب ، وأحس ابن ملاعب فأحضر القاضي ، فجاء وفي كمه مصحف ، وتنصل وخدع ابن ملاعب ، فسكت عنه ؛ وكتب إلى الصائغ يشير عليه بأن يحسن لرضوان إنفاذ ثلاثمائة رجل من أهل سرمين الذين نزحوا إلى حلب ، وينفذ معهم خيلاً من خيول الفرنج ، وسلاحاً من سلاحهم ، ورؤوساً ، من رؤوس الفرنج ، فيأتون ابن ملاعب في صورة أنهم غزاة ، ويشكون من سوء معاملة الملك رضوان وأصحابه لهم ، وأنهم فارقوه ، فلقيتهم طائفة من الفرنج ، فنصروا على الفرنج ، وهذه رؤوسهم ، ويحملون جميع ما معهم إليه ، فإذا أذن لهم في المقام عنده يتفق معهم على إعمال الحيلة عليه . ففعل الصائغ جميع ذلك ، وجاؤوا بتلك الصورة ، وقدموا لابن ملاعب ما معهم من خيل وغيرها ، فأنزلهم ابن ملاعب في ربض فامية ، فقام القاضي ليلة هو ومن معه بالحصن ، فدلوا حبالاً ، وأصعدوا أولئك من الربض ، ووثبوا على أولاد ابن ملاعب وبني عمه فقتلوهم ، وأتوا ابن ملاعب وهو مع امرأته فقال : من أنت ؟ قال : ملك الموت جئت لقبض روحك ، ثم قتله ، ثم وصل الخبر إلى أبي طاهر الصائغ ، فسار إلى فامية ، وهو لا يشك أنها له ، فقال القاضي : إن وافقتني وأقمت معي ، وإلا فارجع ، فآيس ورجع .
وكان عند طغتكين الأتابك ولد لابن ملاعب ، فولاه حصناً ، فقطع الطريق ، وأخذ القوافل كأبيه ، فهم طغتكين بالقبض عليه ، فهرب إلى الفرنج ، واستدعاهم إلى فامية ، وقال : ما فيها إلا قوت شهر ، فنازلوه وحاصروه ، وجاع أهله ، وملكته الفرنج ، فقتلوا القاضي المذكور ، وظفروا بالصائغ فقتلوه ، وهو الذي أظهر مذهب الباطنية بالشام ، فقيل : لم يقتلوه وإنما بقي إلى سنة سبعٍ وخمسمائة ، فقتله ابن بريع رئيس حلب بعد موت رضوان صاحبها . وفيها ملك سيف الدولة صدقة بن مزيد الأسدي البصرة ، وحكم عليها ، وأقام بها نائباً ، وجعل معه مائةً وعشرين فارسا ، فاجتمعت ربيعة والعرب في جمع كبير ، وقصدوا البصرة ، فقاتلهم النائب ألتونتاش ، فأسروه ، ودخلوا البلد بالسيف ، فنهبوا وأحرقوا ، وما أبقوا ممكناً ، وانتشر أهلها في السواد ، وأقامت العرب تفسد شهراً ، فأرسل صدقة عسكراً ، وقد فات الأمر . وأما ابن عمار فكان يخرج من طرابلس وينال من الفرنج ، وخرب الحصن الذي أقامه صنجيل ، وحرق فيه ، فرجع صنجيل ومعه جماعة من القمامصة والفرسان ، فوقف على بعض السقوف المحترقة ، فانخسف ، فمرض صنجيل عشرة أيام ومات ، لعنه الله ؛ وحملت جيفة الملعون إلى القدس ، فدفنت به ، ولم يزل الحرب بين أهل طرابلس والفرنج خمس سنين إلى هذا الوقت ، فعدموا الأقوات ، وافتقر الأغنياء ، وجلا الفقراء ، وظهر من ابن عمار صبر وثبات ، وشجاعة عظيمة ، ورأي ، وحزم ، وكانت طرابلس من أعظم بلاد الإسلام وأكثرها تجملاً وثروة ، فباع أهلها من الحلي والآلات الفاخرة ما لا يوصف بأقل ثمن ، ولا أحد يغيثهم ، ولا من يكشف عنهم .
وامتلأ الشام من الفرنج .