علي بن عقيل بن محمد بن عقيل بن عبد الله
علي بن عقيل بن محمد بن عقيل بن عبد الله ، الإمام أبو الوفاء البغدادي ، الظفري ، شيخ الحنابلة ، ومصنف التصانيف . كان يسكن الظفرية ، ومسجده بها معروف ، ولد سنة إحدى وثلاثين وأربع مائة ، وسمع : أبا بكر محمد بن عبد الملك بن بشران ، وأبا الفتح بن شيطا المقرئ ، وأبا محمد الجوهري ، والقاضي أبا يعلى ، والحسن بن غالب المقرئ ، وجماعة . روى عنه : أبو حفص المغازلي ، وأبو المعمر الأنصاري ، ومحمد بن أبي بكر السنجي ، والسلفي ، وخطيب الموصل ، وآخرون .
وتفقه على القاضي أبي يعلى ، وعلى الموجودين بعده ، وقرأ علم الكلام على أبي علي بن الوليد ، وأبي القاسم ابن التبان البغداديين صاحبي القاضي أبي الحسين البصري . أنبئت عن حماد الحراني قال : سمعت السلفي يقول : ما رأت عيني مثل الشيخ أبي الوفاء بن عقيل الفقيه ، ما كان أحد يقدر أن يتكلم معه لغزارة علمه ، وحسن إيراده ، وبلاغة كلامه ، وقوة حجته ، ولقد تكلم يومًا مع شيخنا أبي الحسن إلكيا في مسألة ، فقال له شيخنا : هذا ليس بمذهبك . فقال له أبو الوفاء : أكون مثل أبي علي الجبائي ، وفلان ، وفلان لا أعلم شيئًا ؟ أنا لي اجتهاد ، متى ما طالبني خصم بحجة ، كان عندي ما أدفع به عن نفسي وأقوم له بحجتي .
فقال شيخنا : كذلك الظن بك . قلت : وكان إمامًا مبرزًا ، مناظرًا ، كثير العلوم ، له يد طولى في علم الكلام . وكان يتوقد ذكاء ، له كتاب الفنون لم يصنف في الدنيا أكبر منه ، حدثني من رأى منه المجلد الفلاني بعد الأربع مائة يحكي فيه بحوثا شريفة ومناظرات وتواريخ ونوادر ، وما قد وقع له .
وقال : عصمني الله في شبابي بأنواع من العصمة ، وقصر محبتي على العلم ، وما خالطت لعابًا قط ، ولا عاشرت إلا أمثالي من طلبة العلم ، وأنا في عشر الثمانين ، أجد من الحرص على العلم أشد مما كنت أجده وأنا ابن عشرين ، وبلغت لاثنتي عشرة سنة ، وأنا اليوم لا أرى نقصًا في الخاطر والفكر والحفظ ، وحدة النظر بالعين لرؤية الأهلة الخفية ، إلا أن القوة ضعيفة . قال ابن الجوزي : وكان دينًا ، حافظًا للحدود ، توفي له ولدان ، فظهر منه من الصبر ما يتعجب منه ، وكان كريمًا ينفق ما يجد ، وما خلف سوى كتبه وثياب بدنه ، وكانت بمقدار . وتوفي بكرة الجمعة ثاني عشر جمادى الأولى ، وكان الجمع يفوت الإحصاء .
قال شيخنا ابن ناصر : حزرتهم بثلاث مائة ألف . أخبرنا إسحاق الأسدي ، قال : أخبرنا أبو البقاء يعيش ، قال : أخبرنا عبد الله بن أحمد الخطيب ، قال : أخبرنا أبو الوفاء علي بن عقيل الفقيه ، قال : أخبرنا أبو محمد الجوهري ، قال : أخبرنا أبو بكر القطيعي ، قال : حدثنا بشر بن موسى ، قال : حدثنا هوذة ، قال : حدثنا عوف ، عن سعيد بن أبي الحسن ، قال : كنت عند ابن عباس إذ أتاه رجل ، فقال : إنما معيشتي من صنعة يدي التصاوير . فقال ابن عباس : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من صور صورة عذبه الله يوم القيامة حتى ينفخ فيها ، وليس بنافخ فيها أبدًا .
فربا له الرجل واصفر ، فلما رأى ذلك منه ، قال : فإن لم يكن من ذلك بد فعليك بالشجر وما لا روح فيه . رأيت شيخنا وغيره من علماء السنة والأثر يحطون على ابن عقيل لما تورط فيه من تأويلات الجهمية ، وتحريف النصوص ، نسأل الله الستر والسلامة ، وقد توفي في سادس عشر جمادى الآخرة ، وقيل في جمادى الأولى ، فالله أعلم . وقال أبو الفرج ابن الجوزي فيه : فريد دهره ، وإمام عصره ، وكان حسن الصورة ، ظاهر المحاسن .
قرأ بالروايات على أبى الفتح بن شيطا ، وأخذ النحو عن أبي القاسم بن برهان . وقال : قرأت على القاضي أبي يعلى من سنة سبع وأربعين إلى أن توفي ، وحظيت من قربه بما لم يحظ به أحد من أصحابه مع حداثة سني . وكان أبو الحسن الشيرازي إمام الدنيا وزاهدها ، وفارس المناظرة وواحدها ، يعلمني المناظرة ، وانتفعت بمصنفاته ، ثم ذكر جماعة من شيوخه .
قال : وكان أصحابنا الحنابلة يريدون مني هجران جماعة من العلماء ، وكان ذلك يحرمني علمًا نافعًا ، وأقبل علي أبو منصور بن يوسف ، وقدمني على الفتاوى ، وأجلسني في حلقة البرامكة بجامع المنصور لما مات شيخي سنة ثمان وخمسين ، وقام بكل مؤونتي وتجملي ، وأما أهل بيتي فإن بيت أبي كلهم أرباب أقلام وكتابة وأدب ، وعانيت من الفقر والنسخ بالأجرة شدة ، مع عفة وتقى ، ولا أزاحم فقيهًا في حلقة ، ولا تطلب نفسي رتبة من رتب أهل العلم القاطعة عن الفائدة ، وأوذيت من أصحابي حتى طلب الدم ، وأوذيت في دولة النظام بالطلب والحبس . وقال ابن الأثير في تاريخه : كان قد اشتغل بمذهب المعتزلة في حداثته على أبي علي بن الوليد ، فأراد الحنابلة قتله ، فاستجار بباب المراتب عدة سنين ، ثم أظهر التوبة . قال ابن الجوزي : وتكلم على المنبر بلسان الوعظ مدة ، فلما كانت سنة خمس وسبعين ، وجرت الفتنة ترك الوعظ .
وذكر سبط الجوزي في ترجمة ابن عقيل حكايات ، ثم قال : ومنها ما حكاه ابن عقيل عن نفسه ، قال : حججت ، فالتقطت عقد لؤلؤ منظوم في خيط أحمر ، فإذا بشيخ أعمى ينشده ، ويبذل لملتقطه مائة دينار ، فرددته عليه ، فقال : خذ الدنانير ، فامتنعت . قال : وخرجت إلى الشام ، وزرت القدس ، ونزلت إلى دمشق ، وقصدت بغداد ، وكانت أمي باقية ، فاجتزت بحلب ، وأويت إلى مسجد وأنا جائع بردان ، فقدموني فصليت بهم ، فعشوني ، وكانت ليلة رمضان ، وقالوا : إمامنا توفي من أيام ، ونسألك أن تصلي بنا هذا الشهر ، ففعلت ، فقالوا : لإمامنا الميت بنت ، فتزوجت بها ، فأقمت معها سنة ، وولد لي منها ولد ، ثم مرضت في نفاسها ، فتأملتها ذات يوم ، وإذا بخيط أحمر في عنقها ، فإذا به العقد الذي لقيته بعينه ، فقلت لها : يا هذه ، إن لهذا العقد قصة . وحكيت لها ، فبكت وقالت : أنت هو والله ، لقد كان أبي يبكي ويقول : اللهم ارزق بنتي مثل الذي رد علي العقد ، وقد استجاب الله منه .
ثم ماتت ، فأخذت العقد والميراث ، وعدت إلى بغداد . قال : ومنها ما حكاه أيضًا عن نفسه ، قال : كان عندنا بالظفرية دار كلما سكنها ناس أصبحوا موتى ، فجاء مرة رجل مقرئ ، فقال : اكروني إياها ، فقالوا : قد عرفت حالها ، قال : قد رضيت ، فبات بها وأصبح سالمًا ، فعجب الجيران ، وأقام مدة ، ثم انتقل بعد مدة ، فسئل عن ذلك ؟ فقال : لما دخلتها صليت العشاء ، وقرأت شيئًا ، وإذا بشاب قد صعد من البئر ، فسلم علي ، فبهت ، فقال : لا بأس عليك ، علمني شيئًا من القرآن ، فشرعت أعلمه ، فلما فرغت ، قلت : هذه الدار كيف حديثها ؟ قال : نحن قوم من الجن مسلمون نقرأ ونصلي ، وهذه الدار ما يكتريها إلا الفساق ، فيجتمعون على الخمر ، فنخنقهم ، قلت : ففي الليل أخاف منك فاجعل مجيئك في النهار ، قال : نعم ، فكان يصعد من البئر في النهار ، وألقنه ، فبينما هو قاعد عندي يقرأ إذا بمعزم في الدرب يقول : المرقي من الدبيب ومن العين ومن الجن ، فقال : أيش هذا ؟ قلت : هذا معزم يعرف أسماء الله ، يفعل ما تسمع ، فقال : اطلبه ، فقمت وأدخلته ، فإذا بالجني قد صار ثعبانًا في السقف ، فضرب المعزم المندل وعزم ، فما زال الثعبان يتدلى حتى سقط في وسط المندل ، فقام ليأخذه ويدعه في الزنبيل ، فمنعته ، فقال : أتمنعني من صيدي ؟ فأعطيته دينارًا وأخرجته ، فانتفض الثعبان ، وخرج الجني وقد ضعف واصفر وذاب ، فقلت : ما لك ؟ قال : قتلني هذا الرجل بهذه الأسامي ، وما أظنني أفلح ، فاجعل بالك الليلة ، متى سمعت من البئر صراخًا فانهزم ، قال : فسمعت تلك الليلة النعي ، فانهزمت . قال ابن عقيل : وامتنع أحد أن يسكن تلك الدار .
ولابن عقيل في الفنون ، قال : الأصلح لاعتقاد العوام ظواهر الآي ؛ لأنهم ما يثبتون بالإثبات ، فمتى محونا ذلك من قلوبهم زالت الحشمة ، فتهافتهم في التشبيه أحب إلي من إغراقهم في التنزيه ؛ لأن التشبيه يغمسهم في الإثبات ، فيخافون ويرجون ، والتنزيه يرمي بهم إلى النفي ، ولا طمع ولا مخافة في النفي . ومن تدبر الشريعة رآها غامسة للمكلفين في التشبيه بالألفاظ التي لا يعطي ظاهرها سواه ، كقول الأعرابي : أو يضحك ربنا ؟ قال : نعم . فلم يكفهر لقوله ، بل تركه وما وقع له .