حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تاريخ الإسلام

سنة ست وستمائة

سنة ست وستمائة فيها نزلت الكرج على خلاط فضايقوها وكادوا يأخذونها ، وكان بها الأوحد ابن الملك العادل ، فقال لملك الكرج إيواني منجمه : ما تبيت الليلة إلا في قلعة خلاط . فاتفق أنه شرب وسكر ، وركب في جيوشه وقصد باب البلد ، فخرج إليه المسلمون ، ووقع القتال ، فعثر به فرسه فوقع ، فتكاثر عليه المسلمون ، وقتل حوله جماعة من خواصه ، وأسر ، فما بات إلا بالقلعة ، وهرب جيشه . وقيل : جرى ذلك في سنة سبع .

وفيها نزل السلطان الملك العادل على سنجار بجيوش عظيمة ، وضربها بالمجانيق أشهراً ، وكاد أن يفتحها ، فأرسل الملك الظاهر من حلب أخاه المؤيد مسعوداً إلى العادل يشفع في أهل سنجار وصاحبها قطب الدين محمد بن زنكي بن مودود ، فلم يشفعه . ومات المؤيد في السفر برأس عين ، وكرهت المشارقة مجاورة الملك العادل ، فاتفقوا عليه مع صاحب إربل وتشفعوا إليه ، فرحل بعد أن أخذ نصيبين والخابور ونزل حران ، وكانت هذه من سيئات العادل ؛ يدع جهاد الفرنج ويقاتل المسلمين ، فإنا لله . وقال ابن الأثير في الكامل : لما استقر أمر خراسان لخوارزم شاه محمد بن تكش عبر جيحون في هذه السنة في جحفل عظيم ، فجمع الخطا جموعهم ، والمقدم عليهم طاينكو ، وكان شيخاً مسناً لقي الحروب .

وكان مؤيداً فيها مدبراً ، فكانت وقعة لم يشهد مثلها ، انكسر فيها الخطا وقتل خلق كثير ، وأسر طاينكو فجيء به إلى خوارزم شاه ، فأجلسه معه على السرير واحترمه ، ثم سيره إلى خوارزم ، وافتتح خوارزم شاه بلاد ما وراء النهر قهراً وصلحاً حتى بلغ أوزكند ، وجعل نائبه عليها ، ورجع إلى خوارزم وفي خدمته ملك سمرقند ، وكان من أحسن الناس صورة ، فزوجه خوارزم شاه بابنته ، ورده ورد معه شحنة يكون بسمرقند على قاعدة ملك الخطا مع صاحب سمرقند . فتعب صاحب سمرقند بالخوارزمية ، وندم لما رأى من سوء سيرتهم وقبح معاملتهم الناس ، وأرسل إلى ملك الخطا يدعوه إلى سمرقند ليسلمها إليه ، ويعود إلى طاعته . ثم أمر بقتل كل من عنده من الخوارزميين ووسط جماعة من أعيانهم ، وعلقهم في الأسواق ، ومضى إلى القلعة ليقتل زوجته بنت خوارزم شاه ، فأغلقت الأبواب ، ومنعت عن نفسها هي وجواريها ، وبعثت تقول له : أنا امرأة ، وقتل مثلي قبيح ، فاتق الله في .

فتركها وضيق عليها . وجاء الخبر إلى السلطان والدها ، فغضب وقامت قيامته ، وأمر بقتل كل من بخوارزم من الغرباء ، فمنعته أمه وخوفته ، فاقتصر على قتل كل سمرقندي بها ، فنهته أيضاً فانتهى . وأمر جيشه بالتجهز إلى ما وراء النهر ، فسار وسار في ساقتهم ، ونازل سمرقند ، وأرسل إلى صاحبها يقول له : قد فعلت ما لم يفعله مسلم ولا كافر ولا عاقل ، وقد عفا الله عما سلف ، فاخرج عن البلاد إلى حيث شئت .

فامتنع ، فزحف عليه ، ونصب السلالم على السور ، وأخذ سمرقند ، ووقع القتل والنهب ثلاثة أيام ، فيقال : إنهم قتلوا بها مائتي ألف ، وسلم درب الغرباء والتجار بحماية . ثم زحفوا على القلعة ، فأخذت ، وأسر الملك ، فلما أحضر قبل الأرض وطلب العفو ، فقتله صبراً ، واستعمل نواباً على سمرقند . وأما الخطا فلما ذهبوا مهزومين اجتمعوا عند ملكهم ولم يكن شهد الوقعة .

وكان طائفة من التتار قد خرجوا من بلادهم أطراف الصين قديماً فنزلوا وراء بلاد تركستان ، فكان بينهم وبين الخطا حروب في هذا القرب ، فلما سمعوا أن خوارزم شاه كسر الخطا قصدوهم مع مقدمهم كشلوخان ، فلما رأى ذلك ملك الخطا كتب إلى خوارزم شاه : أما ما كان منك من أخذ بلادنا وقتل رجالنا فمعفو عنه ، فقد أتانا من هذا العدو ما لا قبل لنا به ، فإن انتصروا علينا وأخذونا فلا دافع لهم عنك ، والمصلحة أن تسير إلينا في عساكرك ، وتنجدنا على حربهم ، فكاتب خوارزم شاه مقدم التتار كشلوخان : إنني معك على قتال الخطا . وكاتب ملك الخطا : إنني قادم لنصرتكم . وسار في جيوشه إلى أن نزل بقرب مكان المصاف ، فلم يخالطهم ، بل أوهم كلاً من الطائفتين أنه معهم ، وأنه كمين لهم ، فالتقوا فانهزم الخطا أقبح هزيمة ، فمال حينئذ خوارزم شاه مع التتار عليهم قتلاً وأسراً ، فلم يفلت منهم إلا القليل مع ملكهم لجؤوا إلى جبال منيعة وتحصنوا بها ، وانضم إلى خوارزم شاه منهم طائفة كبيرة ، وصاروا في جيشه .

فأرسل يمن على كشلوخان ، فاعترف له وأرسل إليه بأن يتقاسما مملكة الخطا كما اتفقا على إبادتهم ، فقال خوارزم شاه : ليس لك عندي إلا السيف ، فإن قنعت بالمسالمة وإلا سرت إليك . ثم سار حتى قاربه ، ثم تبين له أنه لا طاقة له بالتتر ، فأخذ يراوغهم ويبيتهم ويتخطفهم ، فأرسل إليه كشلوخان : ليس هذا فعل الملوك ، هذا فعل اللصوص ، فإن كنت سلطاناً فاعمل مصافاً ، فجعل يغالطه ولا يجيبه ، لكنه أمر أهل فرغانة والشاش وأسبيجاب وكاسان وتلك البلاد النزهة العامرة بالجلاء والجفل إلى سمرقند وغيرها ، ثم خربها جميعها خوفاً من التتار أن يملوكها . ثم اتفق خروج جنكزخان والتتار الذين أخربوا خراسان على كشلوخان ، فاشتغل بحربهم مدة عن السلطان خوارزم شاه فرجع إلى بلاد خراسان .

قلت : وكان هذا الوقت أول ظهور الطاغية جنكزخان ، وأول خروجه من أراضيهم إلى نواحي الترك وفرغانة . وأراضيهم براري من بلاد الصين . قال الموفق عبد اللطيف بن يوسف في خبر التتار : هو حديث يأكل الأحاديث ، وخبر يطوي الأخبار ، وتاريخ ينسي التواريخ ، ونازلة تصغر كل نازلة ، وفادحة تطبق الأرض وتملؤها ما بين الطول والعرض .

وهذه الأمة لغتهم مشوبة بلغة الهند ؛ لأنهم في جوارهم ، وبينهم وبين تنكت أربعة أشهر . وهم بالنسبة إلى الترك عراض الوجوه ، واسعو الصدور ، خفاف الأعجاز ، صغار الأطراف ، سمر الألوان ، سريعو الحركة في الجسم والرأي ، تصل إليهم أخبار الأمم ، ولا تصل أخبارهم إلى الأمم ، وقلما يقدر جاسوس أن يتمكن منهم ؛ لأن الغريب لا يتشبه بهم ، وإذا أرادوا جهة كتموا أمرهم ونهضوا دفعة واحدة ، فلا يعلم بهم أهل بلد حتى يدخلوه ، ولا عسكر حتى يخالطوه ، فلهذا تفسد على الناس وجوه الحيل ، وتضيق طرق الهرب ، ويسبقون التأهب والاستعداد . ونساؤهم يقاتلن كرجالهم ، وربما كان للمرأة رضيع فتعلقه في عنقها وترمي بالقوس .

يرد على البلد منهم أولاً نفر يسير حتى يطمع فيهم أهله ، فينشرون وراءهم حتى يبعدوا وذاك النفر منهزمون بين أيديهم ، ثم ينهالون عليهم كقطع الليل فيعجلونهم عن المدينة فيجعلونهم كالحصيد ، ويدخلون المدينة فيقتلون النساء والصبيان بغير استثناء . وأما الرجال فربما أبقوا منهم من كان ذا صنعة أو له قوة في الخدمة . قال : والغالب على سلاحهم النشاب وكلهم يصنعه ، ونصولهم قرون وحديد وعظام ، ويطعنون بالسيوف أكثر مما يضربون بها .

ولهم جواشن من جلود وخفاف واقية . وخيلهم تأكل الكلأ رطباً ويابساً ، وما وجدت من ورق وخشب ، وإذا نزلوا عنها أطلقوها . وسروجهم صغار خفاف ليس لها قيمة .وأكلهم لحم أي حيوان وجد وتمسه النار تحلة القسم .

وليس في قتلهم استثناء ولا إبقاء . وكأن قصدهم إفناء النوع ، وفعلوا ذلك بجميع خراسان ، ولم يسلم منهم إلا أصبهان وغزنة . قال : ويظهر من حالهم أنهم لا يقصدون الملك والمال بل إبادة العالم ليرجع يباباً .

وقال غيره : هذه القبيلة الخبيثة تعرف بالتمرجي سكان البراري قاطع الصين ، ومشتاهم بموضع يعرف بأرغون . وهم طائفة مشهورة بالشر والغدر . وسبب ظهورهم أن إقليم الصين متسع مسيرة دورة ستة أشهر ، ويقال : إنه يحويه صور واحد لا ينقطع إلا عند الجبال والأنهار .

قلت : وهذا بعيد وهو ممكن . والصين ست ممالك ، ولهم ملك حاكم على الممالك الستة ، وهو قانهم الأكبر المقيم بطمخاخ ، وهو كالخليفة للمسلمين . وكان سلطان أحد الممالك الستة وهو دوس خان قد تزوج بعمة جنكزخان ، فحضر زائراً لعمته وقد مات زوجها .

وكان قد حضر مع جنكزخان كشلوخان ، فأعلمتهما أن الملك لم يخلف ولداً ، وأشارت على ابن أخيها أن يقوم مقامه ، فقام وانضم إليه خلق من المغول . ثم سير التقادم إلى الخان الكبير ، فاستشاط غضباً ، وأمر يقطع أذناب الخيل التي أهديت وطردها ، وقتل الرسل ، لكون التتار لم يتقدم لهم سابقة بتملك ، إنما هم بادية الصين . فلما سمع جنكزخان وصاحبه كشلوخان تحالفا على التعاضد ، وأظهرا الخلاف للخان ، وأتتهما أمم كثيرة من التتار .

وعلم الخان قوتهم وشرهم ، فأرسل يؤانسهم ، ويظهر مع ذلك أنه ينذرهم ويهددهم ، فلم يغن ذلك شيئاً ، ثم قصدهم وقصدوه ، فوقع بينهم ملحمة عظيمة ، فكسروا الخان الأعظم أقبح كسرة ، ونجا بنفسه ، وملك جنكزخان بلاده واستفحل شره . فراسله الخان بالمسالمة ، ورضي بما بقي في يده من الممالك ، فسالموه . واستمر الملك بين جنكزخان وكشلوخان على المشاركة .

ثم سارا إلى بلاد ساقون من نواحي الصين فملكاها . فمات كشلوخان ، فقام مقامه ولده ، فاستضعفه جنكزخان ووقعت الوحشة ، فطلب ابن كشلوخان قبالق والمالق ، فصالحه ملكها ممدود خان بن أرسلان وملك كاشغر من الترك ، وقوي ، وبعد صيته ، فجرد لحربه جنكزخان ولده دوشي خان في عشرين ألفاً ، فحاربه وظفر به دوشي خان . واستقل جنكزخان ، ودانت له التتار وانقادت له ، ووضع لهم قواعد يرجعون إليها ، فالتزموا بها وأوجبوها على نفوسهم ، بحيث إنه من خالف شيئاً منها فقد ضل ووجب قتله .

واعتقدوا فيه وتألهوه ، وبالغوا في طاعته والتزام ياسته . ثم وقع مصاف في بلاد الترك بين دوشي خان والسلطان خوارزم شاه محمد ، فانهزم دوشي خان بعد أن أنكى في جيش محمد . وعاد محمد إلى بلاد سمرقند وهو في هم وفكر لما رأى من صبر التتار وقتالهم وكثرتهم .

وستأتي أخبارهم فيما بعد عند ظهورهم على خوارزم شاه ، وأخذهم ممالكه سنة سبع عشرة .

موقع حَـدِيث