سنة ثمان وثمانين وخمسمائة
سنة ثمان وثمانين وخمسمائة قال ابن البزوري : في صفر كُفَّت يد عبد الوهاب ابن الشيخ عبد القادر عن وقف الجهة الأخلاطية سلجق خاتون . ووجد عند ابنه عبد السلام كُتُب بخط والده عبد الوهاب فيها يتخيَّر الكواكب ، فسُئل : هل هي بخطك ؟ فأقر ، فأفتوا بقلة دينه ، وأن الكاتب لها والقارئ لها مخطئ ، ومُعتقدها كافر . وعُرضت الفتاوى على الخليفة فاستُتيب ، وأُحرقت الكتب في محفل .
وكان فيها أن لا مدبر للعالم سوى الكواكب ، وأنها هي الرازقة . ووهت حًرمة بني عبد القادر ، وأخرجوا عن مدرستهم ، وسُلمت إلى ابن الجوزي . وفيها عُزل قاضي القُضاة العباسي لأنه حكم في كتابٍ زوّره حاجبه أبو جعفر وابن الحراني .
وفيها نفذ شهاب الدّين السهروردي رسولًا إلى زعيم خلاط بكتمر . وفي رجب عُقد مجلس بدار أستاذدار الخليفة ، وأحضر أمير الحاج مجير الدّين طاشتكين متولي الحلَّة ، ثمّ أخرج مكتوب فيه الخادم طاشتكين يخدم السّلطان ويقول : أنا مشدود الوسط في خدمتكم ، وهذا وقتكم ، والبلاد خالية ، فإذا هادنت الفرنج وعدت إلى الشام فأنا أتولى الخدمة . وقد توج المكتوب بالقلم الشريف : إنا ما أسأنا إلى طاشتكين قط وله حقوق ، غير أن باطنه رديء ما يحبنا .
فأنكر طاشتكين ، وزعم أن هذا الخط لايعرفه . فشهد عليه جماعة ممن يختص به وكذبوه . فحُبس ، وكان له إلى هذه السنة تسع عشرة حجة .
ووُلي أيلبا إمرة الحاج . وبنى الخليفة دارًا هائلة مزخرفة في بستانها من الطير والوحش ما يبهت الرائي . فلما انتهت وهبها لولده أبي نصر محمد .
وفيها في المحرم ، أعني سنة ثمانٍ ، نزل الفرنج بعسقلان وهي خراب ، فأخذوا في عمارتها . وفي ربيع الآخر قُتل المركيس صاحب صور ، وكان من شياطين الفرنج ، قدم من البحر في مركبٍ بمالٍ وتجارة أيام فتح بيت المقدس ، فدخل صور وأهلها في هَرج ومرج ، وليس لهم رأس ، فملكوه عليهم ، فقام بأمرهم أتم قيام ، وضبط البلد وحصَّنها ، وحاصرهم صلاح الدّين مدة بعد فتح بيت المقدس فلم يقدر عليهم ، فجرّد على البلد من يضيّق عليهم ورحل . وكان المركيس أحد من بالغ في حصار عكا .
وكان سبب قتله أن سنانًا مقدم الإسماعيلية بعث إليه صلاح الدّين أن يرسل من يقتل ملك الإنكلتار ، وإن قتل المركيس فله عشرة آلاف دينار . فأرسل رجلين في زي الرهبان ، فاتصلا بصاحب صيدا ، فأظهرا العبادة ، فأنس بهما المركيس ، ووثق لهما فقتلاه ، وقُتلا معه . وتملَّك صور بعده كندهري ابن أخت ملك الأنكلتار ، فبقي إلى سنة أربع وتسعين ، فسقط من سطح ومات .
وكان لما رحل خاله إلى بلاده أرسل يستعطف صلاح الدّين ويطلب منه خلعةً وقال : أنت تعلم أن لبس القباء والشربُوش عندنا عيب ، وأنا ألبسهما منك محبة فيك . فنفذ إليه خلعة سنية بشربوش ، فلبسها بعكا . وفيها في صفر نهبت بنو عامر البصرة .
تجمعوا مع أميرهم عُميرة ، وكان بها أمير فحاربهم ، فلم يقو بهم ، وقتل جماعة ، ودخلوها وفعلوا كل قبيح ، وذهبت أمتعة الناس . وفيها في جمادى الأولى استولت الفرنج على حصن الداروم ، ثمّ ساروا حتى بقوا على فرسخين من القدس ، فصب المسلمون عليهم البلاء ، وتابعوا إرسال السرايا ، وبُلي الفرنج منهم بداهيةٍ ، فرجعوا وتخطفهم المسلمون . وكان شهاب الدّين الغُوري غزا الهند في سنة ثلاث وثمانين فانهزم ، فلما كان في هذه السنة خرج من غزنَة بجيوشه ، وقصد عدوه ، فتجهز الكافر ملك الهند وسار نحوه ، فلما قاربه تقهقر شهاب الدين ، وتبعه ملك الهند إلى أن قارب بلاد المسلمين ، فندب شهاب الدّين شطر جيشه ، فداروا في الليل حتى صاروا من وراء الهنود ، وحمل من الغد هو من بين أيديهم وأولئك من خلفهم ، وكثر القتل في الهنود ، وأُسر ملكهم في خلقٍ من جنده ، وغنم المسلمون ما لا يوصف .
ومن ذلك أربعة عشر فيلًا ، فقال ملك الهند : إن كنت طالبًا بلادنا فما بقي فيها من يحفظها ، وإن كنت طالب مالٍ فعندي أموال تحمل منها جمالك كلها . فسار شهاب الدين ، وهو معه ، إلى قلعته واسمها أجمير ، فتملكها شهاب الدّين وتملك جميع نواحيها ، وأقطع الجميع لمملوكه قُطب الدّين أيبك . وقتل ملك الهند ، ورجع إلى غزنة مؤيدًا منصورًا .
وكان عسكر مصر قد خرجوا للغزاة فأقاموا ببلبيس حتى اجتمعت إليهم القوافل ، وساروا في الرمل ، فتهيأت الفرنج لكبسهم وكمنوا لهم ، ثمّ بيتوهم بأرض الحسا . فطاف الإنكلتير حول القفل في صورة بدوي ، فرآهم ساكنين ، فكبسهم في السَّحر بخيله ورجله ، فكان الشجاع من نجا بنفسه . وكانت وقعة شنعاء لم يُصب الناس بمثلها في هذه السنين .
وتبدد الناس في البرية وهلكوا ، وحازت الفرنج أموالًا وأمتعة لا تحصى ، وأسروا خمسمائة نفس ، ونحو ثلاثة آلاف جمل محملة ، فقويت نفوس الملاعين بالظفر والغنائم ، وعزموا على قصد القدس . وسار كندهري إلى صور ، وطرابلس ، وعكا ، يستنفر الناس ، فهيأ السّلطان القدس وحصنها للحصار ، وأفسد المياه التي بظاهر القدس كلها ، وجمع الأمراء للمشورة ، قال القاضي بهاء الدّين بن شداد : فأمرني أن أحثهم على الجهاد ، فذكرت ما يسر اللَّه ، وقلت : إن النبي صلى الله عليه وسلم لما اشتد به الأمر بايع الصحابة على الموت ، ونحن أول من تأسى به ، فنجتمع عند الصخرة ، ونتحالف على الموت . فوافقوا على ذلك .
وسكت السّلطان طويلا ، والناس كأن على رؤوسهم الطير ، ثمّ قال : الحمد لله والصلاة على رسول اللَّه . اعلموا أنكم جند الإسلام اليوم ومنعته ، وأنتم تعلمون أن دماء المسلمين وأموالهم وذراريهم متعلقة في ذمتكم . وأن هذا العدو ليس له من يلقاه غيركم ، فلو لويتم أعنتكم ، والعياذ بالله ، طوى البلاد ، وكان ذلك في ذمتكم ، فإنكم أنتم الذين تصديتم لهذا ، وأكلتم بيت مال المسلمين .
فانتدب لجوابه سيف الدّين المشطوب وقال : نحن مماليكك وعبيدك ، وأنت الذي أنعمت علينا وعظمتنا ، وليس لنا إلا رقابنا ، وهي بين يديك ؛ والله ما يرجع أحد منا عن نصرتك إلى أن يموت . فقال الجماعة مثل ما قال ، فانبسطت نفس السّلطان وأطعمهم ، ثمّ انصرفوا . فلما كان عشاء الآخرة اجتمعنا في خدمته على العادة وسمرنا وهو غير منبسط .
ثمّ صلينا العشاء الآخرة ، وكانت الصلاة هي الدستور العام ، فصلينا وأخذنا في الانصراف فاستدعاني وقال : أعلمت ما تجدد ؟ قلت : لا . قال : إن أبا الهيجاء السمين نفذ إلي اليوم وقال : اجتمع اليوم عنده الأمراء ، وأنكروا موافقتنا على الحصار ، وقالوا : لا مصلحة في ذلك ، فإنَّا نُحصر ويجري علينا ما جرى على أهل عكا ، وعند ذلك تؤخذ بلاد الإسلام أجمع . والرأي أن نعمل مصافًا ، فإن هزمناهم ملكنا بقية بلادهم ، وإن تكن الأخرى سلم العسكر وذهب القدس .
وقد انحفظت بلاد الإسلام وعساكرها مدة بغير القدس . وكان السّلطان - رحمه الله - عنده من القدس أمر عظيم لا تحمله الجبال ، فشقت عليه هذه الرسالة . وبت تلك الليلة في خدمته إلى الصباح ، وهي من الليالي التي أحياها في سبيل اللَّه .
وكان مما قالوه في الرسالة : إنك إن أردتنا نقيم بالقدس فتكون أنت معنا أو بعض أهلك ، وإلا فالأكراد لا يدينون للأتراك ، ولا الأتراك يدينون للأكراد . فانفصل الحال على أن يقيم من أهله الملك مجد الدين صاحب بعلبك . وكان رحمه اللَّه يحدِّث نفسه بالمقام ، ثمّ امتنع من ذلك لما فيه من خطر الإسلام ، فلما صلينا الصبح قلت له : ينبغي أن ترجع إلى الله تعالى ، وهذا يوم جمعة ، وفيه دعوة مُستجابة ، ونحن في أبرك موضع .
فالسّلطان يغتسل الجمعة ويتصدق بشيء سرًا ، وتصلي بين الأذان والإقامة ركعتين تناجي فيهما ربك ، وتفوض مقاليد أمورك إليه ، وتعترف بعجزك عما تصديت له ، فلعله يرحمك ويستجيب لك . وكان رحمه الله حسن الاعتقاد ، تام الإيمان ، يتلقى الأمور الشرعية بأحسن انقياد . فلما كان وقت الجمعة صليت إلى جانبه في الأقصى ، وصلى ركعتين ، ورأيته ساجدًا ودموعه تتقاطر .
ثم انقضت الجمعة . فلما كان العشي وصلت رقعة من عز الدّين جرديك ، وكان في اليزك ، يقول فيها : إن القوم قد ركبوا بأسرهم ، ووقفوا في البر على ظهر ، ثمّ عادوا إلى خيامهم ، وقد سيرنا جواسيس تكشف . ولما كان من الغد يوم السبت ، وهو الحادي والعشرين من جمادى الآخرة ، وصلت رقعة أخرى تخبر أن الجواسيس رجعوا ، وأخبروا أن القوم اختلفوا في الصعود إلى القدس أو الرحيل إلى بلادهم ، فذهب الفرنسيسة إلى الصعود إلى القدس وقالوا : إنما جئنا بسببه ولا نرجع .
وقال الإنكلتير : إن هذا الموضع قد أفسدت مياهه ولم يبق حوله ماء ، فمن أين نشرب ؟ قالوا : نشرب من نهر نقوع ، وهو على فرسخ من القدس ؛ فقال : كيف نذهب إليه ؟ قالوا : نتقسم ، فقسم يذهب إلى السقي ، وقسم يبقى على البلد ، فقال : إذًا يأخذ العسكر البراني الذي لهم من يذهب مع الدواب ، ويخرج عسكر البلد على الباقين . فانفصل الحال على أنهم حكموا ثلاثمائة من أعيانهم ، وحكم الثلاثمائة اثني عشر منهم ، وحكم الاثنا عشر ثلاثة منهم ، وقد باتوا على حكم الثلاثة . فلما أصبحوا حكموا عليهم بالرحيل ، فلم يمكنهم المخالفة ، فرحلوا ليومهم ، وهو يوم السبت المذكور ، نحو الرملة ، ناكصين على أعقابهم .
ثم نزلوا الرملة ، وتواتر الخبر بذلك إلى السّلطان ، وكان يوم فرح وسرور . ثم ورد رسول الإنكلتير في الصلح يقول : قد هلكنا نحن وأنتم ، والأصلح حقن الدماء ، ولا تغتر بتأخيري عن منزلتي ، فالكبش يتأخر لينطح . وهذا ابن أختي كندهري قد ملكته هذه الديار ، وسلمته إليك يكون بحكمك .
وإن جماعة من الرهبان قد طلبوا منك كنائس ، فما بخلت بها عليهم ، وأنا أطلب منك كنيسة في القدس ، وما راسلتك به مع الملك العادل قد تركته ، يعني من طلبه القدس وغيرها ، ولو أعطيتني قرية أو مقرعة لقبلتها . فاستشار السّلطان الأمراء ، فأشاروا بالصلح لما بهم من الضجر والتعب وعلاهم من الديون . فاستقر الحال على أن الجواب ما جزاء الإحسان إلا الإحسان ، وابن أختك يكون كبعض أولادي ، وسيبلغك ما أفعل معه ، وأنا أعطيك أكبر الكنائس ، وهي القمامة ، والبلاد التي بيدك بيدك ، وما بأيدينا من القلاع الجبلية يكون لنا ، وما بين العملين يكون مناصفة ، وعسقلان وما وراءها يكون خرابًا .
فانفصل الرسول طيب القلب . ثم ورد رسوله يقول : أن يكون لنا في القدس عشرون نفرًا ، وإن من سكن من النصارى والفرنج في القدس لا يُتعرض لهم ، وأما بقية البلاد فلنا منها الساحليات والوطاة ، والبلاد الجبلية لكم . فأجابه السّلطان بأن القدس ليس لكم فيه سوى الزيارة .
فقال الرسول : وليس على الزوار شيء ؟ فقال السّلطان : نعم . وأطلق لهم بلاد عسقلان يزرعونها ، وأن تكون قرى الداروم مناصفة . وفيها قسم السّلطان صلاح الدّين عمارة سور بيت المقدس على أخيه وأولاد أخيه .
ولم يزل مُجدًا في عمارتها حتى ارتفعت . وفيها كان خلاص سيف الدّين علي المشطوب أمير عكا من الأسر على مال قرره . ثمّ مات في آخر شوال .
فعين السّلطان ثلث نابلس لمصالح بيت المقدس وباقيها للأمير عماد الدّين أحمد ابن المرحوم سيف الدّين المشطوب . وفيها نازل الفرنج قلعة الداروم وافتتحوها بالسيف . ثمّ كانت وقعات بينهم وبين المسلمين ، كلها للمسلمين عليهم ، إلا وقعة واحدة كان العادل أخو السّلطان مقدمها ، ودهمهم العدو فهزموهم .
وفيها نزل السّلطان على يافا وأخذها بالسيف ، وأخذ القلعة بالأمان ، ثمّ طولوا ساعات الانتقال وأمهلوا وسوفوا ، حتى جاءهم ملك الإنكلتير نجدة في البحر بغتة ، ودخل القلعة وغدروا ، فأسر السّلطان من كان خرج منهم ، وسار إلى الرملة . ثم وقعت الهدنة بينه وبين الفرنج مدة ثلاث سنين وثمانية أشهر ، وجعل لهم من يافا إلى قيسارية إلى عكا ، إلى صور . وأدخلوا في الصلح طرابلس ، وأنطاكية ، واستعاد منهم الداروم؛ ودخل في هذا الصلح وهو كاره يأكل يديه من الحنق والغيظ ولكنه عجز وكثرت عليه الفرنج .
وكتب كتاب الصلح بين الملتين في الثاني والعشرين من شعبان . ووقعت الأيمان والمواثيق على ذلك من الفريقين ، ونودي بذلك . وكان في جملة من حضر عند صلاح الدّين صاحب الرملة ، فقال لصلاح الدّين : ما عمل أحد ما عملت ، إننا أحصينا من خرج إلينا في البحر من المقاتلة فكانوا ستمائة ألف رجل ، ما عاد منهم إلى بلادهم من كل عشرة واحد ، بعضهم قتلوا ، وبعضهم مات ، وبعضهم غرق .
وأذن صلاح الدّين في زيارة القدس للفرنج ، وترددت الرسل بين السّلطان وبين الفرنج . ثم سار فنزل بالعوجاء ، وبلغه أن الإنكلتير بظاهر يافا في نفر يسير ، فساق ليكبسه ، فأتى فوجد نحو عشر خيم ، فحمل السّلطان عليهم ، فثبتوا ولم يتحركوا ، وكشروا عن أنياب الحرب ، فارتاع عسكر السّلطان وهابوهم ، وداروا حولهم حلقة . وكانت عدة الخيل سبعة عشر ، والرجالة ثلاثمائة .
فوجد السّلطان من ذلك وتألم ، ودار على جنده ينخيهم على الحملة ، فلم يجب دعاءه سوى ولده الملك الظاهر . وقال للسلطان الجناح أخو سيف الدّين المشطوب : قل لغلمانك الذين ضربوا الناس يوم فتح يافا وأخذوا منهم الغنيمة يحملون . وكان في نفوس العسكر غيظ على السلطان حيث فوَّتهم الغنيمة .
فغضب السّلطان وأعرض عن القتال . وذُكر أن الإنكلتير حمل يومئذٍ بُرمحه من طرف الميمنة على طرف الميسرة ، وما تعرض له أحد . فرد السّلطان وسار إلى النطرون ثمّ إلى القدس .
ومرض الإنكلتير ، وكانت رسُله تتردد في طلب الخوخ والكمثرى ، وكان السّلطان يمده بذلك وبالثلج . ثم عُقدت الهدنة وتوثّق من الفريقين ، فحلف جماعة من ملوك الفرنج ومن ملوك الإسلام من آل السّلطان ومن أمرائه الأعيان ، وكان يوم الصلح يومًا مشهودًا ، عم الفرح هؤلاء وهؤلاء . ورجع إلى القدس فتمم أسواره ودخل دمشق في شوال .
وفيها قُتل سلطان الروم قلج أرسلان .