حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تاريخ الإسلام

سنة ست وسبعين وخمسمائة

سنة ست وسبعين وخمسمائة في أوّلها عزل شرف الدين سليمان بن ساروس عن نيابة الوزارة لأجل علوّ سنّه وثقل سمعه ، ووليها جلال الدين هبة الله بن عليّ ابن البخاريّ . وفي المحرّم ركب الناصر لدين الله إلى الكشك ، وصلّى الجمعة بجامع الرصافة . وفيه قدم رسول الملك طغرل السلجوقيّ .

وفيه تقدّم إلى أستاذالدار بالقبض على كمال الدين عبيد الله ابن الوزير عضد الدين محمد ابن رئيس الرؤساء . فنفّذ للقبض عليه عزّ الدولة مسعود الشرابي في جماعة من المماليك ، فحمل مسحوبًا إلى بين يديه ، فأمرهم أن يرفقوا به ، وقيّد وسجن . وفي صفر وصل أمير الحاج ، وفي صحبته صاحب المدينة عز الدين أبو سالم القاسم بن مهنّا للمبايعة .

وفيها توجّه السلطان صلاح الدين قاصدًا بلاد الأرمن وبلاد الروم ليحارب قليج رسلان بن مسعود بن قليج رسلان . والموجب لذلك أن قليج زوّج بنته لمحمد بن قرا رسلان بن داود صاحب حصن كيفا ، ومكثت عنده حينًا . وأنه أحب مغنية وشغف بها ، فتزوجها ، وصارت تحكم في بلاده .

فلما سمع بذلك حموه قصد بلاده عازمًا على أخذ ابنته منه ، فأرسل محمد إلى صلاح الدين يستنجد به ، وكرر إليه الرسل . ثم استقر الحال على أن يصبروا عليه سنة ، ويفارق المغنية . ونزل صلاح الدين على حصن من بلاد الأرمن فأخذه وهده .

ثم رجع إلى حمص فأتاه التقليد والخلع من الخليفة الناصر ، فركب بها بحمص ، وكان يومًا مشهودًا . ومن كتاب السلطان صلاح الدين إلى الخليفة : والخادم ولله الحمد يعدد سوابق في الإسلام والدولة العباسية لا يعدها أوليّة أبي مسلم ؛ لأنه والى ثم وارى ، ولا آخرية طغرلبك ؛ لأنه نصر ثم حجر . والخادم خلع من كان ينازع الخلافة رداءها ، وأساغ الغصة التي ذخر الله للإساغة في سيفه ماءها ، فرجل الأسماء الكاذبة الراكبة على المنابر ، وأعز بتأييد إبراهيمي ، فكسر الأصنام الباطنة بسيفه الظاهر .

وقال العماد الكاتب : توجه السلطان إلى الإسكندرية ، وشاهد الأسوار التي جددها ، وقال : نغتنم حياة الإمام أبي طاهر بن عون . فحضرنا عنده وسمعنا عليه الموطأ . وكتب إليه القاضي الفاضل يهنيه ويقول : أدام الله دولة الملك الناصر سلطان الإسلام والمسلمين ، محيي دولة أمير المؤمنين ، وأسعده برحلته للعلم ، وأثابه عليها .

ولله وفي الله رحلتاه ، وفي سبيل الله يوماه : يوم سفك دم المحابر تحت قلمه ، ويوم سفك دم الكافر تحت علمه . ففي الأول يطلب حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم ، فيجعل أثره عينًا لا تستر . وفي الثاني يحفل لنصرة شريعة هداه على الضلال ، فيجعل عينه أثرًا لا يظهر .

إلى أن قال : وما يحسب المملوك أن كاتب اليمين كتب لملك رحلةً قط في طلب العلم إلا للرشيد ، فرحل بولديه الأمين والمأمون لسماع هذا الموطأ الذي اتفقت الهمتان الرشيدية والناصرية على الرغبة في سماعه ، والرحلة لانتجاعه . وكان أصل الموطأ بسماع الرشيد على مالك في خزانة المصريين ، فإن كان قد حصل بالخزانة الناصرية فهو بركة عظيمة ، وإلا فليلتمس . وفيها أرسل شيخ الشيوخ صدر الدين عبد الرحيم ، وبشير المستنجدي الخادم إلى السلطان صلاح الدين بتقليد ما بيده من البلاد ، وهو من إنشاء قوام الدين بن زبادة ، فمنه : ولما كان الملك الأجل السيد صلاح الدين ، ناصر الإسلام ، عماد الدولة ، جمال الملة ، فخر الأمة ، صفي الخلافة ، تابع الملوك والسلاطين ، قامع الكفرة والمتمردين ، قاهر الخوارج والمشركين ، عز المجاهدين ، ألب غازي بك أبو يعقوب يوسف بن أيوب ، أدام الله علوه على هذه السجايا مقبلًا .

وذكر التقليد ، وفيه : آمره بتقوى الله ، وآمره أن يتخذ القرآن دليلًا ، وآمره بمحافظة الصلاة ، وحضور الجماعة ولزوم نزاهة الحرمات . وآمره بالإحسان وبإظهار العدل ، وأن يأمر بالمعروف ، وأن يحتاط في الثغور ، وأن يجيب إلى الأمان . وآمره بكذا وآمره بكذا .

وكتب في صفر سنة ست وسبعين . وفيها وصل الفقيه هبة الله بن عبد الله من عند صاحب جزيرة قيس رسولًا ، وقدم هدايا . وفي جمادى الأولى يوم الجمعة ركب الخليفة في الدست تظله الشمسية ، السوداء وعلى كريمه الطرحة ، والكل مشاة .

وخرج إلى ظاهر السور ، ثم رد إلى جامع المنصور وصلى ، وأقام بكشك الملكية أسبوعًا . وركب الجمعة الأخرى في موكبه ، وصلى بجامع الرصافة ، وركب في الشبارة الطويلة ، تظله القبة السوداء ، وأرباب الدولة قيام في السفن والخلق يدعون له . وفيها أقطع طغرل الناصري الخاص البصرة بعد موت متوليها قسيم الدولة بهاء الدين .

وفي جمادى الآخرة ركب الناصر لدين الله في موكبه ، وخرج إلى الصيد ، وطاف البلاد والأعمال ، وغاب أسبوعًا . وفيها ولي نيابة دمشق عز الدين فرخشاه ابن أخي السلطان ، وكان حازمًا ، عاقلًا ، شجاعًا ، مقدامًا ، كثير الحرمة .

موقع حَـدِيث