سنة ست وتسعين وخمسمائة
سنة ست وتسعين وخمسمائة فيها مات السّلطان علاء الدّين خوارزم شاه تكش ، وقام بعده ابنه محمد . وفيها كان الملك الأفضل والملك الظّاهر على حصار دمشق ، والعساكر قائمة بمنزلتهم ، قد حفروا عليها خندقًا من أرض اللّوان إلى يلدا احترازًا من مهاجمة الدّمشقييّن لهم ، وعظم الغلاء بدمشق ، وزاد البلاء ، وكادت أن تعدم الأقوات بالكلية ، ونفذت أموال الملك العادل على الأمراء والجند ، وأكثر الاستدانة من التّجّار والأكابر ، وكان يدبّر الأمور بعقل ومكر ودهاء ، حتّى تماسك أمره ، ثم فارقه جماعة أمراء ، فكتب إلى ابنه الكامل : أن أسرع إليَّ بالعساكر ، وخذ من قلعة جعبر ما تنفقه في العساكر ، فسار الكامل ودخل جعبر ، وأخذ منها أربعمائة ألف دينار ، وسار إلى دمشق ، وتوانى الأخوان عن معارضته ، فدخل البلد وقوي به أبوه ، وضعف أمر الظّاهر والأفضل ، ووقع بينهما على مملوك للظّاهر كان مليحًا أخذه الأفضل وأخفاه ، ثم رحل الأفضل والظّاهر إلى رأس الماء وافترقا ، وهجم الشّتاء ، وردّ الأفضل إلى مصر ، والظّاهر إلى حلب ، فخرج العادل يتبع الأفضل ، فأدركه عند الغرابيّ من رمل مصر ، ودخل العادل القاهرة ، فرجع الأفضل إلى صرخد منحوساً . وكان في أوّل السّنة قد وصل ابن أخي السّلطان خوارزم شاه مستغفرًا عن عمه ممّا أقدم عليه من مواجهة الدّيوان بطلب الخطبة ، فأكرم مورده .
وقال القاضي جمال الدّين ابن واصل : ثم سار الأفضل والظّاهر إلى رأس الماء ، وعزما على المقام به إلى أن ينسلخ الشتاء ، فتواترت الأمطار ، وغلت الأسعار ، فاتفقا على الرحيل وتأخير الحصار إلى الربيع . ودخل الأفضل مصر ، وتفرق عسكره لرعي دوابّهم ، بعد أن خامر منهم طائفة كبيرة إلى العادل ، ورحل العادل فدخل الرمل ، فرام الأفضل جمع العساكر ، فتعذّر عليه ، فخرج في عسكر قليل ، ونزل السّائح ، وعمل المصافّ مع عمّه ، فانكسر وولى ، والمصريّون منهزمين ، وكان بعضهم مخامرين وتخاذلوا عنه ، فاضطرّ إلى أن ترك مصر ، وتعوَّض بميَّافارقين ، وحاني وسميساط ، ودخل العادل القاهرة في الحادي والعشرين من ربيع الآخر ، واجتمع به الأفضل ، ثم سافر إلى صرخد . ثم طلب العادل ابنه الكامل ، وملك الدّيار المصرّية ، وجعل ابنه الكامل نائبًا عنه ، فناب عنه قريبًا من عشرين سنة ، ثمّ استقلّ بالملك بعده عشرين سنة وأشهراً .
وأنبأنا ابن البزوريّ قال : في ربيع الآخر التقى عسكر العادل وعسكر الأفضل ، فانهزم عسكر الأفضل وهو إلى القاهرة ، فساق العادل ونزل محاصرًا القاهرة ، فأرسل الأفضل إلى عمّه العادل يقنع منه ببعض بلاده ، فقال للعادل : أريد دمشق ، فلم يجبه ، ثم آل الأمر إلى أن رضي بميّافارقين وخرج من مصر ، ودخلها العادل فعمل أتابيكة الملك المنصور عليّ ابن العزيز ، ثم لم يبرح يتلطف ويتألف الأمراء إلى أن ملك الدّيار المصرية ، وخطب لنفسه وقال : هذا صبيّ يحتاج إلى المكتب ثم قطع خطبة الصَّبي . وفيها قدم بغداد من المغرب رسول الملثّمة ، من مخدومه إسحاق بن يحيى بن إسحاق بن غانية الملثَّم المايرقي الخارج على بني عبد المؤمن ، فتلقّي بالموكب الشّريف ، وأخبر أن مرسله أقام الدّعوة للخليفة ببلاده بلاد المغرب . أنبأني ابن البزوريّ قال : أخبرت أنّ الرسول المذكور كان ملثّما لا يظهر منه سوى عينيه ، وأقام ببغداد أيّاماً ، وأعطي لواء أسود وخلعاً ، وأعيد إلى مرسله .
وحجّ من العراق بالنّاس سنقر النّاصريّ ، ويعرف بوجه السَّبع . ولمّا تمكن السّلطان الملك العادل سيف الدّين أبو بكر من مملكة مصر سيَّر الأميرين علم الدّين كرجيّ الأسدي ، وأسد الدّين سراسنقر ليحضرا ولده الملك الكامل ، فدخل الكامل إلى القاهرة في أواخر رمضان من السّنة ، وخرج العادل بأمراء الدّولة المصريّة بأن يبرزوا معه ليسيروا إلى خلاط ، وحثهم على ذلك . فلما كان سابع عشر شوّال ركب بالسّناجق والسّيوف المجذَّبة في الدَّست ، فلم يجسر أحد من الأمراء أن ينطق ، وأمر الخطباء أن يخطبوا باسمه كما ذكرنا ، ثمّ لم يلبث إلاّ أيامًا يسيرة حتّى سلطن ولده الكامل على الدّيار المصرية ، وقدم عليه أخوه لأمه صاحب المدرسة الفلكيّة بدمشق فلك الدّين سليمان بن سروة بن جلدك .
وفيها كان نقص النّيل ، والغلاء والوباء المفرط ، وخربت ديار مصر ، وجلا أهلها عنها ، واشتد البلاء في سنة سبع ، وأكلوا الجيف ، ثم أكلوا الآدميّين ، ومات بديار مصر أمم لا يحصيهم إلاّ الله ، وكسر النّيل من ثلاثة عشر ذراعًا إلا ثلاثة أصابع ، وقيل لم يكمل أربعة عشر ذراعا .