سنة سبع وخمس ومائة
سنة سبع وخمس ومائة في ثالث عشر المحرم التقى عسكر دمشق والجزيرة وعسكر الفرنج بقرب طبرية ، وصبر الفريقان ، واشتد الحرب ، وكانت وقعة مشهودة ، ثم انكسرت الفرنج ووضع المسلمون فيهم السيف ، وأسروا خلقًا ، وأسر ملكهم بغدوين ، لكن لم يعرف ، فأخذ الذي أسره سلاحه وأطلقه ، فنجا جريحًا ، ثم مات بعد أشهر ، وغرق منهم في الشريعة طائفة ، وحاز المسلمون الغنيمة . ثم جاء عسكر أنطاكية وعسكر طرابلس ، فقويت نفوس المنهزمين وعاودوا الحرب ، فثبت لهم المسلمون فانحاز الملاعين إلى جبل ، ورابط المسلمون بإزائهم يرمونهم بالنشاب ، فأقاموا كذلك ستة وعشرين يومًا ، وهذا شيء لم يسمع بمثله قط ، وعدموا الأقوات . ثم سار المسلمون إلى بيسان ، فنهبوا بلاد الفرنج وضياعهم من القدس إلى عكا ، ورجعوا فنزلوا بمرج الصفر ، وسافرت عساكر الموصل ، ودخل مودود في خواصه دمشق ، وأقام عند صاحبه طغتكين ، وأمر عساكره بالمجيء في الربيع ونزل هو وطغتكين يوم الجمعة في ربيع الأول للصلاة ، ومشى ويده في يد طغتكين في صحن الجامع ، فوثب على مودود باطني جرحه في مواضع ، وقتل الباطني وأحرق .
قال أبو يعلى حمزة : ولما قضيت الجمعة تنفل بعدها مودود ، وعاد هو والأتابك وحولهما من الأتراك والديلم والأحداث بأنواع السلاح من الصوارم والصمصامات والخناجر المجردة ما شاكل الأجمة المشتبكة ، فلما حصلا في صحن الجامع وثب رجل لا يؤبه له ، فقرب من مودود كأنه يدعو له ويتصدق عليه ، فقبض ببند قبائه ، وضربه بخنجر أسفل سرته ضربتين ، هذا والسيوف تنزل عليه ، ومات مودود ليومه صائمًا ، وكان فيه عدل وخير . فقيل : إن الإسماعيلية قتلته . وقيل : بل خافه طغتكين ، فجهز عليه الباطني ، وذلك بعيد .
قال ابن الأثير : حدثني والدي - رحمه الله - أن ملك الفرنج كتب إلى طغتكين كتابًا فيه : وإن أمة قتلت عميدها ، يوم عيدها ، في بيت معبودها ، لحقيق على الله أن يبيدها . ودفن مودود في تربة دقاق بخانكاه الطواويس ، ثم حمل بعد ذلك إلى بغداد ، فدفن في جوار الإمام أبي حنيفة ، ثم نقل إلى أصبهان ، وتسلم صاحب سنجار حواصله وحملها إلى السلطان محمد ، فأقطع السلطان الموصل والجزيرة لآقسنقر البرسقي ، وأمره أن يتوافق هو والأمير عماد الدين زنكي ابن آقسنقر ، يتشاوروا في المصلحة لنهضته وشهامته . وكان بطبرية مصحف ، قال أبو يعلى القلانسي : كان قد أرسله عثمان رضي الله عنه إلى طبرية ، فحمله أتابك طغتكين منها إلى جامع دمشق .
وفيها مات الوزير أبو القاسم علي بن جهير ، وولي وزارة الخليفة بعده ربيب الدين أبو منصور الحسين بن الوزير أبي شجاع . وفيها توفي الملك رضوان صاحب حلب ، وولي بعده ولده ألب أرسلان الأخرس فقتل أخوين له مباركا وملكشاه ، وقتل رأس الباطنية أبا طاهر الصائغ في جماعة من أعيانهم ، فنزحوا عن حلب ، وكان لهم بها منعة وشوكة قوية . وكان رضوان قد عمل لهم دار دعوة بحلب لقلة دينه ، وكان ظالمًا فاتكًا يقرب الباطنية ، ويستعين بهم ، وقتل أخويه بهرام ، وأبا طالب ، وكان غير محمود السيرة .
وفيها ، ذكر سبط الجوزي ثورة الباطنية بشيزر ، وقد مر لنا ذلك قبل هذه السنة . وفيها هادن بغدوين أهل صور ، وأتتهم النجدة والإقامات من مصر في البحر .