سنة إحدى وعشرين وخمسمائة
530 هـ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم ﴾(الحوادث) سنة إحدى وعشرين وخمسمائة قد ذكرنا أن أهل بغداد كلهم كانوا بالجانب الغربي ، وعسكر محمود في الجانب الشرقي ، وتراموا بالنشاب ، ثم إن جماعة من عسكر محمود حاولوا الدخول إلى دار الخلافة من باب النوبي ، فمنعتهم الخاتون ، فجاءوا إلى باب الغربة في رابع المحرم ، ومعهم جمع من الساسة والرعاع ، فأخذوا مطارق الحدادين ، وكسروا باب الغربة ، ودخلوا إلى التاج فنهبوا دار الخلافة من ناحية الشط ، فخرج الجواري حاسرات يلطمن ، ودخلن دار خاتون ، وضج الخلق ، فبلغ الخليفة ، فخرج من السرادق ، وابن صدقة بين يديه ، وقدموا السفن في دفعةً واحدة ، ودخل عسكر الخليفة ، وألبسوا الملاحين السلاح ، وكشفوا عنهم بالنشاب ، ورمى العيارون أنفسهم في الماء وعبروا ، وصاح المسترشد بالله بنفسه : يا آل بني هاشم ، فصدق الناس معه القتال ، وعسكر السلطان مشغولون بالنهب ، فلما رأوا عسكر الخليفة ذلوا وولوا الأدبار ، ووقع فيهم السيف ، واختفوا في السراديب ، فدخل وراءهم البغداديون وأسروا جماعة ، وقتلوا جماعة من الأمراء ، ونهب العامة دور أصحاب السلطان ، ودار وزيره ، ودار العزيز أبي نصر المستوفي ، وأبي البركات الطيب ، وأخذ من داره ودائع وغيرها بما قيمته ثلاثمائة ألف ، وقتل من أصحاب السلطان عدةٌ وافرةٌ في الدروب والمضائق . ثم عبر الخليفة إلى داره في سابع المحرم بالجيش ، وهم نحو ثلاثين ألف مقاتل بالعوام وأهل البر ، وحفروا بالليل خنادق عند أبواب الدروب ، ورتب على أبواب المحال من يحفظها ، وبقي القتال أيامًا إلى يوم عاشوراء ، انقطع القتال ، وترددت الرسل ، ومال الخليفة إلى الصلح والتحالف ، فأذعن السلطان وأحب ذلك ، وراجع الطاعة ، واطمأن الناس ، وطمت الخنادق ، ودخل أصحاب السلطان يقولون : لنا ثلاثة أيام ما أكلنا خبزًا ، ولولا الصلح لمتنا جوعًا ، وكانوا يسلقون القمح ويأكلونه ، فما رؤي سلطانٌ حاصر فكان هو المحاصر ، إلا هذا ، وظهر منه حلم وافر عن العوام ، وبعث الخليفة مع علي بن طراد إلى سنجر خلعًا وسيفين ، وطوقًا ولواءين ، ويأمره بإبعاد دبيس من حضرته . وجاء الخبر بأن سنجر قتل من الباطنية اثني عشر ألفًا ، فقتلوا وزيره المعين ، لأنه كان يحرض عليهم وعلى استئصالهم ، فتحيل رجل منهم ، وخدم سائسًا لبغال المعين ، فلما وجد الفرصة وثب عليه وهو مطمئن فقتله ، وقتل بعده ، وكان هذا الوزير ذا دين ومروءة ، وحسن سيرة .
ومرض السلطان محمود في الميدان ، وغشي عليه ، ووقع من فرسه ، واشتد مرضه ، ثم تماثل فركب ، ثم انتكس ، وأرجف بموته ثم خلع عليه وهو مريض ، وأشار عليه الطبيب بالرواح من بغداد ، فرحل يطلب همذان ، وفوض شحنكية بغداد إلى عماد الدين زنكي . وبعد أيام جاء الخبر من همذان بأن السلطان قبض على العزيز المستوفي وصادره وحبسه ، وعلى الوزير فصادره وحبسه ، وكان السبب أن الوزير تكلم على العزيز ، وأن برنقش الزكوي تكلم على الوزير ، ثم بعث السلطان إلى أنوشروان بن خالد الملقب شرف الدين ، وهو ببغداد ، فاستوزره ، فلم يكن له ما يتجهز به حتى بعث له الوزير جلال الدين من عند الخليفة الخيم والخيل ، فرحل إلى أصبهان في أول رمضان في السنة ، أقام في الوزارة عشرة أشهر ، واستعفى وعاد إلى بغداد . وفي رمضان وصل مجاهد الدين بهروز إلى بغداد ، وقد فوض إليه السلطان بغداد والحلة ، وفوض إلى زنكي الموصل ، فسار إليها .
ومات عز الدين مسعود بن آقسنقر البرسقي في هذه السنة ، وكان قد ولي الموصل بعد قتل والده ، واتفق موته بالرحبة ، فإنه سار إليها ، وكان بطلًا شجاعًا ، عالي الهمة ، رد إليه السلطان جميع إقطاع والده ، وطمع في التغلب على الشام ، فسار بعساكره ، فبدأ بالرحبة ، فحاصرها ، ومرض مرضًا حادًا ، فتسلم القلعة ، ومات بعد ساعة ، وبقي مطروحًا على بساط ، وتفرق جيشه ، ونهب بعضهم بعضًا ، فأراد غلمانه أن يقيموا ولده ، فأشار الوزير أنوشروان بالأتابك زنكي لحاجة الناس إلى من يقوم بإزاء الفرنج ، لعنهم الله . وفيها سئل أبو الفتح الإسفراييني في مجلسه ببغداد عن الحديث : لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات ، فقال : لم يصح ، والحديث في الصحيح . وقال يومًا على المنبر : قيل يا رسول الله ، كيف أصبحت ؟ فقال : أعمى بين العميان ، ضالًا بين الضلال ، فاستحضره الوزير ، فأقر ، وأخذ يتأول تأولات فاسدة ، فقال الوزير للفقهاء : ما تقولون ؟ فقال ابن سلمان مدرس النظامية : لو قال هذا الشافعي ما قبلنا منه ، ويجب على هذا أن يجدد إيمانه وتوبته ، فمنع من الجلوس بعد أن استقر أنه يجلس ، ويشد الزنار ، ثم يقطعه ويتوب ، ثم يرحل ، فنصره قوم من الأكابر يميلون إلى اعتقاده ، وكان أشعريًا ، فأعادوه إلى الجلوس ، وكان يتكلم بما يسقط حرمة المصحف من قلوب العوام ، فافتتن به خلق ، وزادت الفتن ببغداد ، وتعرض أصحابه لمسجد ابن جردة فرجموه ، ورجم معهم أبو الفتوح ، وكان إذا ركب يلبس الحديد ومعه السيوف مسللة ، ثم اجتاز بسوق الثلاثاء ، فرجم ورميت عليه الميتات ، ومع هذا يقول : ليس هذا الذي نتلوه كلام الله ، إنما هو عبارة ومجاز ، ولما مات ابن الفاعوس انقلبت بغداد ، وغلقت الأسواق ، وكان عوام الحنابلة يصيحون على عادتهم : هذا يوم سني حنبلي لا أشعري ولا قشيري ويصرحون بسب أبي الفتوح هذا ، فمنعه المسترشد بالله من الجلوس ، وأمره أن يخرج من بغداد ، وكان ابن صدقة يميل إلى السنة ، فنصرهم .
ثم ظهر عند إنسان كراس قد اشتراها ، فيها مكتوب القرآن ، وقد كتب بين الأسطر بالأحمر أشعار على وزن أواخر الآيات ، ففتش على كاتبها ، فإذا هو مودب ، فكبس بيته ، فإذا فيه كراريس كذلك ، فحمل إلى الديوان ، وسئل عن ذلك ، فأقر ، وكان من أصحاب أبي الفتوح ، فنودي عليه على حمار ، وشهر ، وهمت العامة بإحراقه ، ثم أذن لأبي الفتوح ، فجلس . وظهر في هذه الأيام الشيخ عبد القادر الجيلي ، فجلي في الحلبة ، فتشبث به أهل السنة ، وانتصروا بحسن اعتقاد الناس فيه .