سنة اثنتين وثلاثين وستمائة
سنة اثنتين وثلاثين وستمائة فيها شرع الملك الأشرف في بناء جامع العقيبة ، وكان قبل ذلك خانا يقال له : خان الزنجاري ، فيه الخمور والخواطئ ، فأنفق عليه أموالا كثيرة . وفيها في صفر وصل إلى الديوان العزيز رسولٌ من الأمير عمر بن رسول أنه استولى على بلاد اليمن ، وأرسل تقادم وتحفا . وفيها ختم القرآن عبد الله ابن المستنصر بالله ، وهو المستعصم الذي قتلته التتار ، ختم على مؤدبه أبي المظفر علي ابن النيار ، فعملت دعوةٌ هائلة غرم عليها عشرة آلاف دينار ، وأعطى ابن النيار شيئا كثيرا ، من ذلك : ألف دينار ، وخلعٌ عديدة .
وفيها جلس الوزير نصير الدين ابن الناقد ، واستحضر الولاة والتجار والصيارف ، ثم فرشت الأنطاع ، وأفرغ عليها الدراهم التي ضربت بأمر المستنصر بالله ، فقام الوزير والدولة خدمة لرؤيتها ، ثم قال : قد رسم مولانا أمير المؤمنين بمعاملتكم بهذه الدراهم عوضا عن قراضة الذهب ، رفقا بكم ، وإنقاذا لكم من التعامل بالحرام من الصرف الربوي فأعلنوا بالدعاء والطاعة . ثم سعرت كل عشرة بدينارٍ إمامي ، وأديرت بالعراق ، فقال الموفق أبو المعالي القاسم بن أبي الحديد : لا عدمنا جميل رأيك فينا أنت باعدتنا عن التطفيف ورسمت اللجين حتى ألفنا ه وما كان قبل بالمألوف ليس للجمع كان منعك للصر ف ، ولكن للعدل والتعريف وفي ربيع الأول كانت وقعة أهل سبتة مع الفرنج ، وذلك أن متوليها الينشتي كان قد بالغ في تألفهم ، فكانوا يأتون بالتجارات ، فكثروا إلى الغاية بسبتة بحيث إنهم صاروا بها أكثر من أهلها ، فطمعت الفرنج وراموا تملك البلد ، وأعملوا الحيلة . وكان لأبي العباس الينشتي ابنان ؛ أحدهما قائد البحر ، والآخر قائد البر .
فخرج قائد البر نوبة بجيشه لأخذ الخراج من القبائل ، فعزم الملاعين على أمرهم ، ولبسوا أسلحتهم وخرجوا ، فطلبوا من سقاءٍ ماء ، فأبى ، فقتلوه وشرعوا في القتال . وثار المسلمون إليهم ، والتحم الحرب ، فقتلوا من أهل الربض خلقا ، وسد أهل البلد الباب في وجوههم ورموهم بالنشاب من المرامي ، وأسرع الصريخ إلى قائد البر ؛ فكر بالجيش ركضا ، والإفرنج قد ملكوا الربض ، وسدوا بابه الواحد ، وهم على أن يغلقوا الثاني ، فحمل الجيش عليهم حملة صادقة ، فدخلوا عليه ، فلم يفلت منهم إلا الشريد ، ففروا إلى البحر هاربين ، وغنم المسلمون من الأموال ما لا يوصف . فذهب المنهزمون واستنجدوا بالفرنج ، ثم أقبلوا في هيئةٍ ضخمة من الرجال والمراكب وآلات الحصار والمجانيق ، ونازلوا سبتة ، واشتد الأمر ، فطلب المسلمون المصالحة ، فقالوا : لا نرد حتى يغرموا لنا جميع ما أخذ لنا في العام الماضي .
فأعطوا جميع ذلك ؛ التزم الينشتي لهم بذلك ، وعجز عن البعض ، فشرع في مصادرة العامة ، فتوغلت صدورهم عليه ، وقال له الأعيان : الرأي يا أبا العباس أن نصالح صاحب المغرب ، فكأنه أحس منهم القيام عليه فأجاب على كرهٍ ، فكاتبوا الرشيد عبد الواحد ؛ فبعث جيشا مع وزيره ، وفتح أهل سبتة له البلد ، وأسر الينشتي هو وابنه الواحد ثم قتلا بالسم بمراكش ، وهرب ابنه الآخر في البحر ، فما استقر إلا بعدن . وأما الفرنج فنازلوا على إثر ذلك بلنسية ، فأخذوها .