أربع وأربعين وخمسمائة
أربع وأربعين وخمسمائة في المحرّم ارتفع عن الناس ببغداد الغلاء ، وخرج أهل القرى . وغزا نور الدين محمود بن زنكي فكسر الفرنج ، وقتل صاحب أنطاكية ، وكانت وقعة عظيمة ، قُتل فيها ألف وخمسمائة من الفرنج ، وأُسر مثلهم ، وذلّ دين الصليب ، ثم افتتح نور الدين حصن فامية ، وكان على أهل حماة وحمص منه غاية الضرر . وكان جوسلين ، لعنه الله ، قد ألهب الخلق بالأذية والغارات ، وهو صاحب تل باشر ، وعزاز ، وعينتاب ، والراوندان ، وبهَسْنا والبيرة ، ومرعش ، وغير ذلك ، فسار لحربه سلحدار نور الدين ، فأسره جوسلين ، فدسّ نور الدين جماعة من التركمان وقال : من جاءني بجوسلين أعطيته مهما طلب ، فنزلوا بأرض عينتاب ، فأغار عليهم جوسلين ، وأخذ امرأة مليحة فأعجبته ، وخلا بها تحت شجرة ، فكمن له التركمان وأخذوه أسيرًا ، وأحضروه إلى نور الدين ، فأعطى الذي أسره عشرة آلاف دينار ، وكان أسرُه فتحًا عظيمًا ، واستولى نور الدين على أكثر بلاده .
وفي ربيع الآخر استوزر الخليفة أبا المظفر بن هُبيرة ، ولقبه : عون الدين . وفي رجب جمع ألبُقُش وقصد العراق ، وانضم إليه ملكشاه ابن السلطان محمود ، وعلي بن دُبيس ، وطرنطاي ، وخلق من التركمان ، فلما صاروا على بريد من بغداد ، بعثوا يطلبون أن يسلطن ملكشاه ، فلم يجبهم الخليفة ، وجمع العسكر وتهيأ وبعث البريد إلى السلطان مسعود يستحثه ، فلم يتحرك ، فبعث إليه عمه سنجر يقول له : قد أخربت البلاد في هوى ابن البلنكري ، فنفّذه هو ، والوزير ، والجاولي ، وإلا ما يكون جوابك غيري ، فلم يلتفت لسنجر ، فأقبل سنجر حتى نزل الريّ ، فعلم مسعود ، فسار إليه جريدةً ، فترضّاه وعاد ، ثم قدم بغداد في ذي الحجة واطمأن الناس . وفيها حجّ بالعراقيين نظر الخادم ، فمرض من الكوفة فردّ ، واستعمل مكانه قَيماز الأرجواني ، ومات نظر بعد أيام .
وفي ذي الحجة جاءت زلزلة عظيمة ، وماجت بغداد نحو عشر مرات ، وتقطّع بحلوان جبلٌ من الزلزلة ، وهلك عالم من التركمان . وفيها مات صاحب الموصل سيف الدين غازي بن زنكي ، وملَك بعده أخوه مودود ، وعاش غازي أربعًا وأربعين سنة ، وكان مليح الصورة والشكل ، وخلّف ولدًا توفي شابًا ، ولم يُعقب . وفيها وقع الخُلف بين رُجار الإفرنجي صاحب صقلية ، وبين صاحب القسطنطينية ، ودامت الحروب بينهم سنين ، فاشتغل رُجار عن إفريقية .
وفيها قال أبو يَعلى التميمي في تاريخه : كان قد كَثُر فساد الفرنج المقيمين بعكا ، وصور ، والسواحل ، بعد رحيلهم عن حصار دمشق ، وفساد شروط الهدنة التي بين أُنُر وبينهم ، فشرعوا في العبث في الأعمال الدمشقية ، فنهض معين الدين أنُر بالعسكر مُغيرًا على ضياعهم ، وخيّم بحوران ، وكاتَب العرب ، وشنّ الغارات على أطراف الفرنج ، وأطلق أيدي التركمان في نهب أعمال الفرنج ، حتى طلبوا تجديد عقد الهدنة والمسامحة ببعض المقاطعة ، وترددت الرُسل ، ثم تقررت الموادعة مدة سنتين ، وتحالفوا على ذلك . ثم بعث أنُر الأمير مجاهد الدين بُزان بن مامين في جيش نجدةً لنور الدين على حرب صاحب أنطاكية ، فكانت تلك الوقعة المشهودة التي انتصر فيها نور الدين على الفرنج ، فلله الحمد والمِنة ، وكان جمعه نحوًا من ستة آلاف فارس سوى الأتباع ، والفرنج في أربعمائة فارس ، وألف راجل ، فلم ينجُ منهم إلا اليسير ، وقُتل ملكهم البلنس ، فحُمل رأسه إلى نور الدين ، وكان هذا الكلب أحد الأبطال والفرسان المشهورين بشدة البأس ، وعظم الخلقة والتناهي في الشرّ . ثم نازل نور الدين أنطاكية وحاصرها إلى أن ذلّوا وسلموها بالأمان ، فرتب فيها من يحفظها ، فجاءتها أمداد الفرنج ، ثم اقتضت الحال مهادنة من في أنطاكية وموادعتهم .
وأما معين الدين أنُر فإنه مرض ، وجيء به من حوران في محفة ، ومات بدوسنطاريا في ربيع الآخر ، ودُفن بمدرسته . ثم جرت واقعة عجيبة ، استوحش الرئيس مؤيّد الدين من الملك مُجير الدين استيحاشًا أوجب جمعَ من أمكنه من أحداث دمشق والجهلة ، ورتّبهم حول داره ، ودار أخيه زين الدولة حيدرة للاحتماء بهم ، وذلك في رجب ، فنفذ مجير الدين يطيّب نفوسهما ، فما وُثِق ، بل جدّا في الجمع والاحتشاد من العوام والجُند ، وكسروا الحبس وأطلقوا من فيه ، واستنفروا جماعة من الشواغرة وغيرهم ، وحصلوا في جمعٍ كثير امتلأت بهم الطرق ، فاجتمعت الدولة في القلعة بالعُدد ، وأخرِجت الأسلحة ، وفرقت على الجند ، وعزموا على الزحف إلى جمع الأوباش ، ثم تمهلوا حقنًا للدماء ، وخوفًا من نهب البلد ، وألحوا على الرئيس وتلطّفوا إلى أن أجاب ، واشترط شروطًا أجيب إلى بعضها ، بحيث يكون ملازمًا لداره ، ويكون ولده وولد أخيه في الديوان ، ولا يركب إلى القلعة إلا مستدعًى إليها ، ثم حدث بعد ذلك عود الحال إلى ما كانت عليه ، وجمع الجمع الكثير من الأجناد والمقدّمين ، والفلاحين ، واتفقوا على الزحف إلى القلعة وحصرها ، وطلب من عيّنة من أعدائه ، فنشبت الحرب ، وجُرح وقُتل جماعة ، ثم عاد كل فريق إلى مكانه ، ووافق ذلك هروب السّلار زين الدين إسماعيل شِحنة البلد وأخوه إلى ناحية بعلبك ، ولم تزل الفتنة هائجةً ، والمحاربة متصلة ، إلى أن أُجيب إلى إبعاد من التمس إبعاده من خواص مُجير الدين ، ونُهبت دار السلار وأخيه ، وخلع على الرئيس وأخيه ، وحلف لهما مُجير الدين ، وأعاد الرئيس إلى الوزارة ، بحيث لا يكون له في الأمر معترض ولا مُشارك . وأما مصر ، فمات بها الحافظ لدين الله عبد المجيد العُبيدي ، وأقيم بعده ابنه الظافر إسماعيل ، ووزر له أمير الجيوش ابن مصال المغربي ، فأحسن السيرة والسياسة ، ثم اضطربت الأمور واختلفت العساكر ، بحيث قُتل خلقٌ منهم .
وأما أعمال دمشق كحوران ، وغيرها ، فعاثت بها الفرنج ، وأجدبت الأرض ، ونزح الفلاحون ، فجاء نور الدين بجيشه إلى بعلبك ليوقع بالفرنج ، ففتح الله بنزول غيث عظيم ، فعظُم الدعاء لنور الدين ، وأحبه أهل دمشق وقالوا : هذا ببركته وحُسن سيرته ، ثم نزل على جسر الخشب في آخر سنة أربع ، وراسل مُجير الدين ، والرئيس يقول : إنني ما قصدتُ بنزولي هنا طلبًا لمحاربتكم ، وإنما دعاني كثرة شكاية أهل حوران والعُربان ، أخذت أموالهم وأولادهم ، ولا ينصرهم أحد فلا يسعني مع القدرة على نُصرتهم القعودُ عنهم ، مع علمي بعجزكم عن حفظ أعمالكم والذبّ عنها ، والتقصير الذي دعاكم إلى الاستصراخ بالإفرنج على محاربتي ، وبذلكم لهم أموال الضعفاء من الرعية ظلمًا وتعديًا ، ولا بد من المعونة بألف فارس تجرَّد مع مقدّم لتخليص ثغر عسقلان وغيره ، فكان الجواب : ليس بيننا وبينك إلا السيف ، فكثر تعجّب نور الدين ، وأنكر هذا ، وعزم على الزحف إلى البلد ، فجاءت أمطارٌ عظيمة منعته من ذلك ، ثم تقرر الصلح في أول سنة خمسٍ وأربعين ، فإن نور الدين أشفق من سفك الدماء ، فبذلوا له الطاعة ، وخطبوا له بجامع دمشق بعد الخليفة والسلطان ، وحلفوا له ، فخلع نور الدين على مجير الدين خلعة كاملة بالطوق ، وأعاده مكرّمًا ، محتَرَمًا ، ثم استدعى الرئيس إلى المخيّم ، وخلع عليه ، وخرج إليه المقدَّمون ، واختلطوا به ، وردّ إلى حلب . وجاء الخبر بأن الملك مسعود نزل على تل باشِر وضايقها . ثم قدم حُجاج العراق وقد أُخذوا ، وحكوا مصيبة ما نزل مثلُها بأحد ، وكان ركبًا عظيمًا فيه من وجوه خراسان وتنائها وعُلمائها ، وخواتين الأمراء خلق ، فأُخذ جميع ذلك ، وقُتل الأكثر ، وسلِم الأقل ، وهُتكت الحُرم ، وهلك خلقٌ بالجوع والعطش .
وأما مسعود ، فإنه ترحّل عن تل باشِر . وتوجّه مجاهد الدين بُزان إلى حصن صرخد ، وهو له ، لترتيب أحواله ، وعرضت له نفرةٌ من صاحب دمشق ورئيسها ، ثم طُلب ، واصطلحوا على شرط إبعاد الحاجب يوسف عن دمشق ، فأُبعد ، فقصد بعلبك ، فأكرمه متولّيها عطاء . وأما مصر ، فالأخبار واصلة بالخُلف المستمر بين وزيرها ابن مصال ، وبين المظفّر ابن السلار فتمت حروب أسفرت عن قتل ابن مصال واستيلاء ابن السلار على الأمر ، فسكنت الفتنة ، ثم ثار الجُند ، وجرت أمور ، وقُتل جماعة ، نسأل الله العافية .