حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تاريخ الإسلام

سنة سبع وتسعين وخمسمائة

سنة سبع وتسعين وخمسمائة قال الموفّق عبد اللّطيف : دخلت سنة سبعٍ مفترسة لأسباب الحياة ، ويئسوا من زيادة النّيل ، وارتفعت الأسعار ، وأقحطت البلاد ، وضوى أهل السواد والريف إلى أمّهات البلاد ، وجلا كثير إلى البلاد النّائية ، ومزِّقوا كلَّ ممزَّق ، ودخل منهم خلق إلى القاهرة ، واشتدّ بهم الجوع ، ووقع فيهم الموت عند نزول الشّمس الحمل ، ووبئ الهواء ، وأكلوا الميتات والبَعر ، ثمّ تعدّوا إلى أكل الصِّغار ، وكثيرًا ما يُعثر عليهم ومعهم صِغار مشويّون أو مطبوخون ، فيأمر السّلطان بإحراق الفاعل ، رأيت صغيرًا مشويًا مع رجل وامرأة أُحضرا فقالا : نحن أبواه ، فأمر بإحراقهما ، ووُجد بمصر رجل قد جُرّدت عظامه وبقي قَفصاً ، وفشى أكل بني آدم واشتهر ووجِد كثيراً ، وحكى لي عدّة نساء أنّه يتوثَّب عليهنّ لاقتناص أولادهنّ ويُحامين عنهم بجهدهنّ ، ولقد أُحرِق من النّساء بمصر في أيّامٍ يسيرة ثلاثون امرأة ، كلٌّ منهنّ تُقِرّ بأنّها أكلت جماعة ، ورأيت امرأة أُحضرت إلى الوالي وفي عنقها طفلٌ مَشوِيّ ، فضُرِبت أكثر من مائة سَوط ، على أن تقرّ ، فلا تخبر جواباً ، بل تجدها قد انخلعت عن الطِّباع البشريّة ، ثمّ سُجِنت فماتت ، وحكى لنا رجل أنّه كان له صديق ، فدعاه ليأكل ، فوجد عنده فقراء قدّامهم طبيخ كثير اللّحم ، وليس معه خبز ، فرابه ذلك ، وطلب المِرحاض ، فصادف عنده خزانة مشحونة برُمم الآدميّين وباللّحم الطَّريّ ، فارتاع وخرج هارباً ، وقد جرى لثلاثةٍ من الأطبّاء ممّن ينتابني ، أمّا أحدهم فإنّ أباه خرج فلم يرجع ، والآخر فأعطته امرأة درهمين ومضى معها ، فلمّا توغّلت به مضائق الطُّرق استراب وامتنع ، وشنّع عليها ، فتركت دراهمها وانسلّت ، وأمّا الثّالث فإنّ رجلًا استصحبه إلى مريضةٍ إلى الشَارع ، وجعل في أثناء الطّريق يتصدَّق بالكِسَر ويقول : هذا وقت اغتنام الأجر ، ثمّ أكثر حتّى ارتاب منه الطّبيب ، ودخل معه دارًا خربة ، فتوقّف في الدَّرج ، وفتح الرجل فخرج إليه رفيقه يقول : هل حصل صيد ينفع ؟ فجزع الطّبيب ، وألقى نفسه إلى إصطبل ، فقام إليه صاحب الإصطبل يسأله ، فأخفى قصّته خوفًا منه أيضًا فقال : قد علمت حالك ، فإنّ أهل هذا المنزل يذبحون النّاس بِالحيَل ، ووجدنا بإطفيح عند عطّار عدّة خوابي مملوءة بلحوم الآدميّين في الماء والملح ، فسألوه فقال : خفت دوام الجدب فيهزل النّاس ، وكان جماعة قد أَوَوا إلى الجزيرة ، فعُثِر عليهم ، وطُلبوا ليُقتَلوا فهربوا ، فأخبرني الثّقة أنّ الذّي وُجد في بيوتهم أربع مائة جمجمة . ثمّ ساق غير حكاية ، وقال : وجميع ما شاهدناه لم نتقصّده ولا تتبّعنا مظانّه ، وإنّما هو شيء صادفناه اتّفاقاً ، وحكى لي من أثق به أنه اجتاز على امرأةٍ وبين يديها ميّت قد انتفخ وانفجر ، وهي تأكل من أفخاذه ، فأُنكِر عليها ، فزعمت أنّه زوجها . ثم قال : وأشباه هذا كثير جدّاً ، وممّا شاع أيضًا نبش القبور ، وأكل الموتى ، فأخبرني تاجر مأمون حين ورد من الإسكندريّة بكثرة ما عاين بها من ذلك ، يعني من أكل بني آدم ، وأنّه عاين خمسة أرؤس صغار مطبوخة في قِدر ، وهذا المقدار كافٍ ، وأعتقد أنّي قد قصّرت .

وأمّا موت الفقراء جوعًا فشيء لا يعلمه إلاّ الله تعالى ، فالّذي شاهدناه بالقاهرة ومصر وهو أنّ الماشي لا يزال يقع قدمه أو بصره على ميت ، أو مَن هو في السّياق ، وكان يُرفع من القاهرة كلّ يوم من الميضأة ما بين مائة إلى خمس مائة ، وأما مصر فليس لموتاها عدد ، يُرمون ولا يُوارَون ، ثمّ عجزوا عن رميهم ، فبقوا في الأسواق والدّكاكين ، وأما الضّواحي والقرى ، فهلك أهلها قاطبةً إلاّ من شاء الله ، وأن المسافر ليمرّ بالقرية فلا يرى فيها نافخ نار ، وتجد البيوت مفتَّحة وأهلها موتى ، حدَّثني بذلك غير واحد ، وقال لي بعضهم : إنّه مرّ ببلدٍ ذكر لنا أنّ فيها أربع مائة نول للحياكة ، فوجدناها خراباً ، وأنّ الحائك في جورة حياكته ميّت ، وأهله موتى حوله فحضرني قوله تعالى : ﴿إِنْ كَانَتْ إِلا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ قال : ثم انتقلنا إلى بلدٍ آخر ، فوجدناه ليس به أنيس ، واحتجنا إلى الإقامة به لأجل الزّراعة ، فاستأجرنا من ينقل الموتى ممّا حولنا إلى النيل ، كلّ عشرة بدرهم ، وأخبرت عن صيادٍ بفُوهة تِنَّيس أنّه مرّ به في بعض يوم أربع مائة آدميّ يقذف بهم النّيل إلى البحر ، وأما أنا فمررت على النّيل ، فمرّ بي في ساعة نحو عشرة موتى . وأمّا طريق الشّام فصارت منزرعةً ببني آدم ، وعادت مأدبة بلحومهم للطّير والسِّباع ، وكثيرًا ما كانت المرأة تتخلّص من صِبيتها في الزّحام ، فيتضورون حتى يموتوا ، وأما بيع الأحرار فشاع وذاع ، وعرض عليَّ جاريتان مراهقتان بدينار واحد ، وسألتني امرأة أن أشتري ابنتها وكانت جميلة دون البلوغ بخمسة دراهم ، فعرّفتها أن ذلك حرام فقالت : خذها هدية ، وقد أُبيع خلقٌ ، وجلبوا إلى العراق ، وخراسان ، هذا ، وهم عاكفون على شهواتهم ، منغمسون في بحر ضلالاتهم ، كأنهم مُستثنون ، وكانوا يزْنون بالنساء حتى إنّ منهم من يقول : إنّه اقتض خمسين بكرًا ، ومنهم من يقول : سبعين ، كلّ ذلك بالكسر . وأمّا مصر فخلا مُعظمها ، وأما بيوت الخليج وزقاق البركة والمقس وما تاخم ذلك ، فلم يبق فيها بيتٌ مسكون ، ولم يبق وقود النّاس عِوض الأحطاب إلا خشب السّقوف والبيوت الخالية ، وقد استغنى طائفة كبيرة من النّاس في هذه النَّوبة ، وأمّا النيل فإنه اخترق في برمودة اختراقاً كبيرا ، وصار المقياس في أرض جزر ، وانحسر الماء عنه نحو الجزيرة ، وظهر في وسطه جزيرة عظيمة ومقطَّعات أبنية ، وتغيّر ريحه وطعمه ، ثم تزايد التّغيُّر ، ثم انكشف أمره عن خضرة طحلبيّة ، كلمّا تطاولت الأيام ظهرت وكثّرت كالّتي ظهرت في أبيب من السّنة الخالية ، ولم تزل الخضرة تتزايد إلى أواخر شعبان ، ثم ذهبت ، وبقي في الماء أجزاء نباتيّة منتنة ، وطاب طعمه وريحه ، ثمّ أخذ ينمَى ويقوى جريه إلى نصف رمضان ، فقاس ابن أبي الرداد قاع البركة فكان ذراعين ، وزاد زيادةً ضعيفة إلى ثامن ذي القعدة ، ثم وقف ثلاثة أيّام ، فأيقن الناس بالهلاك ، واستسلموا ، ثم إنه أخذ في زيادات قويّة ، فبلغ في ثالث ذي الحجة خمسة عشر ذراعًا وستة عشر إصبعاً ، ثم انحطَّ من يومه ، ومسّ بعض البلاد تحلة القسم ، وأروى الغربيّة ونحوها ، غير أن القرى خالية كما قال تعالى : فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلا مَسَاكِنُهُمْ وزرع الأمراء بعض البلاد ، ونهاية سعر الإردبّ خمسة دنانير ، وأما بقُوص ، والإسكندريّة فبلغ ستة دنانير .

ودخلت سنة ثمانٍ وتسعين والأحوال على حالها أو في تزيُّد إلى زهاء نصف السّنة ، وتناقصت موت الفقراء لقلّتهم ، لا لارتفاع السبب الموجب وتناقص أكل الآدمييّن ثم عُدِم ، وقلَّ خطفُ الأطعمة من الأسواق لفناء الصّعاليك ، ثم انحط الإردب إلى ثلاثة دنانير لقلة الناس ، وخفّت القاهرة ، وحُكي لي أنّه كان بمصر تسع مائة منسج للحُصر ، فلم يبق إلاّ خمسة عشر منسجاً ، فقس على هذا أمر باقي الصُّناع من سائر الأصناف ، وأما الدّجاح فعُدِم رأساً ، لولا أنّه جُلِب من الشّام ، وحكي لي أن رجلًا جلب من الشّام دجاجًا بستّين ديناراً ، باعها بنحو ثمانمائة دينار ، فلمّا وُجد البيض بيع بيضة بدرهم ، ثم كثُر ، وأما الفراريج فاشتُرِي الفرُّوج بمائة درهم ، ثم أبيع بدينار مُديدة . وقال في أمر الخراب : فأما الهلاّلية ، ومُعظم الشارع ودور الخليج ، وحارة السّاسة والمقس ، وما تاخم ذلك ، فلم يبق فيها أنيس ، وإنّما ترى مساكنهم خاوية على عروشها . قال : والّذي تحت قلم ديوان الحبس من الموتى الحشرية وضمّته الميضأة في مدّة اثنتين وعشرين شهرًا مائة ألف وأحد عشر ألفًا إلا شيئًا يسيراً .

قلت : هذا في القاهرة . قال : وهذا مع كثرته نزرٌ في جنب ما هلك بمصر والحواضر ، وكلّه نزرٌ في جنب ما هلك بالإقليم ، وسمعنا من الثِّقات عن الإسكندرية أن الإمام صلّى يوم الجمعة على سبع مائة جنازة ، وأن تركةً انتقلت في مدّة شهر إلى أربعة عشر وارثاً ، وأن طائفة تزيد على عشرين ألفًا انتقلوا إلى برقة وأعمالها ، فعمروها وقطنوا بها ، وكانت مملكة عظيمة خربت في زمان خلفاء مصر على يد الوزير اليازوريّ ، ونزح عنها أهلها . ومن عجيبٍ ما اتفق لشيخٍ من أطباء اليهود ممن كان ينتابني أنه استدعاه رجلٌ ذو شارة وشُهرة ، فلما صار في المنزل وأغلق الباب وثب المريض عليه فجعل في عنقه وهَقاً ، ومرث خصيتَيه ، ولم يكن له معرفة بالقتل ، فطالت المناوشة ، وعلا ضجيجه ، فتسامع النّاس ، ودخلوا فخلّصوا اليهودي ، وبه رمق ، وقد وجبت خصَاه ، وكُسرت ثنيَّتاه ، وحُمل إلى منزله ، وأُحضر ذاك إلى الوالي فقال : ما حملك على هذا ؟ قال : الجوع فضربه ونفاه .

في سحر يوم الاثنين السّادس والعشرين من شعبان ارتاع الناس ، وهبّوا من مضاجعهم مدهوشين ، وضجّوا إلى الله تعالى ، وبقيت مدّة وكانت حركتها كالغربلة ، أو كخفق جناح الطائر ، وانقضت على ثلاث زحفات قويّة ، مادّت الأبنية ، واصطفقت الأبواب ، وتداعى من الأبنية الواهي والعالي ، ثم تواترت الأخبار بحدوثها في هذه الساعة في البلاد النّائية ، فصح عندي أنها تحرَّكت من قوص إلى دمياط والإسكندرية ، ثم بلاد السّاحل بأسرها ، والشّام طولًا وعرضاّ ، وتعفّت بلاد كثيرة وهلك من الناس خلق عظيم وأمم لا تُحصى ، ولا أعرف في الشّام أحسن سلامة من القدس ، وأنكت في بلاد الفرنج أكثر ، وسمعنا أنها وصلت إلى خلاط وإلى قبرس ، وأن البحر ارتطم وتشوهت مناظره ، وصار فرقا كالأطواد ، وعادت المراكب على الأرض ، ثم تراجعت المياه ، وطفا سمك كثير على سواحله ، ووردت كتُب من الشام بأمر الزّلزلة ، واتصّل بي كتابان أوردتُهما بلفظهما ، يقول في أحدهما : زلزلةٌ كادت لها الأرض تسير سيراً ، والجبال تمُور موراً ، وما ظنّ أحد من الخلق إلاّ أنها زلزلة السّاعة ، وأتت في الموقت على دفعتين ، فأما الدّفعة الأولى فاستمرت مقدار ساعةٍ أو تزيد عليها ، وأما الثانية فكانت دونها ، ولكن أشدّ منها ، وتأثّر منها بعض القلاع ، فأولها قلعة حماة ، وفي الكتاب الآخر أنها دامت بمقدار ما قرأ سورة الكهف وأن بانياس سقط بعضها ، وصَفَد لم يسلم بها إلا ولد صاحبها لا غير ، ونابلس لم يبق بها جدار قائم سوى حارة السّمرة ، وكذلك أكثر حوران ، غارت ولم يُعرف لبلدٍ منها موضعٌ يقال فيه هذه القرية الفلانية . قلت : هذا كذب وفجور من كاتب هذه المكاتبة أما استحى من الله تعالى ؟ ثم قال فيه : ويقال : إن عرقة خُسف بها ، وكذلك صافيتا . قال الموفّق : وأخبرونا أن بالمقس تلاًّ عظيمًا عليه رممٌ كثيرة فأتيناه ورأيناه وحدسناه بعشرة آلاف فصاعدا ، وهم على طبقات في قُرب العهد وبعده ، فرأينا من شكل العظام ومفاصلها وكيفيّة اتصالها وتناسُبها وأوضاعها ما أفادنا علمًا لا نستفيده من الكتُب ، ثم إنُنا دخلنا مصر ، فرأينا فيها دروبًا وأسواقًا عظيمة كانت مغتصّة بالزّحام ، والجميع خالٍ ليس فيه إلًا عابر سبيل ، وخرجنا إلى سكرجة فرعون ، فرأيت الأقطار كلُها مغتصّة بالجثث والرمَّم ، وقد غلبت على الآكام بحيث جلَّلتها ، ورأينا في هذه الأسكرجة وهي عظيمة ، الجماجم بيضا وسودا ودكنا ، وقد خفي أكثرها وتركها سائر العظام ، حتى كأنها رؤوس لم تكن معها أبدان ، أو كأنها بيدر بطيخ .

قال أبو شامة : وجاءت في شعبان سنة سبع زلزلة هائلة عمّت الدّنيا في ساعة واحدة ، هدمت بنيان مصر ، فمات تحت الهدم خلقٌ كثير ، ثم امتدت إلى الشام ، فهدمت مدينة نابلس ، فلم يبق فيها جدار قائم إلا حارة السّمرة ، ومات تحت الهدم ثلاثون ألفاً ، وهُدمت عكّا وصور ، وجميع قلاع الساحل . قلت : هذا نقله الإمام أبو شامة من مرآة الزمان ومصنَّفه شمس الدين يوسف رحمه الله كثير الخسف والمجازفة ، وإلا من عنده ورع لم يُطلق هذه العبارات إذ لم تصل الصورة إلى هذا الحد ، فقوله أولا : عمت الدنيا مجرد دعوى فما الذي أطلعه على جميع الممالك ، وقوله : فلم يبق منهما جدار قائم ، مجازفة أيضاً ، وقوله : هُدمت جميع قلاع الساحل ، فيه بعض ما فيه كما ترى ، فلا تعتمد على تهويله . قال أبو شامة : ورمت بعض المنارة الشّرقية بجامع دمشق ، وأكثر الكلاّسة ، والمارستان النُّوري ، وعامّة دور دمشق إلا القليل ، وهرب الناس إلى الميادين ، وسقط من الجامع ست عشرة شرافة ، وتشققت قبّة النَّسر ، وتهدّمت بانياس ، وهونين ، وتبنين ، وخرج قوم من بعلبك يجمعون الرّيباس من جبل لبنان ، فالتقى عليهم الجبلان فماتوا ، وتهدمت قلعة بعلبك مع عِظَم حجارتها ، وانفرق البحر ، فصار أطواداً ، وقذف بالمراكب إلى السّاحل فتكسرت ، وأحصي من هلك في هذه السّنة فكان ألف ألف ومائة ألف إنسان .

ثم قال : نقلت ذلك من تاريخ أبي المظفّر سبط ابن الجوزي . وقال ابن الأثير : لما ملك العادل مصر وقطع خطبة المنصور ولد العزيز لم يرض الأمراء بذلك ، وراسلوا الظاهر صاحب حلب ، والأفضل بصَرْخَد ، وتكررت المكاتبات يدعونهما إلى قصد دمشق ليخرج العادل ، فإذا خرج إليهم أسلموه وتحولوا إليهما ، ففشا الخبر وعرف العادل ، فكتب إلى ابنه بدمشق يأمره أن يحاصر صرخد فعلم الأفضل ، فسار إلى حلب ، فخرج معه الظاهر ونازلا دمشق ، واتفقا على أن تكون دمشق للأفضل ، ثم يسيرون إلى مصر ، فإذا تملكاها صارت مصر للأفضل ، وصارت الشام كلها للظاهر . رجعنا إلى قول أبي شامة ، قال : وفي ذي القعدة حوصرت دمشق ، جاء الأفضل والظاهر ، ونَجَدَهما من بانياس حسام الدين بشارة ، وقاتلوا أهل دمشق أياماً ، وكان بها المعظّم عيسى ، وبلغ أباه فقدم من مصر ، ونزل نابلس ، وبعث إلى الأمراء مكاتبات ، فصرفهم إليه ، ثم زحف ابنا صلاح الدين ، المذكوران على دمشق فوصلوا إلى باب الفراديس وأحرقوا فندق تقي الدين ، وحاربهم الملك المعظّم ، وحفظ البلد ، وبقوا نحو شهرين ، ثم بعث العادل فأوقع الخُلْف بين الأخوين فرحلوا ، ثم قدم العادل ، وجهّز المعظّم مع شركس ، وقراجا ، فحاصروا حسام الدين بشارة ببانياس ، فقاتلهم وقُتِل ولده ، وأخرجوه عن البلد ، وتسلمها شركس وتسلم قراجا صرخد .

قلت : ذكر المؤيد أن الملك الأفضل سلم صرخد إلى زين الدين قراجا ، ونقل أمه وأهله منها إلى حمص . واشتد حصار الأخوين لدمشق ، وتعلق النقابون بسورها ، فلما شاهد الظاهر ذلك قال لأخيه : دمشق لي ، فقال : حُرمي على الأرض ليس لنا موضع ، فهب البلد لك فاجعله لي حتى تملك مصر فامتنع الظاهر فقال الأفضل : يا أمراء اتركوا القتال ونُصالح عمي فتفرقت الكلمة ، وترحل الظاهر ، ثم ذهب الأفضل وقنع بسميساط . وأنبأنا ابن البزوري قال : وفيها سار غياث الدين وشهاب الدين ملكا الغور من غزنة في جنودهما إلى خراسان ، وبها الأمير جقر ، فأكرماه واستوليا على مرو ، وسيرا جقر إلى هراة مكرماً ، لأنهما وعداه بالجميل ، ثم سلما مرو إلى هندوخان بن ملكشاه بن علاء الدين خوارزم شاه ، وكان قد هرب من عمه محمد إلى غياث الدين ، ثم سار غياث الدين فملك سرخس صلحاً ، وسلمها إلى الأمير زنكي بن مسعود أحد أولاد عمه ، ثم سار إلى طوس ، فتسلمها بعد أيام بالأمان ، ثم قصد نيسابور وبها علي شاه ابن السلطان خوارزم شاه ، وقد استنابه عليها أخوه قطب الدين محمد ، فراسله في تسليمها ، فامتنع وأظهر القوة ، فقال غياث الدين لجيوشه : إن دخلتموها فسحت لكم في نهبها ، فزحفوا وجدوا حتى أخذوا البلد ، ووقعوا في النهب ، ثم أمر غياث الدين بكف النهب ، وأن يرد كل شخص ما نهب ، فردوه جميعاً ، أخبرت عن بعض التجار قال : كنت بها ، فنهب لي شيء في جملته قليل سكر وبساط فحين نودي في العسكر برد ما نهبوه عدا بساطي والسكر ، وكنت رأيت ما أخذ مني في أيدي جماعة ، فطلبته فقالوا : السكر شربناه ، ونسألك أن لا تشيع ذلك ، وإن أردت الثمن أعطيناك ، فجعلتهم منه في حل ، ثم خرجت إلى ظاهر البلد ، فرأيت البساط ملقى على باب البلد ، لا يجسر أحد أن يأخذه ، فأخذته .

وانهزمت الخوارزمية ، وأسر علي شاه المذكور ، وأحضر بين يدي السلطان غياث الدين راجلاً ، فصعب ذلك عليه ، وأنكر على من أسره ، وأركبه فرساً ، فلما استقر به المجلس أحضره ، فقال له علي شاه : هكذا تفعل بأولاد الملوك ؟ فقال : لا ، بل هكذا ، وأخذ بيده وأجلسه على سريره ، وطيب قلبه ، وسير من كان صحبته من الأمراء إلى هراة ، واستناب بها ضياء الدين محمد بن علي بن عمير ، وولاه حرب خراسان ، ولقبه الملك علاء الدين ، وأضاف إليه الأمراء ، ثم سلم علي شاه إلى أخيه شهاب الدين الغُوريّ . ثم رحل السّلطان غياث الدّين نحو هراة ، وسار أخوه شهاب الدّين نحو قهستان ، وملك بلاد الإسماعيليّة وطردهم عنها ، وأظهر بها دين الإسلام ، وأقام بها فسأل صاحبها السّلطان غياث الدين أن يرحِّل أخاه عنها ، ففعل ذلك ، وأمر أخاه ، فأبى عليه ، فعاوده فرحل عنها إلى بلاد الهند مغاضبًا لأخيه ، وأرسل مملوكه قُطب الدين أيبك فحارب عسكر الهند فهزمهم ، وانضم إليه عالمٌ كثير ، وملك شهاب الدين مدينة عظيمةً من مدن الهند بعد أن هرب ملكها عنها ، فعلم أنّه لا يمكن حفظها إلا بمُقامه بها ، وذلك لا يمكنه ، فصالح صاحبها على مالٍ ، ورحل عنها . قال ابن البُزُوريّ : وزُلزِلت الأرض بالجزيرة ، والشّام ، ومصر ، فأخربت الّزلزلة أماكن كثيرة جدًا بدمشق ، وحمص ، وحماة ، واستولى الخراب على صور ، وعكّا ، ونابلس ، وطرابلس ، وانخسفت قرية من أعمال بُصرَى ، وخربت عدّة قلاع .

وفيها اهتمّ عبد الرحمن بن حمزة العلويّ المتغلّب على بلاد اليمن بجمع العساكر ، فجمع اثني عشر ألف فارس ، ونحوها رجّالة ، فخاف منه الملك المعزّ إسماعيل ابن سيف الإسلام صاحب اليمن ، ثمّ إنّ أمراء ابن حمزة اجتمعوا للمشورة ، فوقعت عليهم صاعقة ، فبلغ ذلك إسماعيل ، فسار لوقته وحارب عسكر ابن حمزة فهزمهم ، وقتل منهم ستّة آلاف ، وتمكّن من اليمن ، وقهر الرعيّة ، وادعى الخلافة وأنّه أُمَوي . وفي ذي القعدة عاد القاضي مجد الدّين يحيى بن الربيع مدرّس النّظامية ، وكان قد نُفِّذ رسولًا إلى شهاب الدّين الغُوريّ . وفيها قدِم الأمير مجد الدين طاشتِكين بعسكره من خُوزستان ، ثم توجه في خامس ذي القعدة حاجًا ومحاربًا للمعز إسماعيل ابن سيف الإسلام ، وخرج نائب الوزارة نصير الدين ناصر بن مهدي فتوجّه إلى الحِلّة لاستعراض العساكر الّتي تحجّ مع طاشتكين ، فاستعرضهم ، وتوجّهوا ، فلمّا وصل طاشتكين أرسل إلى إسماعيل يحذره عواقب فعله وينكر عليه ، فلم يردعه العتب ، فراسل طاشتكِين أمراء اليمن يحثّهم على محاربته ويأمرهم بالجهاد ، وكانوا كارهين ما ادّعاه إسماعيل من ادّعاء الإمامة ، فأجاب أكثرهم إلى ذلك ، وكان إسماعيل يركب في أُبَّهَة المُلك ، ويحترز كثيرًا على نفسه ، فتحالف القرابليّ وأخوه السابق وعيسى بن حوك على اغتياله فركض يوما خلف وحش فوثب عليه القرابلي فحل كتفه بضربة ، وضربه السّابق بدد أمعاءه ، وناديا بشعار الدّولة العبّاسية ، فلبى دعوتهما جمعُ من الأمراء ، ونزلا من خوفهما مركباً ، وهبّت لهم ريح ، فسارا في خمسة أيّام فوصلا جُدة ، ثم أتيا مكَّة ، فخلع عليهما طاشتِكين ، ونفّذ بهما إلى بغداد ، فاختارا أن يكونا في خدمة طاشتِكين بخوزستان .

وفيها خُلع على الأمير طُغرل المستنجديّ زعيم البلاد الجبليّة . وفيها وقع الغلاء المُفرِط ببلاد الشّراة .

موقع حَـدِيث