سنة ثلاث وثلاثين وستمائة
سنة ثلاث وثلاثين وستمائة في المحرم دخل بغداد الناصر داود بن المعظم ، وتلقاه الموكب وخلع عليه قباءٌ أطلس وشربوش ، وأمطي فرسا بسرج ذهب ، وأقيمت له الإقامات . ولما مر بالحلة عمل له زعيمها سماطا عظيما ، فقيل : إنه غرم على الدعوة اثني عشر ألف دينار ، ولما أراد التوجه ، خلع عليه قباءٌ أسود ، وفرجية ممزج ، وعمامة قصبٍ كحليةٌ مذهبةٌ ، وأعطي فرسا بمشدة حريرٍ ، يعني الحزام الرقبة ، وأعطي علما ، وخفتاتين ، وخيما ، وكراعا ، وآلاتٍ ، وعدة أرؤس من الخيل ، وبقج قماشٍ ، وخمسة وعشرين ألف دينار ، وذلك بعد الصلح بينه وبين عميه الكامل والأشرف . وأرسل في حقه رسولٌ إلى الكامل ، وسافر في رمضان .
وفي ربيع الأول جاءت فرقةٌ من التتار إلى إربل فواقعوا عسكرها فقتل جماعةٌ من التتار ، وقتل من الأرابلة نفرٌ يسير . ثم إن التتار ساقوا إلى الموصل ونهبوا وقتلوا ، فاهتم المستنصر بالله وفرق الأموال والسلاح . فرجع التتار ودخلوا الدربند ، ورد عسكر بغداد وكان عليهم جمال الدين قشتمر .
وفيها عزل أبو المعالي بن مقبل عن قضاء القضاة ، وتدريس المستنصرية . وولي التدريس أبو المناقب محمود بن أحمد الزنجاني الشافعي . ثم ولي قضاء القضاة أبو الفضل عبد الرحمن ابن اللمغاني .
وفيها وصل سراج الدين عبد الله بن عبد الرحمن الشرمساحي المالكي إلى بغداد بأهله ، فولي تدريس المالكية بالمستنصرية ، وبانت فضائله . وفيها وصل إلى بغداد أيضا شهاب الدين أحمد بن يوسف ابن الأنصاري الحلبي الحنفي ، وولي تدريس المستنصرية . وفيها عدى الكامل والأشرف الفرات إلى الشرق ، واستعاد الكامل حران والرها من صاحب الروم ، فأخرب قلعة الرها .
ثم نزل على دنيسر فأخربها . فجاءه كتاب صاحب الموصل أن التتار قد قطعوا دجلة في مائة طلبٍ ، ووصلوا إلى سنجار ، فخرج إليهم معين الدين ابن كمال الدين ابن مهاجر فقتلوه . فرد الكامل والأشرف إلى الشام .
فأتت عساكر الروم والخوارزمية إلى ماردين فنزل إليهم صاحبها ، وأتوا إلى نصيبين ، فأخربوها ، وبدعوا ، وعملوا فيها أعظم مما فعل الكامل بدنيسر ، فلا حول ولا قوة إلا بالله . قال سعد الدين ابن شيخ الشيوخ - وأجازه لنا - : فيها وصلت الأخبار من مصر بأن فيها وباء عظيما ، بحيث إنه مات في شهر نيف وثلاثون ألف إنسان . ثم ساق كيفية حصار الكامل لحران .
وقتل عليها عددٌ من المسلمين . وزحف عليها الكامل والأشرف مرات ، وجرح خلقٌ كثيرٌ . ثم أخذها بالأمان من نواب صاحب الروم وأخذهم في القيود ، وجرت أمورٌ قبيحةٌ جدا .
وفي رمضان كان الملك الكامل بدمشق نازلا في دار صاحب بعلبك التي داخل باب الفراديس ، فأعطى آمرية مائة فارس للصاحب عماد الدين عمر ابن الشيخ . وفي آخر السنة حشد صاحب الروم وجمع ونازل حران وآمد ، وتعثرت الرعية بينه وبين أولاد العادل ، نسأل الله اللطف . ثم جرت أمورٌ .
وفيها أخذت الفرنج - لعنهم الله - قرطبة بالسيف ، واستباحوها ، فقال لنا أبو حيان : توفي ابن الربيع بإشبيلية بعد استيلاء النصارى على شرقي قرطبة سنة ثلاثٍ وثلاثين . وقال ابن الأبار : استولت الروم على قرطبة في شوال سنة ثلاث وثلاثين . قلت : هي أكبر مدائن الأندلس وما زالت دار إسلام من زمن الوليد بن عبد الملك إلى أن استولت النصارى الآن عليها بالأمان .