سنة خمس وستين وخمسمائة
سنة خمس وستين وخمسمائة وردت الأخبار بوقوع زلازل في الشام وقع فيها نصف حلب ، ويقال : هلك من أهلها ثمانون ألفا ؛ ذكره ابن الجوزي . وقال العماد : تواصلت الأخبار من جميع البلاد الشامية بما أحدثته الزلزلة بها من الانهدام والانهداد ، وأن زلات زلازلها حلت وجلت ، ومعاقد معاقلها انحلت واختلت ، ﴿وألقت ما فيها وتخلت ﴾، وأن أسوارها غرتها الأسواء وعرتها ، وقرت بها النواكب فنكبتها وما أقرتها ، وانهارت بالأرجاف أجراف أنهارها ، وأن سماءها انفطرت ، وشموسها كورت ، وعيونها عورت وغورت . وذكر فصلا طويلا في الزلزلة وتهويلها .
وقال أبو المظفر ابن الجوزي بعد أن أطنب في شأن هذه الزلزلة وأسهب : لم ير الناس زلزلة من أول الإسلام مثلها ، أفنت العالم ، وأخربت القلاع والبلاد . وفرق نور الدين في القلاع العساكر خوفا عليها ؛ لأنها بقيت بلا أسوار . وفيها نزلت الفرنج على دمياط في صفر ، فحاصروها واحدا وخمسين يوما ثم رحلوا خائبين ، وذلك أن نور الدين وصلاح الدين أجلبا عليها برا وبحرا ، وأغارا على بلادهم .
قال ابن الأثير : بلغت غارات المسلمين إلى ما لم يكن تبلغه ، لخلو البلاد من مانع ، فلما بلغهم ذلك رجعوا ، وكان موضع المثل : خرجت النعامة تطلب قرنين ، فعادت بلا أذنين . وأخرج صلاح الدين في هذه المرة أموالا لا تحصى ، حكي لي عنه أنه قال : ما رأيت أكرم من العاضد ، أرسل إلي مدة مقام الفرنج على دمياط ألف ألف دينار مصرية ، سوى الثياب وغيرها . وفيها توجه نور الدين إلى سنجار فحاصرها حصارا شديدا ، ثم أخذها بالأمان ، ثم توجه إلى الموصل ورتب أمورها ، وبنى بها جامعا وقف عليه الوقوف الجليلة .
وفيها دخل نجم الدين أيوب مصر ، فخرج العاضد إلى لقائه بنفسه ، وكان يوما مشهودا ، وتأدب ابنه صلاح الدين معه ، وعرض عليه منصبه . وفيها سار نور الدين فنازل الكرك ، ونصب عليها منجنيقين ، وقاتلهم أشد القتال ، فبلغه وصول الفرنج إلى ماء عين ، فعطف عليهم فانهزموا . وفيها طرق الفرنج حصن عكار من المسلمين ، وأسروا أميرها ؛ وهو خطلخ العلمدار مملوك نور الدين .