أبو الحسين بن عبد الله بن حمزة المقدسي
أبو الحسين بن عبد الله بن حمزة المقدسي ، الزاهد . من أولي المقامات والكرامات ، قد جمع الضياء المقدسي جزءًا في أخباره ، فسمعه منه بفوت ابنا أخويه : الفخر بن علي البخاري ، والشمس محمد ابن الكمال . قال : حدثني الإمام عبد الله بن أبي الحسن الحيّاني بأصبهان ، قال : مضيت إلى زيارة الشيخ أبي الحسين الزاهد بحلب ، ولم تكن نيتي صادقة في زيارته ، فخرج إلي وقال : إذا جئت إلى المشايخ فلتكن نيّتُك صادقة في الزيارة ، وقال : كان لي شَعرٌ قد طال ، وكنت قد حلقته قبل ذلك ، فقال لي أبو الحسين : إذا كنت قد جعلت شيئًا لله فلا ترجع فيه .
سألت خالي أبا عمر عن الشيخ أبي الحسين ، وقلت له : هل رأيته يأكل شيئًا ؟ قال : رأيته يأكل خرّوبًا ، يمتصّه ثم يرمي به ، ورأيته يأكل بقلًا مسلوقًا . قال : ونقلت من خط الإمام أبي سعد السمعاني قال : سمعت سنان بن مشيّع الرّقي يقول : رأيت أبا الحسين المقدسي برأس العين ، في موضع قاعدًا عريانًا ، وقد اتّزر بقميصه ، ومعه حمار ، والناس قد تكابّوا عليه ، فجئت وطالعته ، فأبصرني وقال : تعال ، فتقدّمت ، فأخذ بيدي وقال : نتواخى ؟ قلت : ما لي طاقة ، فقال : أيش لك في هذا ، وآخاني ، وقال لواحد من الجماعة : حماري يحتاج إلى رسن ، بكم رسن ؟ قالوا : بأربعة فلوس ، فقال لواحد ، وأشار إلى موضع في الحائط : فإني جُزت ههنا وقتًا ، وخبّأت ثم أربع فلوس ، اشتروا لي بها حبلًا ، فأخذ الرجل الأربع فلوس ، ثم قال : أريد أن تشتري لي بدينار سمك ، قلت له : كرامة ، ومن أين لك ذهب ؟ قال : بلى ، معي ذهب كثير ، قلت : الذهب يكون أحمر ، قال : أحمر ، قال : أبصِر تحت الحشيش ، فإني أظن أن لي فيه دينارًا ، وكان ثمّ حشيش ، فنحّيت الحشيش ، فخرج دينار وازن ، فاشتريت له به سمكًا ، فنظّفه بيده ، وشواه ، ثم قلاه ، ثم أخرج منه الجلد والعظم ، وجعله أقراصًا ، وجففه ، وتركه في الجُراب ، ومضى ، وكان قوته من ذا ، وله كذا وكذا سنة ما أكل الخبز ، وكان يسكن جبال الشام ، ويأكل البلوط والخرنوب . قال : وقرأت بخط أبي الحجاج يوسف بن محمد بن مقلّد الدمشقي أنه سمع من الشيخ أبي الحسين أبياتًا من الشعر بمسجد باب الفراديس ، ثم قال : وهذا الشيخ عظيم الشأن ، يقعد نحو خمسة عشر يومًا لا يأكل إلا أكلةً واحدة ، وأنه يتقوّت من الخرنوب البري ، وأنه يجفف السمك ويدقّه ، ويستفّه .
وحدثني الإمام يوسف ابن الشيخ أبي الحسين الزاهد المقدسي أن رجلًا كان مع الشيخ ، فرأى معه صرة يستف منها ، فمضى الشيخ يومًا وتركها ، فأبصر الرجل ما فيها ، فإذا فيها شيء مرّ ، فتركها ، فجاء الشيخ ، فقال له : يا شيخ ، ما في هذه الصرة ؟ فأخذ منها كفًا وقال : كُل ، قال : فأكلته ، فإذا هو سكّر ملتوت بقلب لوز . وأخبرنا أبو المظفّر ابن السمعاني ، عن والده ، قال : سمعت الشيخ عبد الواحد بن عبد الملك الزاهد بالكرج يقول : سمعتُ أبا الحسين المقدسي ، وكان صاحب آيات وكرامات عجيبة ، وكان طاف الدنيا ، يقول : رأيت أعجميًا بخراسان يتكلم في الوعظ بكلام حسن ، قلت : في أيها رأيت ؟ قال : في مرو ، واسمه يوسف ، يعني يوسف بن أيوب الزاهد ، قال عبد الواحد : ورأيته في غير الموسم ، يعني أبا الحسين ، بمكة مرات ، فسلّمت عليه ، فعرفني وسألني ، فقلت له : أيش هذه الحالة ؟ فقال : اجتزت ههنا ، فأردت أن أطوف وأزور . قال : وحدّثني أبو تمام حمد بن تُركي بن ماضي بن معرّف بقرية دجانية ، قال : حدّثني جدي ، قال : كنا بعسقلان في يوم عيد ، فجاء أبو الحسين الزاهد إلى امرأة معها خبز سُخن ، فقال : يا أم فلان ، نشتهي من هذا الخبز السخن لزوجك ، وكان في الحج ، فناولته رغيفين ، فلفّهما في مئزر ، ومضى إلى مكة ، فقال : خُذ هذا من عند أهلك ، وأخرجه سُخنًا ، ورجع ، فقالوا : إنهم رأوه ضحوة بعسقلان ، ورأوه ذلك اليوم بمكة ، فجاء الرجل من الحج ، فلقي أبا الحسين ، فقال : ما أنت أعطيتني رغيفين ؟ قال : لا تفعل قد اشتبه عليك .
وحدّثني قال : حدثني جدي ، قال : كان أبو الحسين بعسقلان فوصّوا البوابين لا يخلّوه يخرج لئلا تأخذه الفرنج ، فجاء إلى باب ، وعمل أبو الحسين طرف قميصه في فيه ، وسعى من الباب ، قال : فإذا هو في جبل لبنان ، قال : فقال لنفسه : ويلك يا أبا الحسين ، وأنت ممن بلغ إلى هذه المنزلة ، أو كما قال . وسمعت الإمام الزاهد أحمد بن مسعود القرشي اليماني يقول : حدّثني أبي قال : قالت الفرنج : لو أن فيكم رجلًا آخر مثل أبي الحسين لاتّبعناكم على دينكم ، مروا يومًا فإذا هو راكب على سبع ، وفي يده حية ، فلما رآهم نزل ومضى . وقال أبو سعد السمعاني : سمعت الزاهد عبد الواحد بالكرج ، قال : سمعت الكفار يقولون : الأسود والنمور كأنها نعم أبي الحسين المقدسي .
قال الضياء : وقد سمعنا له غير ذلك من مشي الأسد معه . وحكى له الضياء ، فيما رواه ، أنه عمل مرة حلاوة من قشور البطيخ ، فغرف حلاوة من أحسن الحلاوة . قال : وحدثني الإمام عبد المحسّن بن محمد ابن الشيخ أبي الحسين ، قال : حدثني أبي ، قال : كان والدي يعمل لنا الحلاوة من قشور البطيخ ويسوطها بيده ، قال : فعملنا بعد موته من قشور البطيخ ، فلم تنعمل ، فقالت أمي : بقيت تعوز المغرفة ، تعني يده .
حدثني الإمام عبد الرحمن بن محمد بن عبد الجبار ، قال : حدّثني جمال الدولة سنقر ابن التماني ، قال : جاء الشيخ أبو الحسين عندنا مرة إلى سوق العرب ، فقلنا له : يا شيخ ما تُطعمنا حلاوة ، قال : هاتوا لنا مرجلا ، فجئنا له بمرجل ، فجمع قشور البطيخ ، وتركه فيه ، وأوقد تحته ، وجعل يسوطه بيده ، فصار حلاوة ما رأينا مثلها ، لا قراضيّة ولا صابونية . قال : وسمعت عبد الله بن عبد الجبّار البدوي بديرة بظاهر القدس قال : حدثني عيسى المصري ، قال : جاء أبو الحسين إلى حلب ، فقال له رجل : تنزل عندي ، قال : على شرط أنزل أين أردت ، فقال : نعم ، فجاء فنزل في الحشّ . حدّثني الحاج نجم الدين بن سعد بدجانية ، قال : حدّثني الشيخ أحمد بن مسعود اليماني قال : جاء أبو الحسين إلى أبي وأنا صبي ، فقال : يا شيخ ، قُل للجماعة يعطوني جزوي من العنب ، فجاء ذا بسلّ عنب ، وذا بسل ، حتى صار منه شيء كثير ، فقال لي : تعال اعصُره ، قال : فبقيت أطأه حتى ينعصر ، وجعله في قدر ، وغلى عليه ، فصار دبسًا ، وجاء إلى خرق في الأرض ، وصبّه فيه ، ويقول : امضِ إلى أخي الفلاني في البلد الفلاني ، ويسمي أصدقاءه حتى فرغ منه .
وحدثني خالي الزاهد أبو عمر ، قال : كان أبو الحسين يأتي إلى عندنا ، وكان يقطع البطيخ ويطبخه ، واستعار مني سكينًا لي يقطع بها البطيخ فجرحته ، فقال : ما سكينك إلا حمقاء . ومشى هو وسالم أبو أحمد وعمي إلى صرخد ، ومعه رجل مصري ، فحمّله على رأسه جرة صغيرة فيها ماء بطيخ مطبوخ ، وفي يده شربة أيضًا ، فلما وصلوا إلى الغور انكسرت الشربة ، وبقيت تلك على رأسه ، فانعقر رأسه منها ، فلما وصلوا إلى حوران ، قال : هاتِ حتى نزرع البطيخ ، فاقلبها في الأرض . سمعت خالي أبا عمر قال : حدثني خالي إسماعيل ، قال : جاء أبو الحسين إلى عندنا مرة ، فقال : اطبخوا لي طبيخًا ، فطبخنا ، فأخذه ومضى إلى الجبل ، وجاء إلى زردة فصبّه فيها .
قال الضياء : والحكايات عنه في طبخه لماء البطيخ مشهورة . وقال : ذكر أن النار كان يدخلها وحملها في ثوبه ، سمعت الحاج حرميّ ابن فارس بالأرض المقدسة ، قال : حدّثتني امرأة كبيرة من قريتنا أن أختها كانت زوجة أبي الحسين الزاهد ، فذكرت عنه أنه دخل تنورًا فيه نار ، وخرج منه . قال : وسمعت الزاهد عبد الحميد بن أحمد بن إسماعيل المقدسي يقول : حدثني أبي ، أنه رأى أبا الحسين يوقد نارًا يطبخ رِبًّا ، ومعه سلّ يسقي فيه ، أظنه قال بيده ، ثم يبدد النار ، ويأتي بالماء في السل ، فيقلبه على الربّ .
حدثني الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن أحمد بقرية مردا ، قال : حدثنا أبو يوسف حسن ، قال : كنت مع أبي الحسين الزاهد ، فجئنا إلى قرية ، وإذا عندهم نار عظيمة ، فقال : اعطوني من هذه النار ، فجاؤوا إليه بقطعة جرة فملؤوها فقال : صبوها في ملحفتي ، فصبّوها في ملحفته ، فأخذها ومضى ، وحدّثني آخر هذه الحكاية عن أبي يوسف . وحدّثني الإمام أبو أحمد محمد بن أحمد بن إسماعيل المقدسي ، قال : سمعت مشايخ من أهل بلدنا ، أن أبا الحسين كان يجيء إلى الأتون ، يعني وهم يوقّدونه ، فيقول : دعوني أدفأ ، فيعبُر فيه ، ويخرج من الموضع الذي يخرجون منه الرماد ، وهو ينفض ثيابه من الرماد ، ويقول : دفيت . سمعت الإمام أبا الثناء محمود بن همّام الأنصاري يقول : حدثني الحافظ يوسف ، قال : كان بدمشق أبو عبد الله الطرائفي رجل له معروف ، قال لي : أشتهي الشيخ أبا الحسين يعبر إلى بيتي ، فقلت له ، فقال : نعم ، ولكن إن كان عنده للأتان موضع ، فقلت للطرائفي ، فقال : نعم ، فبقي سنةً ، ثم قال لي يومًا : ألا تمضي بنا إلى عند الرجل الذي وعدناه ؟ فمضيت وهو على حماره ، فدخلنا الدار ، وللطرائفي أخت مقعدة ، فقال له عنها ، فقال : ائتني بماء من هذا البئر ، فجاءه بماء في قدح ، فرقي فيه ، ثم قال : رشّ منه عليها ، قال : فرشّ عليها ، فقامت ، وجاءت وسلّمت على الشيخ ، هذا معنى ما حكاه لي .
وحدثني الإمام الزاهد يوسف ابن الشيخ أبي الحسين الزاهد ، قال : حدثتني أمي أن أبي كان يصلي مرة في البيت ، فرأت السقف قد ارتفع ، وقد امتلأ البيت نورًا . سمعت خالي الإمام موفق الدين يقول : حُكي أن الشيخ أبا الحسين كان راكبًا مرة على حمار عند غباغب ، وهو ممدد على الحمار ، فرآه رجل فقال : أقتُل هذا وآخذُ حماره ، فلما حاذاه أراد أن يمد يده إليه ، فيبست يداه ، فمرّ أبو الحسين وهو يضحك منه ، فلما جاوزه عادت يداه ، فسأل عنه ، فقيل له : هذا الشيخ أبو الحسين . قال الضياء : وكان فيما بلغني ينزع سراويله فيلبسه للحمار ، فإذا رآه الناس تعجبوا وقالوا : أيش هذا ؟ فيقول : حتى نواري عورة الحمار ، فيضحكون منه ، وبلغني أنه فعل مرة هكذا بحماره ، وكان ينقل عليه حجارة لعمل شيء من قلعة دمشق ، وكان الناس يتفرجون عليه ، فجاء رجل على بغلة فعرفه ، فنزل وجاء إليه ، وأظنه قبّل رجليه ، فقال : ما تركتنا نكسب الأجر ، وما كان أحد يعرفنا .
وسمعت خالي أبا عمر يقول : حدثني أبو غانم الحلبي ، قال : دخلت امرأة الشيخ أبي الحسين بحلب إلى عند امرأة السلطان ، فأعطتها شقّة حرير ، فجاء أبو الحسين فعملها سراويل للحمار . سمعت عمر بن يحيى بن شافع المؤذن يقول : حدّثني عبد الغني ، رجل خيّر ، بمصر قال : جاء أبو الحسين إلى عندنا ، فخرج فرأى حمّال قفص معه فخار قد وقع وتكسّر ، فجمعه فقال : يا شيخ أيش ينفع جمعه ؟ فأتى معه إلى صاحبه وحطه عنه ، فإذا كله صحيح . وقبر أبي الحسين بحلب يُزار عند مقام إبراهيم .
وأخبرني ولده أبو الحجاج يوسف أنه فيما يغلب على ظنه توفي والده سنة ثمان وأربعين ، ثم قال : توفي بعد أخذ عسقلان بسنة . أنشدنا شهاب الشذياني ، قال : أخبرنا أبو سعد السمعاني ، قال : أنشدنا يوسف بن محمد الدمشقي قال : أنشدني أبو الحسين الزاهد : ما لنفسي وما لها قد هوت في مطالها كلما قلت قد دنا وتجلى صلالها رجعت تطلب الحرام وتأبى حلالها عاتِبوها لعلها ترعوي عن فِعالها وأعلِموها بأن لي ولها من يسالها